الدرس اللاتيني لعسكر مصر… الإختيار بين الانسحاب أو الانهيار د. نزار بدران Feb 14, 2018


د. نزار بدران


Feb 14, 2018

بعد أسابيع قليلة سيتوجه الناخبون المصريون )أو لا يتوجهون( إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس للجمهورية، وليس لهم عملياً إلا مرشح واحد، وهو الرئيس ألحالي عبد الفتاح السيسي. الكل يعرف وعلى رأسهم الرئيس، أن النظام المصري الحالي لا يسمح بأي شكل من أشكال التعبير الحر الديمقراطي، فكيف سيسمح بانتخابات تنافسية، وتصريحاته الأخيرة تؤكد ذلك.
لم تعرف بلاد العرب حتى الآن، انتقالا سلميا للسلطة، بين المؤسسة العسكرية ومؤسسة الأحزاب، كما حدث في بقاع أخرى بالعالم، هذا ما حدث في البرازيل عام 1985، أو تشيلي عام 1989، أو الأرجنتين عام 1983 أكبر دول بالقارة الامريكية الجنوبية.
انسحب العسكر في هذه البلاد الثلاثة، بعد فشلهم بإدارتها، واستبقوا الأحداث، بموافقتهم ولو بتردد وحيطةٍ، بالعودة لثكناتهم، بدون ثورات ولا دمار إضافي.
إنه لمن المفيد دراسة وفهم ومقارنة الأنظمة العسكرية في أمريكا اللاتينية، مع النظام العسكري المصري، فمنطق العسكر، بكل بقاع الأرض متشابه، وكذلك رد فعل الشعوب.
وصلت الحكومات العسكرية في أمريكا اللاتينية، في مرحلة الحرب الباردة، وبدعم واضح، أو حتى بتحريض من وكالة المخابرات الأمريكية، أول هذه الانقلابات كان في البرازيل، حيث انقلب الجيش على الرئيس المُنتخب جاو جولارت، رئيس حزب العمل البرازيلي، بالأول من نيسان/ابريل عام 1964 وكان ذلك رداً على الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو،التي افزعت الكثير، حيث تم تشجيع الجيش على التمرد للإطاحة بالرئيس المنتخب، وقام الرئيس جونسون بزمنه بالاعتراف فوراً بالنظام العسكري الجديد، لإضفاء طابع الشرعية عليه، بالإضافة لوضع قطع بحرية أمريكية أمام سواحل العاصمة البرازيلية، لدعم الانقلابيين إن استدعت الأحداث ذلك. عودة الديمقراطية للبرازيل تمت على مدار سنوات عدة، بعد التصويت على قانون العفو العام لعام 1979.
في الأرجنتين بدأ حكم العسكر، بانقلاب على الحكم المدني البيروني عام 1976، ولكن هؤلاء كانت لهم تجربة قديمة بالانقلابات والعودة للديمقراطية منذ عام 1930، حيث حصلت ستة انقلابات عسكرية، وهذا ما يُشبه تبادل السلطة بين الحكم العسكري والحكم المدني الديمقراطي، تميز آخر انقلاب بالعنف المُفرط، الكل يتذكر مظاهرات أمهات وزوجات المخطوفين كل خميس، بإحدى ساحات العاصمة الأرجينتينية بوينس أيروس، انتهى حكم الجنرالات بعد الحرب الخاسرة، التي خاضوها لاستعادة جزر الملاويين، من بريطانيا زمن مارغريت تاتشر عام 1982، والتي أدت إلى فقدانهم التام لأي قاعدة اجتماعية، وعودة الديمقراطية عام 1983، بانتخاب الرئيس راؤول الفونسين.
في تشيلي وصل الجنرال أوغستو بينوشيه للسلطة عام 1973، بعد انقلاب دموي على الرئيس المنتخب الإشتراكي سلفادور أليندي، بدعم من المخابرات الأمريكية، ووزير الخارجية في ذلك الوقت هنري كيسنجر، ترك العسكر السلطة تدريجياً، وعادت الديمقراطية بعد الاستفتاء الخاسر عام 1988، والإنتفاضة التي تلته.
أوجه الشبه مع الحالة المصرية عديدة، فالدعم الأمريكي كان مُعلناً وواضحاً بالنسبة لأمريكا اللاتينية، وهذا الشيء نفسه بالنسبة لمصر، بالإضافة لتحالفها القوي مع إسرائيل.
نلاحظ في جميع هذه الدول استغلال الجو الديمقراطي للحكم المنتخب، لتأليب جزء من الشعب، كما حدث بالبرازيل، مع خروج مئات آلاف المتظاهرين ضد الرئيس جولارت، أو الاضطرابات الكبيرة بقطاعات عدة في تشيلي ضد الرئيس أليندي، او الخلافات داخل اجنحة السلطة بعد عودة الرئيس بيرون من منفاه إلى وطنه الأرجنتين، وهو ما كان مبِرراً للإنقلاب تحت شعار تحقيق مطالب الجماهير، هذه القوى النقابية والسياسية، التي تُمنع فوراً بعد نجاح الانقلاب من القيام بأي احتجاج أو عمل شعبي أو تظاهر، وتضييق الخناق عليها، ولا يُقبل منها إلا السير وراء السلطة الجديدة.
الرقابة الكاملة على الإعلام بكل أشكاله هي أيضا صفة دائمة، فلا صوت يعلو فوق صوت أبواق النظام، وتطول هذه الرقابة مجالات الأدب والثقافة والفن ( الموت المشبوه لصاحب جائزة نوبل للآداب الشاعر بابلو نيرودا عشرة أيام بعد انقلاب التشيلي)، وليس فقط الإعلام المكتوب والمرئي، هذه الأبواق لا تتكلم عن نظام عسكري، ولكن كما حدث في البرازيل، تسميه بالنظام المدني العسكري.
كان التضييق الكبير على الحريات العامة، والاعتقال والتنكيل بالمعارضين، وسياسة الخطف والإخفاء القسري، مُتبعة بشكل واسع في أمريكا اللاتينية، وهذا هو الحال أيضاً في مصر، كذلك هروب جزء من المعارضين إلى الخارج.
تبرير القمع المُمنهج، بالخطر الآتي من الشيوعيين أو الحركات المسلحة، التي لم توجد حقاً إلا بعد الانقلاب، وفي الحالة المصرية الإرهاب الإسلامي (المُحتمل كما قال السيسي يوم انقلابه على الديمقراطية)، هذه الحركات المسلحة كانت بالواقع رداً على النظام العسكري وليست سببا له. ولتبرير كل شيء والتخلص من أدنى معارضة رفع الجيش كذلك شعار أمن الوطن وحمايته، فعدد القتلى بالأرجنتين مثلاً، زمن الحكم العسكري، بلغ ما بين 15 إلى 30 ألفا ومليون ونصف المليون لاجئ بالمنافي، وعشرات آلاف المختفين.
تميزت هذه النظم في أمريكا الجنوبية أيضا بالدفع في اتجاه مزيد من الشوفينية الضيقة، والفكر القومي القريب من الفاشية وتبني صبغة دينية كاثوليكية أصولية والذي أستعمل كوسيلة تعبوية شعبوية على شكل واسع ضد المد الثوري اليساري.
يضاف إلى ذلك المحاولات المستميتة لإعطاء غطاء ديمقراطي للنظام الاستبدادي، عن طريق انتخابات شكلية محسومة مسبقاً، أو كما حدث في البرازيل، تبادل السلطة بين الجنرالات أنفسهم دوريا والإبقاء على بعض الوجوه المدنيةً.
اتباع سياسة اقتصادية موغلة في الليبرالية، تُفقر الفقراء وتُغني الأغنياء، تحت شعار التنافس الحر العالمي، والإصلاح الاقتصادي، وخصخصة معظم القطاعات، بما فيها كالحالة التشيلية، القطاع التعليمي الجامعي والصحة، بناء على نصائح ما يُسمى، شيكاغو بويز، من جامعة سانت ياغو، ومنظرهم الأمريكي الليبرالي المُتطرف، ملتون فريدمان. واستيلاء العسكر على أهم مصادر الثروة، وإدارتها دون حسيب ولا رقيب ولصالحهم فقط.
استطاعت الأنظمة العسكرية تثبيت نفسها، عن طريق التحالف مع بعض القوى السياسية والاجتماعية، الآملة بالمشاركة بالسلطة والثروة، كما حدث مع نقابات عمالية ومهنية (أطباء، سائقي ناقلات الشحن في تشيلي)، وكذلك في البرازيل والأرجنتين، حيث يتمتع العسكر تاريخياً بدعم بعض شرائح المجتمع.
النظام المصري أيضاً تحالف مع البرادعي الليبرالي، وقطاعات من المؤسسة الدينية والاجتماعية للهدف نفسه، وكانت كل هذه التحالفات لحظية لتثبيت حكم العسكر، وليس لتقاسم السلطة.
من ناحية أخرى تكمن أوجه الاختلاف بين التجربتين الأمريكية الجنوبية والمصرية في عدة مجالات، نذكر منها النجاح النسبي والجزئي للسياسة الاقتصادية في دول الأنظمة العسكرية الثلاثة اللاتينية، ففي بداية عهده، اعتبر بعض اخصائي الاقتصاد العالميين، سياسة الجنرال بينوشيه، كنموذج يُحتذى به، ولكن السنوات اللاحقة أثبتت العكس تماماً وإفلاس هكذا نظام.
ولكن أهم فرق برأيي، هو قبول عسكر أمريكا اللاتينية، بعد فشلهم الذريع الاقتصادي، وبنواحي حياتية أخرى بالإنسحاب وعودة الديمقراطية، ولو مع ممانعة داخلية، لبعض أجنحة النظام، كمحاولة اغتيال الجنرال بينوشيه، من المؤسسة العسكرية نفسها، عند إقرار الاستفتاء الذي خسره عام 1988.
قد تكون العودة للديمقراطية أكثر قبولاً، داخل هذه الدول، بسبب وجود ثقافة ديمقراطية سابقة، حيث أنها مرت كلها بمراحل تناوب بين الحكم المدني والحكم العسكري، على مدى العقود التي سبقت آخر وصول للعسكر للسلطة، وهذا ما هو مفقود في النموذج المصري منذ وصول جمال عبد الناصر عام 1952، فلم تعرف أجيال عدة من المصريين إلا الحكم العسكري حتى ثورة كانون الثاني/يناير 2011.
في الدول الثلاث اللاتينية كان انهيار حكم العسكر ناتج عن أوضاع جديدة متردية أوصلها النظام لبلاده، ودفعه للانسحاب والسماح بالديمقراطية، فتشيلي في بداية الثمانينات، وبعد الطفرة الاقتصادية ببداية حكم بينوشيه، شهدت انهيار سعر النحاس، المادة الخام الأهم، والمصدر الأساسي للدخل، متزامناً مع ارتفاع أسعار النفط، بعد بداية الحرب الإيرانية العراقية، دافعاً النظام إلى تنظيم استفتاء أدى إلى عودة تدريجية للديمقراطية.
في البرازيل كانت النجاحات الاقتصادية ما بين 1968 و 1973 مع نمو اقتصادي سنوي بنسبة 11% أحد أسباب انضمام أجزاء من الطبقة الوسطى إلى القاعدة الداعمة للنظام، ولكن الأوضاع انقلبت تماما عام 1973 بعد الصدمة البترولية أثر حرب أكتوبر/تشرين الأول في الشرق الاوسط والتي أدت إلى التضخم المالي والتراجع الاقتصادي. أنتهى ذلك باستشعار العسكر أن لحظة التغيير قد حانت لهم فقام الجنرال المعين عام 1974 أرنستو غيزيل بوضع سياسة انفتاح أدت تدريجيا وعلى مدى عشر سنوات لعودة الديمقراطية عام 1985.
الاقتصاد الارجنتيني الزراعي وصل حدا كارثيا باعتراف وزير الاقتصاد حين ذاك دانينو باستور حيث بلغ التضخم عام 1981 300 في المئة والدين الخارجي 35 بليون دولار.
خسرت الأرجنتين بالمقابل، الحرب التي شنها العسكر، لاستعادة جزر الملاوين عام 1982، لتغطية فشلهم الاقتصادي، ما أدى لعودة الديمقراطية عام 1983، وتنظيم انتخابات عامة.
لم يُحاكم حقاً الجنرال بينوشيه لجرائمه، وكذلك جنرالات البرازيل، حيث لم يُقدم أحد للمحاكمة حتى اللحظة تحت شعار المصالحة الوطنية، عكس الأرجنتين التي ما تزال حتى اليوم تُحاكم رموز النظام السابق والذين كانوا الأكثر وحشية وإجراما. الأنظمة الديمقراطية الحالية في دول أمريكا اللاتينية الثلاث أصبحت ثابتة ولم يعد للعسكر اي دور وخرجوا نهائيا من السلطة.
في مصر لم يؤد حتى اللحظة التردي الاقتصادي أو حتى خسارة حرب 1967، إلى أي تغيير ديمقراطي للنظام، وحدها ثورة الشعب المصري عام 2011، من سمح بهذه التجربة على قصرها.
عليهم أن يعلموا، وهذا درس أمريكا اللاتينية، أنه من المستحيل الاستمرار بحكم البلاد والعباد، بالنار والحديد، وسرقة عرق الكادحين، وثروات الأوطان إلى ما لا نهاية. ولن يغير دعم أمريكا وإسرائيل لهم من ذلك شيئا.

كاتب عربي مقيم في فرنسا

الربيع الإيراني الحليف والمنقذ

القدس العربي

الربيع الإيراني الحليف والمُنقذ

د. نزار بدران

Jan 05, 2018

لم يعد النموذج السوري فعالاً لمنع شعوب الدول العربية وإيران، من البقاء في حالة ذهول وشلل، بعد بدئهم للربيع الديمقراطي، لعام 2009 في إيران و 2010 في تونس. عنف الثورة المضادة اللامتناهي، قتل مئات الآلاف ودمر مدنناً بأكملها، وهجر وجوع الملايين، وأعاد لليمن وغيرها، زمن الأوبئة والكوليرا التي كنا قد اعتقدنا أنه ولى بلا رجعة.
استعملت الأنظمة المُستبدة، كل إمكانياتها العسكرية، وحصلت على الدعم بدون حدود من أنظمة المافيا الحاكمة في موسكو، أو الظلامية في إيران ومع تواطؤ الغرب الديمقراطي بشكل مفضوح، تحت ضغط اللوبي الصهيوني الواضح، وقد نجحت فعلياً في نقل الثورة، من وضعية التناقض بين الشعوب وأنظمتهما إلى حروب طائفية وعرقية ودينية وإدخال حركات إرهابية إسلامية شمولية الفكر كند بديل لها.
ولكننا مع ذلك، بدأنا برؤية ظواهر فشل الأنظمة وداعميها، وفشل فزاعة البديل الشمولي الإسلامي بعد وصولهم لآخر الشوط، وأبعد ما يمكن أن يعملوه، للبقاء على قلوب وصدور الناس، وفرض الاستبداد للأبد.

حراك الشارع الإيراني أخيراً، هو هدية السنة الجديدة، للشعب السوري وللشعوب المقهورة، هو عودة لأول حراك ديمقراطي في المنطقة العربية والإسلامية قبل ثماني سنوات، والذي وئد بقوة ألسلاح وأعمدة المشانق والسجون.
مهما كان مصير هذا الحراك، ودواعيه اللحظية، والأطراف الفاعلة فيه حالياً، إلا أنه يُعبر عن استحالة أن يقبل الشعب ألإيراني ذو الحضارة العريقة، الضاربة بالتاريخ، بأن تضيع ثرواته، وتُبدد آماله عندما قام بالثورة ضد الشاه عام 1979 أدراج الرياح، وأن يصبح وطن العلماء أمثال إبن سينا والفارابي، وطناً ظلامياً، يُجند أبناءه لقتل من يُطالبون بالحرية، في العراق وسوريا واليمن.
وإن نظرنا إلى مناطق أخرى، فإننا نرى بدء عودة الزهور للربيع ألعربي فحراك الشعب الكردي في السليمانية، ضد استبداد الأحزاب الكردية العراقية، وحراك مدينة جرادة في المغرب هذه الأيام، وقبله مدينة الحسيمة، يُظهر أن الشعوب، ترفض أن تُقسم بين طائفة وطائفة، ودين ودين، وجنس وجنس، ولكنها تضع من جديد، التناقض الرئيسي، في موضعه الصحيح، أي بين الظالم والمظلوم، والسالب والمسلوب، والحاكم المُستبد والشعب المقهور، وليس بين العربي والكردي، أو السني والشيعي، والمسلم والمسيحي، وابن الشمال وابن الجنوب.
هذا يعني عودة بوصلة الربيع العربي إلى الاتجاه السليم، كلنا أخوة مواطنون، لنا نفس الحقوق ونفس الواجبات، ولسنا طوائف وقبائل، تتذابح لبقاء أنظمة الظلم والاستعباد.
وما نراه من فشل على عبد الله صالح، بالعودة للسلطة في اليمن وانتهاء وجوده، وفشل السعودية بفرض إرادتها على ثورة هذا الشعب، واستمرار الحراك الديمقراطي البحراني والذي لم تدعمه سلطة طهران الدينية بعكس الحوثيين في اليمن أعداء الثورة رغم قرب البحرين من إيران وبعد اليمن، وتراجع حفتر الظاهر عن مشاريعه في ليبيا بعد فشلها، وقبوله بانتخابات حرة، إلا مظاهر أخرى، لعودة الأمل مهما كان صغيراً .
ثورة إيران المقبلة، هي أمل الربيع العربي، وخصوصاً الشعب السوري البطل، بنجاح ثورته، وستكون حليفة الشعوب العربية بوجه الظلم.

حقوق المرأة العربية في مرآة ربيع الشعوب

أثارت تصريحات الرئيس، الباجي قائد السبسي، بشأن حقوق المرأة التونسية بالمساواة بالإرث، وبحق الزواج بمن تشاء، وحتى من غير المسلم، ردود فعل عديدة في وسائل الإعلام المختلفة، كل أدلى بدلوه في شأن أولوية أحقية النص الديني أم العقل الإنساني بالإتـباع، وما إلـيه من نقـاش يدور في بلادنا، مـنذ أكـثر من 14 قرنـاً، ولم يُحسـم بعد.
ما يهُمني في هذا المقال هو العلاقة الجدلية القائمة والمفترضة، بين حقوق المرأة بشـكل عـام في بلادنا، وحقنا كأمة بالتحرر من التخـلف الفكري، والأنظمة الاستبدادية والإنغلاق الديني. ولا يخفى على أحد، أن الربيـع العـربي الذي بدأ في تونس بنهاية عام 2010، لم يكن يرفع أي شعار ديني، وإنما الانتمـاء إلى الحضارة الإنسانية، عن طـريق الحصــول على الديمقراطية كنظام حكم، وأولـوية الإنســان التونسي والعربي، بتقرير من يحـكمه وكــيف؟.
لم يكن هذا الحراك الشعبي، فقط رد فعل على موت البائع المتجول، أو مرتبطا بحدث مُحدد بزمنه، في بلاد الربيع العربي، بل كان تتويجاً لتطور اجتماعي عميق، بدأ منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وأدى إلى وجود طبقة مثقفة من الشباب، وحتى ولو كانت قليلة عددياً، لكنها لم تعد تقبل، مسلمات الماضي والتبعية للزعيم أو العادات والتقاليد والحكم العائلي والقبلي، بدأت المرأة في الانعتاق من الظلم الاجتماعي، رويداً رويداً، ودخلت المدارس ثم الجامعات، حتى أنها أصبحت تُشكل في كثير من الدول العربية، غالبية الطلبة في الكليات المختلفة. لم تعد تقبل أن تبقى قابعة في بيتها تنتظر الزوج، وتتأهب لإنجاب عشرة أولاد. (حيث مُعدل الإنجاب حالياً في الدول العربية، أصبح بالمستويات العالمية نفسها، إن لم يكن أقل من ذلك في أكثر من دولة).
هذه التحولات الاجتماعية، ترافقت مع ثورة العولمة والأنترنت، فاستطاعت هذه الطبقة الوسطى الصغيرة، أن تتصل بالعالم وتتعرف على ما يدور خارج أسوار أوطانها العالية، الفاقدة سابقا لأي نافذة لرؤية الآخرً. لم تعد تقبل الاستمرار كما فعل آباؤها وأجدادها، بالتسبيح بحمد الزعيم، وانتظار المعجزات الدينية وإنجازات الحزب الحاكم.
ووجه ذلك بسخط كبير وعنف أكبر، من قِبل الأنظمة المُستبدة على امتداد الوطن العربي، والذي أسال الدم في رابعة العدوية وحمص وحماة وحلب وعدن وصنعاء والمنامة وغيرها، ودمر مدناً بأكملها، فقد أظهر الحراك الشبابي حقيقة الأنظمة التي تحكمنا منذ عشرات السنين، وعدم أهليتها ولا بأي شكل من الأشكال، لحكم البلاد والعباد.
في تحالف موضوعي غير مباشر توغل الإسلامويون المتطرفون، بعد موجة إسلاموية تبعت الثورات العربية، بهدف طمس أي فكر حداثي، ومحاولة بائسة للأنظمة لإنهاء الربيع بإغراقه بالطائفية والصراعات العقيمة والفكر المُتخلف، وهو ما نجحت به نسبياً، لأنها استطاعت أن تُثبت نفسها وتستعيد زمام المُبادرة في كثير من الأماكن. لكن الربيع العربي ليس فقط حراكا جماهيريا يقتصر على المظاهرات السلمية، وإنما تطور عميق للبيئة الاجتماعية، يستطيع أن يُطل برأسه بأشكال أخرى، مثل الماء الجارف، لا يمكن لشيء وقفه، ولو تم تحويل اتجاهه لفترة من الزمن.
مُقترحات الرئيس السبسي في تونس، ولكن أيضاً تصويت البرلمان اللبناني، على إلغاء المادة 522 من قانون العقوبات الذي يعفي المغتصب من العقوبة في حالة زواجه من الضحية؛ بعد ضغط شعبي مدني كبير، وما حدث في السياق نفسه في الأردن، وقبله في المغرب بشأن إعطاء الجنسية، يدل على أن مفهوم الحداثة والحق الإنساني والفردي، يبقى مطلب الطبقة الواعية التي قادت الربيع العربي، وليس طبعاً مطلب عُتاة قوى الإسلام السياسي بكل أطيافهم، المعروض علينا بديلاً للأنظمة.
لقد أثبتت المرأة الأردنية واللبنانية والمغربية والتونسية ونساء أُخريات كُثر، أنهن بحق معيار الحداثة والحقوق ورفع قيم الربيع العربي. لا يجب أن نرى ذلك كظاهرة مستقلة عن الأحداث الجارية منذ سبع سنوات، بل هو امتداد لها، نصف المجتمع المكون من النساء، أخذ وسيأخذ زمام المبادرة لإعادة الروح للفكر الثوري الحضاري، ودفع ظاهرة زحف الحداثة وعودة الارتباط، بين الأمة والحضارة الإنسانية، بما تعنيه من المساواة بين الناس، بغض النظر عن الجنس أو اللون أو اللغة أو العرق، كذلك أولوية الشعب بتقرير التشريعات التي تحكمه، عن طريق أنظمة ديمقراطية منتخبة، حيث يُشرع البرلمان قوانين تتوافق مع روح العصر وحاجات هذا الزمن، وعودة شيوخ الدين إلى المساجد وابتعادهم عن السياسة بشكل كاملً، وإن تدخلوا فهو فقط لتوفير الغطاء الشرعي عند الحاجة لتشريعات البرلمان وليس لمنعها، وبهذا المجال، أعطانا مُفتي الديار التونسية الشيخ عثمان بطيخ، والشيخ عبد الفتاح مورو، المرجعية الدينية لحزب النهضة ونائب الرئيس، المثال والنموذج الذي يجب أن يُحتذى، عندما دعموا بشكل واضح مقترحات الرئيس السبسي، والذي للأسف لم تُنتقد إلا من أحزاب اليسار، التي عودتنا منذ بداية الثورات على التبعية للأنظمة وتبرير سيطرة الجيش، كما هو الحال في كل من مصر وسوريا.
تحية إكبار لنساء تونس، ولكل نساء الوطن العربي، وقد رفعن بدورهن الراية عالياً لعودة الروح إلى المشروع الوطني.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

الربيع العربي ودور الشباب في مواجهة جمود النخبة

نشر بالقدس العربي بتاريخ 26/01/2017

الربيع العربي

ودور الشباب في مواجهة جمود النخبة

نزار بدران

تتداخل الأحداث وتتراكم في وطننا العربي، وتُحاصر وتُدمر حلب ومدن أخرى، فالموصل وعدن وصنعاء وسرت وغيرها، ليست سوى نماذج لما قد يحدث غداً، في عواصم ومدن عربية عدة. في حين تتناقض المواقف، وخصوصاً عند المفكرين أو المثقفين العرب، والتي تصل إلى حد العمى الكامل، عن فهم طبيعة الأحداث، أو عن رفض فهم طبيعتها، وتصويرها بشكل خيالي، يتناسب مع مواقف وإيديولوجيات مسبقة، تُسقطها على الأحداث وليس العكس.

كلنا نعلم أن النظام البعثي في سورية، لم يُطلق رصاصة على إسرائيل منذ عشرات السنين، ولم يُوجه سلاحه إلا إلى صدور شعبه، أو الشعب اللبناني أو الفلسطيني، ومخيمات الفلسطينيين داخل سورية حالياً، أو سابقاً في لبنان كما حدث في تل الزعتر وغيره، دليل واضح على ذلك.

كلنا نعلم أنه قبل انفجار الثورات العربية، نهاية عام 2010 من تونس، لم يكن هناك أي مؤامرة كونية، ولا حتى ميكروسكوبية، للإطاحة بالنظام الأسدي، والذي كان في أحسن حالاته، مع قطر والسعودية ومع تركيا أردوغان، والتي كانت فتحت حدودها وألغت التأشيرات للمواطنين السوريين، لم يكن هناك أي تنافر مع إسرائيل أو أمريكا، والتي كان نظام الأسد ينفذ كل ما تريده هذه الأخيرة.

كلنا نعلم ذلك، ما عدا مفكرونا الأشاوس، والذين لم يروا في الثورة السورية، التي تلت ثورات شعوب المنطقة، من تونس ومصر وليبيا واليمن، لا يرون إلا مؤامرات كونية على هذا النظام المُمانع الصامد في وجه الأعداء.

من ناحية أخرى كلنا نعلم، ما كانت تُعلنه إسرائيل وتُكنه لإيران وحزب الله، منذ حرب 2001 ثم 2006، ورغم ذلك لم يتوقع أحد أن لا تستعمل إسرائيل حدث تحويل حزب الله وإيران جهودهما في مواجهتها إلى الداخل السوري، والتي ابتلعت رجالاً وأسلحة، وعرت ظهرهما أمام إسرائيل، لتقوم بعملية مباغتة والانتقام لهزيمتها.

كلنا نعلم ذلك، ما عدا مفكرونا ومثقفونا “اليساريون” والليبراليون وأحزابنا “اليسارية” والقومية، الذين استمروا باتهام ثورة الشعب السوري السلمية، ثم المسلحة بالعمالة لاسرائيل وأمريكا. لماذا هذا التناقض الظاهر، بين دعم هؤلاء للثورة المصرية والتونسية ومعاداتهم للثورة السورية، وعدم توقفهم عند حراك الشعب البحراني؟.

لماذا تقوم منظمات فلسطينية عريقة، بالوقوف إلى جانب النظام السوري، وهو الذي دمر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بسوريا بعد ما فعله بلبنان. لماذا يُعلن الرئيس الفلسطيني حديثاً، رفضه للربيع العربي وثوراته، وكأننا كنا نعيش بنعيم مع النظام السوري أو المصري.

لفهم والإجابة على جزء من هذه التساؤلات، علينا أن نُعيد وضع الأمة العربية، على خارطة تاريخ العالم، وقراءة أحداثها، من منظار متغيرات منذ أكثر من أربعة عقود، والتي اجتاحت أوروبا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.

تميز الجزء الاول الأكبر من القرن العشرين، بظهور حركات تحرر وطنية، لطرد المستعمر من كل بقاع العالم تقريباً، ولم يبق عملياً إلا فلسطين تحت الاحتلال، تحررت الجزائر من الاستعمار الفرنسي عام 1962، وخرجت إسبانيا من الصحراء الغربية، ولم يبق إلا بعض الجيوب بالمغرب.

هذه الفترة تميزت عندنا، بظهور الفكر الناصري القومي وحزب البعث والحركات الشيوعية واليسارية، والتي اتخذت الحركات الفلسطينية في السبعينات نماذج منها قدوة لها. الفكر الطاغي لهذه الفترة، كان معاداة الاستعمار والصهيونية، ولم يتسم أبداً بأي طابع اجتماعي داخلي، فكل انقلاب عسكري أو ظهور حركة سياسية، كان يُعلن أن هدفها تحرير فلسطين ودحر الإمبريالية، بينما هي في الحقيقة، لم تدحر إسرائيل، ولم تهزم أحداً، ولكنها أسست لأنظمة ديكتاتورية عتيدة، ازدادت صبغتها الإجرامية العنيفة، ثم صبغتها المافياوية، مع تزايد سنوات استيلائها على الحكم، خصوصاً في غياب أي صوت معارض جدي، أو تهديد خارجي لوجودها.

هذا أيضاً كان الحال في أوروبا الشرقية، التابعة للإتحاد السوفيتي، كذلك أمريكا اللاتينية، مع حكم الجنرالات بالأرجنتين وتشيلي والبرازيل وغيرها، ونفس الشيء بأفريقيا. كانت كل مناطق العالم متناغمة نسبياً، خصوصاً زمن الحرب الباردة، والتي قسمت العالم إلى مُعاد أو حليف للاتحاد السوفيتي، الاستبداد الداخلي والانفراد بالسلطة، كان إذن سمة العصر، وكانت بلادنا جزءً منها.

ولكن هذا العالم تغير تماماً بنهاية القرن العشرين مع بدء مرحلة جديدة، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وهدم جدار برلين عام 1989 وانتهاء الحرب الباردة. تبع ذلك تغيير واسع في معظم أقطار ومناطق العالم. انهارت منظومة حلف وارسو الشيوعية، وخرجت كل دول الاتحاد السوفيتي من قبضته الحديدية، لتدخل إلى عالم الديمقراطية والحداثة، ولو بعد فترة من القومية والشوفينية.

الانتقال الديمقراطي لم يحدث بسلاسة وهدوء، وبدون خسائر في كل نواحي العالم، فانهيار النظام الاستبدادي السوفيتي، لم يتبعه، كما كان يتصور غورباتشوف، نظام ديمقراطي، مع الحفاظ على وحدة الدول المكونة لهذا الاتحاد، بل الانهيار التام والمرور بفترة طويلة نسبياً، من عدم الاستقرار والحروب الأهلية الكارثية، كما حدث مع تحلل يوغسلافيا.

انهيار النظام الذي جمد تناقضات المجتمع، طوال سبعين عاماً، لم ينتج عنه نظام سلمي ديمقراطي وحدوي فوراً، بل أخذت كل مكونات تلك المجتمعات تبحث عن التعبير عن هوياتها الخاصة، قومية كانت أو دينية أو لغوية، مع كُلفة عالية من مئات آلاف الضحايا والدمار والخراب، ولكن الانتقال للنموذج الديمقراطي انتصر في النهاية، في معظم هذه الدول، وإن بقي مُتعثراً بدول مثل روسيا البيضاء وكازاخستان وروسيا الاتحادية، التي ما زالت تُعاني، من استيلاء بقايا النظام السابق وفلوله، على السلطة بأسماء جديدة.

في أمريكا اللاتينية سقط الجنرالات، كأوراق الخريف، واسترجعت شعوب دول مثل البرازيل وتشيلي والأرجنتين، حقها بالحرية والنظام الديمقراطي، بينما جزء آخر ما زال يُعاني، إما من ديمقراطية ناقصة، كما في بوليفيا أو فنزويلا، حيث يتشبث النظام بالسلطة، حتى لو استدعى ذلك تغيير قواعد اللعبة الديمقراطية، وأخرى قليلة مثل كوبا، والتي ما زالت قابعة تحت نظام ديكتاتوري شبه وراثي، ولكنه بدوره مضطر للسير نحو التعددية ولو بعد حين.

أما في إفريقيا، فقد انتقلت دول عديدة للنظام الديمقراطي (السينغال، ساحل العاج..الخ)، والنموذج الأكثر وضوحاً هو جنوب أفريقيا، وإنهاء نظام الفصل العنصري، فوراً بعد ثورات أوروبا الشرقية الديمقراطية.

أين نحن العرب من هذه التحولات العالمية التاريخية؟. الغالبية الساحقة من الدول العربية، والتي استطاعت دحر الاستعمار، سقطت تحت حكم أنظمة استبدادية، لم تستغل ثروات الأوطان، وإمكانيات شعوبها، لبناء دول حديثة، تلتحق بركب الحضارة، بل طورت أنظمة عصبيات عائلية او طبقية، مُعتمدة على تحالف أصحاب المصالح، واقتصاد مبني على الزبائنية.

تواكب ذلك مع تزايد سكاني واسع، ومع ظهور طبقة وسطى مُتعلمة شابة، ولو كانت صغيرة. هذه الطبقة الوسطى، لم تعد تقبل بالعلاقات الاجتماعية الموروثة، بالقبول الطوعي للبقاء ضحية للاستبداد الحاكم. التغييرات الاجتماعية في الثلاثين سنة الأخيرة، وظهور مفهوم العولمة، دفع باتجاه تبلور حراك شعبي شبابي، للمطالبة بالديمقراطية والحرية، وتُرجم ذلك باحتجاجات عديدة، منذ بداية القرن الواحد والعشرين، داخل دول عربية عدة، حتى وصلنا إلى انفجار الربيع من تونس بأواخر 2010، والذي انتشر كالنار بالهشيم بدول المنطقة كلها، وكان التعبير الأوضح لتراكمات التهميش والظلم المستمرين.

لم تستطع الحركات القومية واليسارية والمفكرين بغالبيتهم، فهم ظهور هذه المرحلة الجديدة، والتي عنوانها المطالبة بإصلاحات سياسية والمشاركة بالسلطة، للالتحاق بركب الحركة التحررية، التي بدأت في أواخر القرن الماضي بكافة بقاع الأرض، وبقوا يتقوقعون في فكر وفلسفة المرحلة السابقة، والتي كان عنوانها، التحرر من الاستعمار ومواجهة الإمبريالية.

في نفس الوقت، لم تستطع الطبقة الوسطى، بفكرها الحديث الجديد، وهي التي أرادت الالتحاق بموجة التحرر لهذه المرحلة العالمية، الانتظار أكثر كي يظهر قادة أو مفكرون، حتى تبدأ حراكها، وهو ما أعطى هذه الصورة الغريبة نسبياً، من ثورات تنطلق بدون قيادات أو مفكرين، وهو الذي أدى إلى تعثر الأحزاب السياسية للمعارضة العربية، وعدم استطاعتها اللحاق بقيادة الحراك الجديد.

لم ترفع الجماهير بتونس، أو بساحة التحرير بالقاهرة أو درعا أو صنعاء، او المنامة شعارات العداء لأمريكا، بل رفعت كلها شعارات الحرية والديمقراطية وإسقاط النظام، هذه المرحلة الجديدة لم يكن عنوانها الثورة على الحكومات والأنظمة التابعة لأمريكا، وإنما على الحكومات والأنظمة الديكتاتورية، وهو ما كان السمة المشتركة تقريباً لكل الأنظمة العربية، بكل اتجاهاتها الثورية الممانعة، أو التابعة للمعسكر الغربي.

إلا أن الحركات السياسية، وخصوصاً اليسارية والقومية، لم تستطع فهم ذلك، فقد وقفت مع الجماهير الثائرة، ضد الانظمة المصنفة قريبة من الغرب، ووقفت ضد نفس هذه الجماهير مع الأنظمة المُصنفة ممانعة ومقاومة. مع أن الجماهير كان تناقضها الأساسي مع الاستبداد والظلم، بينما النخب كان تناقضها الأساسي، مع الاستعمار والإمبريالية، المُعشعشة في أذهانهم.

الجماهير العربية التي بدأت الربيع العربي، خصوصاً من فئة الشباب المثقف، كانت متلاصقة مع طبيعة المرحلة الجديدة عبر العالم، بينما النخب كانت على انفصال كامل عن هذا الواقع. لذلك وجدت الثورات المضادة، آذاناً صاغية، لدى هذه النخب بالدول المُصنفة يسارياً كسوريا، وحصلت على دعمهم ووقفت مع الغزو الروسي وريث الاتحاد السوفيتي حليفهم السابق، بينما حاولت التحالف وتقاسم السلطة مع الثورات المضادة في الدول الاخرى كمصر, لانها بطبيعتها تهدف للوصول للسلطة بأي وسيلة، حتى ولو داست على القيم الديمقراطية.

أبناء الربيع العربي كانوا متناغمين مع الواقع الجديد، بينما النخب والأحزاب، لم تر هذا الواقع وما زالت أسيرة الماضي. أما مصلحة إسرائيل فهي بكل تأكيد، مع بقاء الديكتاتوريات العربية، يمينها أو “يسارها”، ممانعها أو مهادنها، لأن هذه الأنظمة هي التي حمت إسرائيل، وبررت الدعم الغربي الدائم لها على مدار عقود، وأبعدت إمكانية تحرير فلسطين، لأننا لا نستطيع فعل ذلك بجيش من العبيد والرعايا.

التناقض مع الأنظمة، والتي مزقت الأمة وشرذمتها، كما نرى بالسودان مثلاً (حيث لا يوجد ربيع عربي قوي حتى الآن) هو عنوان هذه المرحلة الجديدة، والتي بدون حل تناقضاتها، وبناء مجتمعات وأنظمة ديمقراطية، كما حصل بأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية أو آسيا، لن نستطيع مواجهة إسرئيل أو الإمبريالية، ولا بناء وطن عربي، يضع المواطن بقلب اهتماماته، وتحقيق مطالبه كهدفه الوحيد.

أبناء وشباب الربيع العربي، في كل أماكن تواجدهم، هم الوحيدون المؤهلون، لوضع أسس الفكر العربي الحديث، ودفع الوطن العربي للولوج إلى عالم الحداثة من جديد، بعد فشل محمد علي باشا، بفعل ذلك خلال القرن التاسع عشر بمصر، وكذلك انتهاء حركة التنوير، والتي بدأت مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في بداية القرن العشرين. على أن توحدهم بمختلف دولهم، ووضع أسس موحدة لنضال مشترك، هو ما سيكفل لهم النجاح في هذه المهمة الصعبة، وخصوصاً عندما نرى تكالب الأعداء من كل حدب وصوب، لوأد أي تعبير ديمقراطي، مهما كان وأينما كان.

توحد قوى الماضي المستبدة، كما نراه حالياً، يجب أن يكون دافعا لتوحد قوى المستقبل، ووضع أهداف واضحة للتجديد السياسي والعمل المتكامل على امتداد الساحة العربية، كما فعل الآخرون بنجاح في مناطق أخرى من العالم مثل أمريكا اللاتينية أو أوروبا الشرقية.

وضع الإنسان المواطن، كهدف لكل ما نعمل أو نبني، رفع قيم الإنسانية والحضارة في كل مواثيقنا، مهما كانت هذه القيم مُغيبة ومُنتهكة في بلادنا، هو ما يجب أن يُؤسس لبرامجنا السياسية في هذه المرحلة المعقدة مع آلامها الهائلة، ولكن أيضاً مع آمالها العظام.

إن مركزية القضية الفلسطينية تُحتم علينا أن نُحلل الموقف الفلسطيني من الأحداث العربية، وترابطهما الوثيق، فالشعب الفلسطيني مُهجر في كثير من دول الجوار، خصوصاً في سوريا ولبنان، وهو واقع ضحية عنف جديد، يُضاف لعنف فقدان الوطن والعيش في الشتات.

الخصوصية الفلسطينية، والتي هي بقاء فلسطين تحت الاحتلال، قد تبرر المواقف الداعمة للنظام السوري، من عدد من المثقفين وجزء من عامة الناس، لأن الشعب الفلسطيني لم يُنه بعد، مرحلة التحرر الوطني. هل حقاً مواقف كهذه تُفيد القضية الفلسطينية، القضية المحورية للأمة العربية؟، وهل استطاع الفلسطينيون بالتصاقهم الدائم بمرحلة التحرر الوطني، الوصول إلى أي شكل حقيقي من الاستقلال الوطني؟، الحقيقة أن قطار التحرر الوطني في العالم قد فاتنا، وخصوصاً بعد تقزيم المطالب الوطنية من تحرير فلسطين وإقامة دولة العدالة الاجتماعية، المُسماة الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية، كما أُعلن في سنوات الستينات، إلى دويلة لا تتجاوز مساحتها، خمس فلسطين التاريخية، والاعتراف بسلب البقية الباقية، ونسيان حقوق اللاجئين.

لقد عمدت اتفاقيات أوسلو، إلى إنهاء حتى مفهوم هذه الدولة الصغيرة، والتي أُشبعت تقسيماً وتقطيعاً. ولم يحصد الفلسطينيون إلا اليأس ومجتمعا مجزءا بين تيارات وانتماءات ليس لها حقيقة علاقة بالمشروع الوطني الكبير، الذي وُضع في منتصف سنوات الستينات واستُشهد من أجله الآلاف.

عكس ذلك، أي الالتحاق بموجة التحرر، التي تلت سقوط الاتحاد السوفيتي، وانتهاء الحرب الباردة، وعمت مناطق شاسعة من العالم، قد تُقرب لنا مشروع التحرر الأصلي، أي بناء صرح دولة على كامل فلسطين وعودة اللاجئين. لهذا ليس من الضروري، أن يتناقض البعد الوطني والتحرر من المُستعمر، مع البُعد الاجتماعي والمطالبة بالحرية. ليس لذلك التناقض مبرر تاريخي حالياً، بعد نهاية الحرب الباردة، وسقوط مرجعية الفكر الاستبدادي، الذي كان يمثله الاتحاد السوفيتي، والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، بل على العكس لن يكون لنا مشروع تحرري فاعل، إن تغاضينا، كما نفعل الآن، عن البعد الحقوقي والاجتماعي للشعب الفلسطيني.

لم يعد ممكناً أن نستمر، بتفسير اضطهاد الفلسطينيين في لبنان مثلاً، وسلبهم حقوقهم الإنسانية الأساسية، بالعمل والتملك، تحت حجة حماية القضية الفلسطينية، وكأن سلب حقوق الناس الاجتماعية، تضمن لهم حقوقهم الوطنية.

الشعب الفلسطيني، وخصوصاً المفكرين وقادة الرأي، عليهم النظر بتمعن إزاء هذه الازدواجية: الحرية والتحرر، فهما بالنسبة للشعب الفلسطيني، رديفان لنفس الهدف. أما الابتعاد عن مفهوم دعم الأنظمة العربية الديكتاتورية، كما نرى للأسف بسورية، تحت حُجة تحرير فلسطين (وهو ما يعني فقط إقامة دولة على جزء صغير من فلسطين ومع سيادة ناقصة) لا يُقربنا، من مفهوم الجمع بين الحرية والتحرر.

لم يقبل نيلسون مانديلا بجنوب أفريقيا، بفصل هذين البعدين، وأصر على إقامة دولة واحدة، يحكمها القانون، وهو ما وصل إليه، بدل الجري وراء سراب تقسيم جنوب أفريقيا، بين السود الأغلبية والبيض الأقلية. علينا بفلسطين إذاً، وخصوصاً الذين يدعون المعرفة وقيادة الرأي العام، أو السياسيين من قادة الحركة السياسية، أن نبدأ بالسير نحو هذا النموذج، والالتحاق بمبادىء الربيع العربي. فشباب هذا الربيع، يمثلون حقاً مستقبل الأمة وحقها بالنهوض، بعد أكثر من مئة عام على التغييب.

إن مساندة الشعب السوري، في نضاله للحصول على حريته، هو وسيلتنا كذلك في فلسطين، للحصول على حريتنا وتحررنا في نفس الوقت. فماذا أفاد الشعب الفلسطيني السكوت عن النظام السوري عام 1982، عندما دمر مدينة حماة، وقتل أكثر من 30 ألف مواطن، وفي وقت حاصر طرابلس، وطرد الثورة الفلسطينية، كما أرادت إسرائيل وأمريكا خارجاً.

إن الالتحاق بموكب الربيع العربي، لن يكون عن طريق أطراف السلطة بكل أشكالها (بالضفة أو غزة أو بالخارج) ولا عن طريق المنظمات الفلسطينية المعارضة، لأنهم لم يستطيعوا الخروج من المعادلة الأولى للقرن الماضي، ولم يدخلوا إلى المعادلة الثانية، التي عمت العالم، أو لم يروها. هذا الالتحاق لن يتم إلا عن طريق شباب الشعب الفلسطيني، والذي عليه مهمة اللحاق بشباب الأمة، ورفع شعارات تتلاءم مع طبيعة المرحلة الجديدة. هذا الشباب عليه ان يفرز الفكر الفلسطيني التحرري ويضع أسس حراك وطني فلسطيني يكون مرتبطا بالمرحلة التاريخية الجديدة التي يعيشها العالم العربي وفلسطين.

لم تعد البرامج السياسية التي وضعتها الحركة الوطنية الفلسطينية بكل اطيافها خلال سنوات الستينات وحتى الثمانينات، قادرة على تجميع الجهد الفلسطيني او العربي, بل فشلت بذلك فشلا ذريعا. أما الشباب الفلسطيني وعبر ارتباطه بالحراك العربي والذي هو بدوره جزء من صورة العالم الجديدة في جانبها المضيئ, تحتم العمل من أجل مجتمعات تحكمها مصالح الشعوب ولا تهمش احدا.

الربيع العربي في بداياته عام 2011 كان نموذجا لحراك عالمي شبابي انتشر بشكل واسع، خصوصا بالدول الاوروبية من ايطاليا لاسبانيا وحتى امريكا وغيرها, تحت تسمية الحركات البديلة مبني على مفهوم الديمقراطية وحقوق الانسان. يستطيع الشباب الفلسطيني بدوره ان يكون نموذجا لهذا الفكر, وان لم يقم بهذا الدور فلن يقوم به احد.

إن الذين يدعمون النظام السوري وحماته الروس، ويعلنون رفضهم لمبادىء الربيع العربي، يسيرون عكس اتجاه التاريخ، ومكتوب عليهم الفشل، بعد أن خذلوا الشعب الذي احتضن الفلسطينيين، وكأنهم جزء منه، ولا ننسى أن الشهيد عز الدين القسام، قائد أول ثورة فلسطينية، كان سورياً من قرية جبلة قرب حلب، واستشهد على أرض فلسطين بقرية يعبد، وكان وما زال شيخ المجاهدين بفلسطين.

أمل واعد بعودة الربيع العراقي

10/08/2015

أمل واعد بعودة الربيع العراقي

نزار بدران

قبل ثلاث سنوات، قامت السلطات العراقية زمن المالكي، بمهاجمة المظاهرات السلمية والاعتصامات التي استمرت سنة كاملة، في مدن العراق، خصوصاً في المناطق السنية. وأنهتها بالعنف المفرط، موقعة عشرات القتلى، وفاتحة بذلك الطريق إلى جهنم الحمراء التي تعرفها هذه المحافظات، تحت مُسمى مكافحة الإرهاب، ونحن لم نر في هذه الاعتصامات إلا المطالبة بالحقوق الأساسية للمواطن العراقي، واحترام التعددية والتوازن، ورفض هيمنة طيف اجتماعي على آخر، الكل كان يهدف إلى بناء عراق المواطن وليس عراق المليشيات.

رد فعل السلطة على هذه الاعتصامات، هو الذي أدى إلى دخول الطائفية وحركات الإسلام المتطرف الفاشية، وتمددها حتى سوريا. مليشيات المالكي التي تحمل اسم “قوات الحشد الشعبي” هي في الحقيقة الرد الطائفي، حيث شكل دخول العراق إلى أتون حرب ضروس طائفية، كان نتاج سياسة مقصودة من الحكام الجُدد، الذين يحاولون عبرها أن يبعدوا شبح التغيير الديمقراطي الحقيقي، وفي نفس الوقت إبعاد شبح تحويلهم إلى محاكم الفساد والهدر وسرقة ثروات الوطن.

أربعون مليار دولار هي قيمة الخسائر الاقتصادية المترتبة سنوياً عن نقص انتاج الكهرباء، و 300 مليار دولار منذ العام 2003 (تقرير خبراء/ الجزيرة نت) رغم صرف المليارات على هذه الشبكة، وما زال المواطن المُدلل بالجنوب ذا “الأغلبية الشيعية”، لا تصله الكهرباء إلا لبضع ساعات باليوم، بالإضافة إلى شح الماء، وتزايد البطالة وضعف الاقتصاد، وانعدام الحد الأدنى للحياة الكريمة، بينما يعيش أولئك الذين يقطنون في ما يسمى “المناطق الخضراء” في نعيم وأمان.

استطاع المالكي مدعوماً من الإيرانيين، وبعده العبادي الاستمرار بسياسة حشد الشيعة ضد إخوتهم السنة، تحت حجة الإرهاب والخوف من عودة الماضي الديكتاتوري لصدام حسين. هي سياسة كل الدول الفاسدة والحكومات الطائفية التي تُبعد خطر توحد الجمهور ضدها، لتحويل تناقضاتها مع المجتمع إلى تناقض قوى المجتمع فيما بينها.

هل سيُفشل متظاهرو بغداد والبصرة والجنوب الذين خرجوا بالآلاف، للتنديد بالفساد منذ بضعة أيام وبطريقة سلمية هذه السياسة، هل تُصبح موجة الحر الشديد التي تعرفها هذه المناطق ونتائجها بسبب شُح الكهرباء في بلد النفط والطاقة، شرارة عودة الربيع العربي والاحتجاجات السلمية، هذه المرة من نافذة المناطق الشيعية التي ظنها فاسدوا السلطة ومفسدوها وداعميهم الإيرانيين، أنهم كالنعاج يتبعون ويصدقون ما يُقال لهم. علما أن أبناء العراق من الشيعة هزموا في العشرينيات الاستعمار البريطاني، وجيش أقوى دولة في العالم في ذاك الزمن. هؤلاء لن يستمروا طويلاً بالسير وراء بائعي الأوهام وسارقي أحلام الأطفال بحياة جديدة وسعيدة، بعيدة عن العنف والقتل والموت من الفقر والحر، وهم الذين دفعوا من دمهم الثمن الأكبر والأغلى دفاعا عن وحدة العراق زمن صدام حسين الذي قتل منهم مئات الآلاف.

هذه الأغلبية الشيعية الصامتة، قد تكون مخرجنا للعودة لمبادئ الربيع العربي الذي انطلق من تونس (حرية كرامة عدالة ومساواة وديمقراطية)، والذي أغرقته الأنظمة في بحر من الدماء.

الربيع العربي العراقي إن استمر، قد يواجه بدوره أيضاً بالعنف من قبل السلطة، على شكل تفجيرات وعمليات لداعش والفلول البعثية للنظام السابق وما شابههما، لتبرير قمع السلطات ومنعها لأي مظاهرات وتجمعات سلمية. الطائفية والعنف هو رد السلطات العربية على الربيع العربي، ولكن العودة لجُمعات الغضب والتجمعات السلمية هو رد هذا الربيع المُنتظر والمأمول، لكل ساحات وشوارع مدننا المقهورة.

الطائفية والتقاتل الداخلي بين مكونات مجتمعاتنا، هي ظاهرة دخيلة عليها، وقد تعايشت هذه الطوائف مئات السنين بكل وئام وأخوة. أهلنا في الجنوب والذين كانوا لعشرات السنين الأكثر مظلومية، هم من يُعول عليهم للنهوض من جديد ورفع الظلم عن الجميع.

إن رفع شعارات المواطنة والمساواة بين كل الناس، والمُطالبة بالحقوق الأساسية للمواطن وحقوق الإنسان، كما يفعل أبناء البصرة وجنوب العراق هذه الأيام، كما تضامن السنة مع الشيعة في محنتهم، وتضامن الشيعة مع السنة في مآسيهم، هو الكفيل بتوحيد الشعب العراقي من جديد، ليُبعد شبح التقسيم المُخطط له إسرائيلياً، ويُفشل سياسات الهيمنة والتبعية التي نراها حالياً على قدم وساق في العراق وسوريا ولبنان وغيرها من الدول العربية، في إطار الشرق الأوسط الجديد.

إن تضافر كل القوى الديمقراطية العربية مع أبناء جنوب العراق، كما يجب أن يتضامنوا مع أبناء وسطه وشماله، يبقى هو المطلب الملح للمساعدة لإنجاح هذا الحراك وتوسعه وانتشاره.

 

سياسات دولنا بين السيادة والتبعية

09/05/2015

سياسات دولنا بين السيادة والتبعية

نزار بدران

سيادة الدولة عنصر مؤسس في مفهوم الدولة القومية الحديثة، يهدف إلى حماية الدولة من التدخلات الخارجية في شؤونها، ولكن هذه السيادة تصطدم بمفهوم العلاقات الدولية المبنية على قوانين غير مُلزمة في أكثر الأحيان، والحضارة الإنسانية ما زالت بحاجة لسنوات طوال، للوصول إلى وضع قوانين دولية مُلزمة للجميع، لأن ذلك يتعارض مع مفهوم سيادة الدولة على أرضها وثرواتها. في حين أن هناك تجمعات دولية تتبنى قوانين مُلزمة للجميع، مثل الاتحاد الأوروبي، والدول المُكونة لهذه التجمعات، تقبل الانتقاص من سيادتها لصالح القانون الكلي.

من مظاهر السيادة وجود عملة وطنية، وقد قبلت الدول الأوروبية المشاركة في “اتفاقية ماسترخت”، حيث شكلت العملة الموحدة وهي اليورو، انتقاصا واضحا من سيادة كل دولة، عبر إلغاء عملتها المحلية، كما قبلت هذه الدول أيضاً حرية الحركة والتنقل داخل الاتحاد الأوروبي للبضائع والأشخاص، وهو انتقاص للسيادة في مراقبة الحدود وإعطاء الحق بدخول أراضيها وغير ذلك. وفوق هذا توجد محكمة أوروبية لمراقبة القرارات والتشريعات الملزمة التي يتوجب تنفيذها تحت طائلة العقوبة أو الغرامة.

هذا الانتقاص من السيادة الوطنية، جاء بالاختيار لا بالقسر والإكراه، وقد جاء اختياره من شعوب هذه الدول، التي وافقت عليه من طريق البرلمانات المُنتخبة، أو عن طريق الاستفتاء. وهو يهدف إلى خلق كيان جديد موحد وقوي تتحقق فيه مصالح كل دولة، وتؤمن من خلاله الحماية لمواطنيها أمام أي اعتداء خارجي، وتتكامل فيه سياساتها الاقتصادية والتعليمية، كما يجري إنشاء وتأسيس بُنية تحتية مُشتركة (المواصلات …الخ) لصالح كل المواطنين.

مُقابل هذا الانتقاص المُختار والمقبول، يوجد شكل آخر من انتقاص السيادة، وهو ناتج الخلل في العلاقات الدولية، المبنية على مبدأ القوة، وبشكل خاص في ظل الحكومات الاستبدادية التي لا تضع أي اعتبار لمصالح شعوبها.

في مجالنا العربي والشرق أوسطي، هناك نوعان من الأنظمة، تلك التي تفتقد للسيادة تماماً، والتي تبني علاقاتها مع الدول العُظمى، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية على مبدأ التبعية، وتفضيل مصالح الغرب وأمريكا مقابل مصلحة بقاء النظام، أما الشعب ومصالحه فليس لهما أي دور، وبهذا تُؤخذ القرارات والمواقف السياسية الخارجية والداخلية من منظار إرضاء وتنفيذ إرادة أمريكا، وليس بناء على رغبة الشعب المُعبر عنها عن طريق الانتخابات.

إن ارتهان الاقتصاد الفلسطيني في مناطق السلطة الفلسطينية بالدعم الأمريكي، وعدم وجود أي بنية انتاجية، في ظل الاحتلال الذي يستطيع أن يدمرها متى شاء، أدى إلى انعدام مقدرة السلطة على اتخاذ قرارات مستقلة من مُنطلق مصلحة المواطن الفلسطيني أو القضية الفلسطينية، ولا نظن أن الأمر يختلف كثيراً في منطقة قطاع غزة؛ ولكن لاعتبارات مختلفة. المُشترك بينهما هو الارتهان لوجود هذه السلطات للقوى الخارجية التي تُعطيها مُقومات وجودها، وليس الاعتماد على الشرعية المُعطاة من الشعب الفلسطيني، المُعبر عنها بطرق مختلفة كالإنتخابات او الاستفتاءات.

الدول العربية التي دخلت الحرب في اليمن، هي أيضاً منتقصة السيادة في هذا المجال، فالإملاءات الأمريكية ومصالحها في اليمن، وبشكل خاص في باب المندب، هو الذي يُفسر التدخل السعودي والعربي، وليس مصلحة المتظاهرين في شوارع صنعاء المطالبين بالديمقراطية، تلك المعدومة تماماً في هذه الدول، وفاقد الشيء لا يعطيه.

ولو كانت الأسباب المُعلنة للحرب اليمنية حقيقية، وهو الدفاع عن أهل اليمن من ظلم وعنف الحوثيين وبقايا النظام السابق، وداعميهم الإيرانيين؛ فقد كان ذلك أوجب وأولى ما يكون في سوريا التي دمرها النظام البعثي على رؤوس أهلها، وقتل مئات الآلاف، ومحى معالم مدن بأكملها.

هذه دول معدومة السيادة، لا تأخذ قراراتها؛ إلا بعد إذن ولي الأمر حامي وجودها، لا تُستعمل جيوشها إلا لقمع مطالب الناس، وكل حراك ديمقراطي؛ كما حدث بالبحرين، أو حالياً الدعم المُقدم للإنقلابيين في مصر، أو المرتدين في ليبيا.

قرار السعودية في اجتماعات الدول المُنتجة للنفط بتأييد انخفاض أسعار البرميل إلى أقل من النصف، لا يمكن على الإطلاق فهمه من مُنطلق اقتصادي سعودي أو عربي، فما هي الفائدة التي سنحصل عليها من خفض هذه الأسعار إلا تخفيض الدخل القومي الذي يُشكل فيه النفط أكثر من الثلثين، هي فقط الإرادة الأمريكية للضغط على بوتين وروسيا في خلافهما حول التدخل الروسي بأوكرانيا، ولم تفعل ذلك مُسبقاً لعقاب التدخل الروسي بسوريا، والذي لم يكن ليُزعج الأميركيين.

هناك أيضاً الدولة ناقصة السيادة، وهي الدولة التابعة، التي لا تملك حرية القرار أو التصرف، إلا في إطار يوضع لها، ولا تستطيع أن تخرج عنه، وذلك تحت طائلة العقوبات، مثال ذلك إيران آيات الله، وتدخلها في سوريا أو في العراق، وهو الذي يتناغم مع مصالح أمريكا واللوبي الصهيوني لقمعها لحراك الشعب السوري المُطالب بالحرية، وإبقاء نظام قاتل يحمي حدود إسرائيل، لذلك تستطيع إيران أن تصول وتجول بسوريا من دون رقيب، تحت حجة “الفيتوات” الروسية التي لا تمنع أمريكا من التدخل في أي مكان آخر بالعالم. وتسمح لها بالتدخل بالعراق، وتباركه وتتحالف معها، وبنفس الوقت تضرب على أصابعها بالملف النووي، إذا تجاوزت الحدود، أو في اليمن إن وصلت إيران لباب المندب، المعبر الإستراتيجي لقناة السويس وميناء إيلات الإسرائيلي.

هي إذاً سيادة لها حدود، تضعها أمريكا لإيران، المسموح لها بما يتناسب والسياسة الأمريكية؛ كقمع الحراك الديمقراطي باليمن وسوريا وغيره. بينما تُجبر إيران للعودة إلى المربع المسموح لآيات الله، لممارسة سلطاتهم، كلما اقتضت الضرورة ذلك.

إن استرجاع السيادة المعدومة، أو الناقصة؛ لا يتم في ظل حكومات وأنظمة صادرت إرادة شعوبها وحقها بانتخاب قياداتها. الدول ذات السيادة هي تلك التي يكون فيها الشعب مصدر السلطة، والتي لا يمكن أن تُرتهن إلا إلى مصلحة الوطن ومصلحة المواطن فقط لا غير. أما الأنظمة الديكتاتورية فرغم تكديسها للأسلحة من كل نوع، فهي لا تملك الحرية في اتخاذ القرارات، لأن وُجودها ليس رهن إرادة شعبها. وما تمسكها بالسلطة إلا لنهب ثروات وعرق الناس، لذلك هي تضع قوتها في خدمة الآخرين.

لكل هذا، فإن الخيار الديمقراطي للأمة العربية، ليس ترفاً فكرياً، بل هو حاجة ماسة حتى تستطيع دولنا الاحتفاظ باستقلاليتها وسيادتها، الانتقاص منها لا يتم إلا بشكل إرادي، يجري التعبير عنها بإرادة شعبية، وذلك بهدف بناء تكتلات عربية قوية، تكون ذات سيادة كاملة، غير منقوصة.

الربيع العربي الثاني

24/09/2015

 

الربيع العربي الثاني

نزار بدران

 

منذ بضعة اسابيع عادت الاحتجاجات إلى شوارع بيروت، منعشة أمل إعادة انطلاق الربيع العربي. طير السنونو اللبناني، أكد ما كان قد أعلنه طير السنونو العراقي، قبل ذلك ببضعة أسابيع، بأن فصل الربيع قد عاد من جديد.

لقد أغرقت الأنظمة العربية الربيع الأول، ببحر من الدماء والدمار والتهجير، وكافة أشكال الإجرام، وخرجت علينا غِربان الأنظمة بكل أشكالها، ومنهم مُثقفون كنا نثق بهم، ليُعلنوا أن هذا الربيع كان مؤامرة أمريكية، وأنه الذي أنتج الحركات الإسلامية المُتطرفة وليس الأنظمة.

الحقيقة أن المُلاحظ والمُراقب منذ البدء، ومن قرأ تواريخ الثورات عبر العالم، يعلم أن تطور الأحداث والتغيير داخل المجتمعات، لا يتم بحراك واحد، وإنما دائماً هناك ثورة وثورة مضادة، ثم إعادة إطلاق الثورة من جديد، بعد تصحيح أخطائها، وإعادة النظر في أهدافها. رد فعل الأنظمة العنيف، كما رأينا في سوريا ومصر واليمن والعراق، يُبين حجم التحديات التي تواجه هذا الربيع، السنوات الأربع الأخيرة مرت بنوع من الإندفاع والحماس الشديد، ومن بعد ذلك الانحسار. ظهور الحركات الإرهابية الدينية على هامش القمع، ووصول بعض الأحزاب الوسطية للسلطة، أضاف بُعداً جديداً لهذا الانحسار.

في لبنان كما في العراق، عاد الناس للشوارع وللساحات ليُذكروا الكل بأن المواطن هو الأساس، وأن المواطنة والدولة المدنية هي الهدف. الشعارات المرفوعة تتناقض تماماً مع البُعد الطائفي والديني للمليشيات المُسلحة والأحزاب الدينية التي ترعرعت في أحضان هذه الأنظمة وقمعها.

المواطن اللبناني يرفض في حركته “طلعت ريحتكم”، وضعه في خانة الوصاية والتبعية والخضوع لزعماء الطوائف أو زواريب المذاهب، والمواطن العراقي يرفض أن يُدعى أولاً شيعي أو سني، ويتبع أحزابا دينية طائفية، تحمي الأنظمة وتُبرر وجودها.

المواطن اللبناني والعراقي في الساحات، يُدافعان عن مدنية الدولة، وعن مساواة المواطنين على اختلاف انتماءاتهم، وحقهم بمحاسبة المسؤولين ومعاقبة الفاسدين، السارقين لخيرات وثروات الوطن.

وما محاولات النظام احتواء هذا الحراك أولاً، عن طريق تبنيه، وبعد ذلك محاربته وقمعه، إلا وسيلته التقليدية وحيلته التي لم تعد تنطلي على أحد. فالحراك العراقي في المناطق الشيعية يُوازي الحراك العراقي قبل ثلاث سنوات في المناطق السنية ولنفس الأهداف، والذي قابله نوري المالكي بالحديد والنار، وتواطأ لمحاربته مع “داعش”. ولكن هل يستطيع النظام استعمال نفس الأساليب هذه المرة، في ما كان مُتفق عليه بأنه حاضنته الاجتماعية؟.

في لبنان الحاضنة الاجتماعية المحسوبة على طيف ديني، قد تفاجئنا أيضاَ كما فاجأنا أخوتنا في جنوب العراق، برفع نفس الشعارات. إذ أن خط الفصل داخل قوى الربيع العربي يتحدد بين الظالم والمظلوم، بين السلطة والشعب، بين المجرمين بكل انواعهم والضحايا بكل فئاتهم وانتماءاتهم، وليس بين فئات الشعب نفسه. الربيع العربي الجديد، إن تأكد، سيختلف عن الربيع الأول؛ في كونه يبحث عن الإطاحة بأنظمة الاستبداد، ولكن أيضاً هذه المرة برفض البُعد الديني السياسي، الذي ظهر في كنفها ان لم يلتحق بمبادئه.

على الأحزاب الدينية بكل أطيافها، أن تنتبه إلى أن عُمق الحراك المدني العربي وقوته, هو كالتسونامي سيجرفها مع الأنظمة، وأن تعلم أن وجود هذه الحركات بكل أطيافها، من الوسطية المُعتدلة إلى المُتطرفة، لم يكن ليحدث أصلاً لولا حركة هذا التيار الاجتماعي العميق، الذي يريد أن يربط الأمة بالحداثة والعالم المُعاصر، عبر اللحاق بمفهوم دولة المواطنة الحديثة الليبرالية التي تساوي بين ابنائها مهما كان دينهم أو عقيدتهم.

لقد بدأت إرهاصات هذا التيار منذ ثلاثين عاماً عبر التغييرات الاجتماعية العميقة والبطيئة، ولم يكن الربيع العربي إلا المآل التتويجي لها، ولم يكن حدثاً وحيداً معزولا. وقد شهدنا ونشهد في الواقع أن الحاملين لرايات الدولة الدينية، هم كأمواج البحر على السطح، تتلاطم من دون أن تصل إلى أي مكان.

إسلاميو تونس وتركيا استطاعوا أن يواكبوا الحراك الديمقراطي، ويطوروا مبادئهم وشعاراتهم، في اتجاه المطالبة بالدولة المدنية, وهكذا حافظوا على امكانية مشاركتهم برسم مستقبل الامة وانارة الطريق للاخرين.

ربيع بيروت وربيع بغداد والبصرة، وربما حراك السويداء بسوريا لم يزل في بداياته، نأمل أن يكبُر ويتسع، ليعم كل أنحاء الوطن العربي من جديد، وستكون نقطة اللاعودة فيه هي إسقاط النظام السوري الذي انكسرت على صخرته موجة الربيع الأولى، لتعود وتلتهم ثورة مصر واليمن وليبيا. على أن إزالة هذا النظام في القادم من الأيام، سوف يعيد لا محالة، الموجة إلى الاتجاه الصحيح، ولكن هذه المرة بشعارات وقيادات واعية، لن تترك المكان إلا بعد النصر الكامل.

مصادر شرعية السلطة بين الأمس واليوم

 

مصادر شرعية السلطة بين الأمس واليوم

نزار بدران

 

تغيرت مصادر الشرعية للسلطة على مر الزمن، وما زالت أشكالها تتعايش حتى اللحظة بين القديم والحديث، وهو ما يُميز الدول عن بعضها البعض، بالنسبة لمفهوم العلاقة بين السلطة والشعب المحكوم.

يمكن اعتبار المفكر والعلامة الإسلامي، ابن خلدون (1332-1406)، مؤسس علم الاجتماع، أول من وصف هذه العلاقة، عندما درس تاريخ الدول والإمبراطوريات، بما فيها الدولة الإسلامية، واستنتج أن المُستولي على الحكم، هو بالأساس غريب عن الشعب أو الشعوب المحكومة، ويظهر ذلك حتى من لغته، وفي بعض الأحيان من لون جلده، كما كان ذلك زمن المماليك، الذين حكموا مصر ووصلوا بلاد الشام وشمال افريقيا والشرق الادنى ( 1250 – 1517).

منذ وُجدت السلطات والدول، وحتى القرن الثامن عشر، كان يمكن التمييز بين نوعين من الشرعية، الأولى هي “الشرعية الغيبية” المستندة بشكل عام إلى الدين أو المُعتقدات الدينية، والثانية هي “شرعية القوة”، استنادا إلى أصحاب السلاح والعصبية، كما يقول ابن خلدون، الذين يحكمون الجمهور المُسالم غير المُسلح، والعامل المُنتج، والفلاحين ومجموع الموظفين والعاملين في القطاع العام والخاص، حيث يجري التعامل معهم كقطيع ضريبي ليس إلا.

الثروة في تلك الأزمان، كانت هي الإنسان أساساً، فالمناطق العديدة التي تكتظ بالسكان، مثل بلاد ما بين النهرين ومصر، كانت محط أطماع كافة العصبيات والسلطات الناشئة، من سَيطر عليها بُنيت حضارته، ومن يفقدها يفقد مصدر ثروته وغناه. فُقدان الإمبراطورية الرومانية لمنطقة الشرق، يُعتبر أحد أسباب انهيارها، ووصول الفتوحات الإسلامية لتلك المناطق، هو أحد أسباب عظمتها، وفُقدانها فيما بعد أدى إلى انهيارها.

قد تتعايش شرعية السلطة الدينية مع شرعية سلطة القوة، وفي كثير من الأحيان تختلطان وتمتزجان سوية، كما حدث عندما كان خليفة بغداد يملك ولا يحكم، والسلطة الحقيقية بيد أحد السلاطين السلاجقة (الدولة السلجوقية ما بين 1037-1157) أو غيرهم. القاسم العام لهذه الفترة الطويلة، هو غياب أي مصدر للشرعية استنادا إلى الناس المحكومين، الذين لم يكن يُنظر إليهم إلا كوسيلة إنتاج بشكل أساسي.

كانت هذه الوضعية مُسيطرة على العالم أجمع، من الصين إلى أوروبا، مروراً بالدولة الإسلامية. نظرية ابن خلدون المعروضة بمؤلفه الشهير “مقدمة ابن خلدون”، والتي قدمت لكتابه “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر” لعام 1377، كانت نظرية صحيحة وتحليل صائب لهذه الأوضاع. الاطلاع على هذا الفكر المبدع في القرن الرابع عشر، وجب أن يكون وفق مناهج كل الراغبين بالتعلم والتعليم.

استمر تحليل ابن خلدون صائباً بشكل عام، في توصيف الامم حتى بداية العصر الحديث، والذي بدأ مع نهوض الحضارة الغربية، وبدء الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر ببريطانيا أولاُ، حيث اسست لها الثورة ألعلمية، ثم الثورة الاجتماعية والسياسية التي تبعتها في فرنسا. انتقل بعدها العنصر المؤسس للإنتاج، أي مصدر الحضارة والغنى، من الإنسان وحده إلى الإنسان صاحب الآلة المُنتجة، والتي أدت إلى مضاعفة هذا الإنتاج عدة مرات، وبذا أصبحت الآلة والمواد الخام المُشغلة لها، هي مصدر الثروة والغنى والحضارة، وهو ما نقل مركز ثقل العالم من الصين والشرق الإسلامي إلى أوروبا.

تزامن ذلك مع انتقال الشرعية، من المصادر الدينية أو العصبيات المسلحة (الفاتيكان أو الملوك والإقطاعيين) إلى الشعب ممثلاً بالثورة الفرنسية، والتي كانت رائدة وطليعة بناء دولة المواطنة وحقوق الإنسان، واضعة اللوائح المُؤسسة لها. لينتشر هذا النظام فيما بعد بكل أوروبا، وأصبح هو الشكل الثالث الجديد لشرعية السلطة.

تزامن نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مع انتقال الحضارة ومعاييرها من الشرق الأقصى (الصين) والأدنى (المنطقة الإسلامية) إلى أوروبا، بمفهوم بناء دول تستمد شرعيتها من شعوبها، عن طريق الانتخابات، وتعيد ترتيب علاقاتها الاجتماعية على اساس الحرية الفردية. هذا النظام الجديد كان محط أنظار المفكرين المسلمين، ومسؤولي الدولة العثمانية، وهو ما ساهم بوضع قوانين مدنية في نهاياتها، خصوصاً زمن السلطان عبد الحميد الثاني. كذلك كان ذلك مصدر تفكير، لإصلاحيين إسلاميين مشهورين، أمثال الشيخ محمد عبدو والشيخ جمال الدين الأفغاني، اللذان اختارا باريس لإصدار صحيفتهما الإصلاحية “العروة الوثقى”. كذلك إصلاحيون آخرون، خصوصاً في شمال أفريقيا، أمثال الوزير خير الدين (أول دستور لدولة مسلمة وُضع بتونس عام 1861). والنقاشات التي كانت دائرة بباريس بنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت تُنقل أيضاً إلى مصر والشرق العربي، عن طريق الشيخين عبدو والأفغاني وتلاميذهما، وكان النقاش أيضاً محتدماً، كما بفرنسا، بين المدافعين عن العلمانية والفصل بين الدين والدولة، والداعين لنظام إسلامي حداثي يتفق مع العصر.

أنتهى كل ذلك، بعد وفاة الشيخ محمد عبدو في عام 1905، وبدء الحملات الاستعمارية الغربية، الفرنسية والبريطانية، على مصر وشمال أفريقيا وغيرها. هذه الحملات التي كانت تهدف للحصول على مصادر المواد الخام، الضرورية لتشغيل آلات الدول الصناعية الناشئة بأوروبا. هذه كانت سمة العصر، حيث لم تعد السيطرة على مصادر الكثافة السكانية، هو هدف الحروب وإنشاء الإمبراطوريات، وإنما السيطرة على مصادر الثروات الطبيعية وتأمين طرق وصولها إلى أوروبا.

التأثر بالحداثة الأوروبية، والحضارة الجديدة التي قامت على احترام حق المواطن، وأولويته كمصدر للشرعية، بدل القوة العصبية أو الدين، انتهت مع الحملة الغربية، والتي أدت إلى تأجيج الحراك الوطني التحرري ضد ألاستعمار، وتأكيد المعايير الدينية لتثبيت الهوية الإسلامية أولاً، ثم المعايير القومية لتأكيد عروبة الشعوب في مرحلة لاحقة.

لم يعد بالإمكان في ظل هذا التناقض العنيف مع الغرب، أن يسمع أي صوت لنشأة دولة جديدة مبنية على المبادئ التي حملتها الثورة الفرنسية والغرب عامة، وهذا ما أنهى أي فكر حداثي او إصلاحي من قبيل ما كانت تنشره صحيفة “العروة الوثقى”، وأدخلنا فيما بعد إلى زمن الديكتاتوريات العسكرية القومية المُعلنة عدائها لكل ما هو غربي، بما في ذلك مفهوم الحرية الاجتماعية.

وضعنا الحالي، هو نتاج الماضي، كما حلله ابن خلدون، وشرعية حكامنا ما زالت تأخذ إما بمبدأ “الشرعية الغيبية” المستند مباشرة إلى النصوص الدينية (إيران، السعودية، المغرب…..الخ) أو شرعية العصبيات والعسكر، كما هو الحال في مصر أو سوريا. الشرعية التي مصدرها الشعب تكاد لا توجد، وإن وُجدت يُقضى عليها أو يحاول الآخرون إنهاءها، حتى لا تصبح مثالاً. قد تُستبدل شرعية المواطنة في بعض المناطق، بشرعية القبيلة أو العائلة أو الطائفة، وهي بالحقيقة عودة إلى “الشرعية الدينية” ومشتقاتها.

الآن وقد دحرت الدول الوطنية الاستعمار، الذي خرج من مصر وسوريا والعراق والجزائر وباقي الدول العربية (باستثناء فلسطين)، لم يعد بالإمكان الاستمرار، بالدفاع عن النظام الذي وصفه ابن خلدون قبل ستة قرون، وعدم اللحاق بموكب الأنظمة السياسية الحديثة التي حلت محلها منذ حوالي قرنين, والتي هي الوسيلة الوحيدة للحصول على الحرية والتقدم الاجتماعي والاقتصادي.

هزيمة اليابان بالحرب العالمية الثانية، وقصفها من طرف أمريكا بقنبلتين ذريتين، لم يمنعها بعد ذلك من إنهاء حكم الامبراطور، والانتقال إلى الحكم الديمقراطي، مع أنه كان نظام عدوها اللدود. وانهيار حكم بينوشيه بتشيلي، الذي جاء بانقلاب عسكري مدعوما من الغرب وتحديدا الولايات المتحدة، والشركات المتعددة الجنسية، لم يمنع هذه الدولة من اعتماد النظام الديمقراطي، وشرعية الشعب بدل شرعية العسكر، كذلك الأمر بالبرازيل والأرجنتين وجنوب أفريقيا الحرة، بعد أن هزم مانديلا نظام التمييز العنصري الغربي.

في بلادنا الآن، لا يفيدنا بشيء الاستمرار برفع راية العداء للغرب كأولوية مطلقة، بينما مئات الآلاف يهربون ويموتون من أجل الوصول إلى أوروبا، وإنما الذهاب نحو الاستناد للشرعية القادمة من الشعب، بدل تلك القادمة من الغيب والعسكر، والعمل لتغيير أوضاعنا وعدم القبول بمصادرة حرياتنا العامة والخاصة وحقوقنا، تحت رايات مزيفة من العداء للغرب والاستعمار ورفع رايات الممانعة، على ما هو حال النظامين الحاكمين في كل من إيران وسوريا.

إن البدء بترتيب الأولويات في النظر إلى التناقضات، لصالح البدء بالبيت العربي الداخلي، هي أساس لحاقنا بالعالم الجديد ودخولنا فيه، وإلا فسنبقى وحدنا نبكي حظنا العاثر، ونعيش في كنف نظرية ابن خلدون التي عفا عليها الزمن.

ربيع البحرين اليتيم

ربيع البحرين اليتيم

نزار بدران

الرابع عشر من شباط هو الذكرى الرابعة للحراك الديمقراطي البحريني، وانتفاضة الأغلبية الصامته، والتي تطالب بملكية دستورية. ومطالبة كباقي الثورات العربية للربيع العربي الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.

أغلبية سكان البحرين شيعة ،فهم يشكلون سبعين في المائة منهم، ولكن هذا لا يعني بأن الحراك هو شيعي، بل هو كباقي الثورات العربية بلا صبغة دينية بل مطالبة بالحقوق الأساسية للمواطنين، والحراك اليمني ليس سني كذلك الحراك الليبي أو السوري، بل هو حراك عربي ديمقراطي. للأسف الإعلام العربي بشكل خاص يتجاهل هذا الحراك البحريني، لشبهة قربه من إيران.

المراقب للأحداث يمكنه أن يلاحظ دون صعوبة أن إيران لم تدعم الحراك البحريني إلا على صفحات الجرائد والفضائيات ولم تُحرك ساكناً عندما قامت قوات درع الجزيرة بالهجوم على ساحة اللؤلؤه ومحاولة وأد الحراك، رُغم أن البحرين هي على مرمى حجر من السواحل الإيرانية. وفي نفس الوقت إيران تقوم بتسليح الشيعة الحوثيين الموجودين على بُعد آلاف الكيلومترات منها دون أية

إشكالية؛ كي ينقضوا كالذئاب على ما حققه الشعب اليمني بكل طوائفه – بإزالة نظام استبدادي واستبداله بانتخابات حرة ورئيس مُنتخب-  اضطر مؤخراً للاستقالة واحتُل قصره. لا ننسى أن إيران في العام 2009 هي التي بدأت أول ربيع للشعوب في المنطقة والذي وُوجه بعنف مُفرط ولكن عدواه انتشرت.

نرى في هذه الحالة أن قوات ردع الجزيرة لم تتدخل لدعم (السنة) اليمنيين ضد (الشيعة) الحوثيين، مع أن السعودية لها مئات الكيلومترات من الحدود المشتركة مع اليمن.

حراك البحرين أُجهض وحراك اليمن يسير في ذات الدرب، وفي كلا الحالتين الخلاف الإيراني السعودي الظاهر يتحول إلى طواطؤ ضد إرادة الشعوب في الحرية والديمقراطية.

الشعب البحريني بشيعته وسنته يريد حكماً رشيداً ديمقراطياً وملكية دستورية، هذا بكل تأكيد لا يروق لآيات الله القابعين على قلب الشعب الإيراني بسنته وشيعته منذ أكثر من ثلاثين سنة، والحراك الديمقراطي اليمني لا يروق أيضاً لحكام الخليج وديكتاتورات العرب.

الانقسام هو بين مطالبي الحرية والوائدين لها وليس بين السنة والشيعة أو دول الخليج وإيران. وما نراه من خلافات ما هو إلا ذر للرماد بالعيون.

المحاولات البائسة لقوى الثورة المضادة والأنظمة الاستبدادية لإضفاء صبغة الإرهاب على كل عمل ديمقراطي ومُطالبة جماهيرية هو كإخفاء الشمس بأصابع اليد وستسترجع اللؤلؤة البحرانية بريقها من جديد.

 

 

14/2/2015

قناة الجزيرة بين المحبة والعقاب

 

قناة الجزيرة بين المحبة والعقاب

نزار بدران

يقول مثل فرنسي شهير “من يُحب حقاً يُعاقب حقاً”، هذا يعني أن المحبة لا تُعطي المحبوب حق عمل أي شىء، فإن أخطأ وجب عقابه حتى تبقى المحبة وتدوم.

ينطبق هذا المثل على المُقابلة التي أجراها أحمد منصور، صحفي الجزيرة، مع طيار من الجيش السوري، أسير عند جبهة النصرة. وفيها نرى الصحفي المُخضرم في مشهد سريالي، وقد خلع لباسه الصحفي، وارتدى بدلة محقق مخابرات في أحد أقبية السجون لدولة عربية، كما سمعنا عنها أو عاشها كثير من المظلومين، أو كما عودتنا قنوات الإعلام العربية باعترافات منزوعة ومبثوثة على شاشات الفضائيات لإرهاب الناس.

قبل أسابيع قليلة استهجنا كلنا ما حدث لأحمد منصور بألمانيا، حيث أُوقف لبضع ساعات من طرف الإنتربول، بناءً على طلب الحكومة المصرية، قامت بعدها الدنيا ولم تقعد، لتعدي ألمانيا المُفترض على حقوق الصحافة الحرة، حتى أن بعض النواب الألمان طالبوا السيدة ميركل، بالاعتذار للصحفي للإهانة التي أُلحقت به.

نحن نحب قناة الجزيرة وصحفييها، لمهنيتهم العالية، واحترامهم والتزامهم بقواعد وآداب مهنة الصحافة، ومنها احترام حقوق الإنسان، وحقوق الأسير وعدم إهانته، وليس كما رأينا من استعمال الصحافة الإرادي لخدمة الجهة الآسرة ولأجندتها الخاصة، مهما كان تأييدنا أو إدانتنا لهذه الجهة. وضع النفس في موقع البوق الإعلامي والدعائي، يتنافى تماماً مع ما عودتنا الجزيرة على رؤيته على شاشاتها منذ سنوات طويلة.

لا يصح بالقانون الصحفي والإنساني، نشر استجواب لأسير لا يستطيع أن يقول شيئاً إلا تحت الخوف، والقنوات المهنية التي نعرفها تأبى بنفسها عن هكذا مُمارسات.

إدانتنا للنظام السوري المتوحش ضد شعبه، وإدانتنا للغارات التي يقوم بها طيارو هذا النظام، وبما تؤدي إليه من قتل للاطفال والمواطنين العزل، لا يُبرر أن يُستعمل الأسلوب الإعلامي نفسه ضد هذا النظام.

رأينا في برامج سابقة السيد أحمد منصور، وهو يبكي لحظة استجوابه لسجين مغربي، قضى سبعة عشر عاماً من حياته في الظلام في أقبية الملك الحسن الثاني، وبكينا بالآلاف معه، لأنها كانت لحظة صادقة، من قبل سجين مُحرر وحر.

يقول أفلاطون، أب الفلسفة اليونانية، أن القاضي العادل هو الذي يحكم بالقانون العادل، فهو ليس عادلاً بذاته وبطبيعته. هذا النص الفلسفي صحيح في كل المجالات، فالصحفي القدير هو الذي يعمل بناءً على قانون صحافة صائب، ويحترم قواعد المهنة التي يُمارسها. هذا الاحترام هو الأساس في الكفاءة المهنية، الخروج عن ذلك واستغلال الشهرة لتحقيق أهداف لا علاقة لها بعالم الصحافة، يُضعف مصداقية الصحفي وصحيفته، ويؤدي ذلك إن لم تتم العودة إلى المهنية الحقة، لفقدان وسيلة الإعلام المعنية من شعبيتها وتألقها.

شُهرة الطبيب لا تسمح له بعدم احترام مريضه، أو الخروج عن مبادىء وقيم ممارسة الطب، تحت طائلة فقدان شهرته وضياع مرضاه.

إن بناء أوطان ما بعد الأنظمة الإستبدادية الحالية، لا يتم إلا عن طريق احترام القيم والمبادىء التي من أجلها يموت الناس ويستشهدون، الفصل بين السلطة والإعلام، بين السلطة والقضاء، الإعلام الحر والقضاء الحر، هذا كله هو أساس المُستقبل الذي نتأمل الوصول إليه.

نأمل من الجزيرة أن لا تدفع مُحبيها وهم كُثر، ونحن منهم، إلى رفع البطاقة الحمراء، ونرجو من السيد أحمد منصور والذي نقدره بلا حدود،  أن لا يدفعنا إلى تطبيق المثل الفرنسي العريق ” إن كنت تحب حقاً، فكن قاسياً مع من تحب؛ إن استحق ذلك”.