حقوق لاأنسان والأنتماء للأنسانية

 

حقوق الإنسان والانتماء للإنسانية

نزار بدران

يولد الناس ويبقون أحراراً ومتساوون بالحقوق، هذه هي المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر 1948، وهي أيضاً المادة الأولى من إعلان حقوق الإنسان والمواطن للثورة الفرنسية بتاريخ 20 آب 1789، التي أقرتها الجمعية التأسيسية، بعد بضعة أسابيع من قيام الثورة، وإسقاط قلعة الباستيل ( 14 تموز 1789).

هذه اللائحة القصيرة، المكونة مما أقره ممثلو الثورة، تُعتبر المنارة والإضاءة التي على هديها، ومن أجل تحقيقها ثار الناس. مرت بعد ذلك الثورة الفرنسية بمراحل مختلفة، من عودة سُلطات ديكتاتورية، ومخلفات النظام الملكي السابق، والثورة المضادة، ولكنها انتهت كما نعلم بالثبات والانتصار النهائي بعد عشرات السنين. لائحة الحقوق المُعلنة رغم كل هذه الارتدادات بالمجتمع الفرنسي، تعني في تلك الفترة الهدف الذي يتجه إليه كل المناضلين من اجل الحرية.

يحل كل عام العاشر من ديسمبر ليذكر العالم بأهمية لائحة حقوق الإنسان، التي أقرتها الأمم المتحدة، بعد فترة قصيرة جداً من وجودها. كما بدأت الثورة الفرنسية بوضع لائحتها مبكراً، كما وضعت الأمم المتحدة لائحتها ايضا مبكراً ولنفس الهدف، حتى تهتدي بها الأمم والشعوب، بنضالها من اجل الحرية.

تُترجم اللائحة بحد ذاتها، ما تعتبره شعوب الأرض كقيم مشتركة، تحول كل إنسان على هذه الأرض لمواطن بها، وتُلغي بشموليتها، مفهوم التمييز الحضاري بين الشعوب؛ حضارتنا واحدة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب؛ قيمنا واحدة.

لم تُنه لائحة حقوق الإنسان الخلافات في كل مكان، ولم تُحترم من كل الدول، بما فيها دول عريقة بالديمقراطية، ولكنها تبقى أكثر من ضرورية، لأنها تعطي كل من ناضل من أجل الحق والحرية، البوصلة التي يهتدي بها، وتربط نضاله بالإنسانية جمعاء.

تنقصنا في دول الربيع العربي، والحراك الديمقراطي مثل هذه اللائحة؛ فنحن مُطالبون كما فعل الفرنسيون في بداية ثورتهم، أو ما فعلت الأمم المتحدة في لحظة انطلاقها، بأن نضع لائحة أهداف حراكنا وثوراتنا، حتى تتوافق مع معايير الحرية والحقوق. نحن مُطالبون الآن ونحن نرى من جهة قوى الاستبداد تُمسك برقاب شعوبها وتُنكل بهم، ومن جهة أخرى، قوى التخلف الاجتماعي والديني، تُبعد حراكنا عن أي مفهوم حضاري إنساني، وتريد أن تُطبق علينا قوانين لا تُعرف الإنسان بحريته وحقه، وإنما بانتمائه لعشيرة أو قبيلة أو مذهب أو دين.

قوى الثورة مُطالبة أكثر من أي وقت مضى، بالإسراع إلى وضع مثل هذه اللائحة المؤسسة لحراكنا، حتى تُصبح كما كانت في زمن الثورة الفرنسية، المنارة التي يهتدي به كل منا في نضاله، رغم التقلبات والكر والفر والمد والجزر في هذه الثورات.

انتصار الثورات العربية حتمي واكيد، ولكن إبعاد وحوش الفترة الرمادية، التي تعقُب انطلاق الثورات، يتطلب منا أن نُؤطر الفكر ونُحدد انتماءنا، ومنذ البداية للقيم الإنسانية الجامعة الشاملة.

المادة الثانية من لائحة حقوق الإنسان والمواطن الفرنسية، تؤكد الحقوق الطبيعية للإنسان، وتُعرفها بأربعة أشياء، وهي حقه بالحرية، بالمُلكية، بالأمان وحقه بمقاومة الظلم. إعلان الأمم المتحدة في مادته الثالثة تنص على أن كل فرد له الحق بالحياة، بالحرية وبالأمان لشخصه. أدعو القارئ إلى الاطلاع بنفسه على اللائحتين المُتشابهتين، مع أن قرنين من الزمان يفصل ما بينهما.

الفكر الإنساني، هو ذلك الفكر الذي يستطيع كل إنسان على الأرض، أن يجد نفسه ممثلاً فيه، ما تعارض مع ذلك حتى لو كان مُقنعاً للبعض لا يمكن اعتباره فكراً شاملاً للإنسانية، لا يمكن استعمال الفكر الديني أو القومي إلا في إطار هذه المعادلة، أي حينما يتقاطع في بعض نصوصه مع الانتماء الإنساني لسكان المعمورة الذين يناهزون المليارات السبعة، مثل المساواة بين الناس أو التضامن الاجتماعي.

الاتصاق الفكري والعمل في إطار هذه الحقوق، التي تبنتها كل شعوب الأرض، بما فيها شعوبنا العربية والإسلامية، هي برأيي الوسيلة الوحيدة، كي ينتصر الفكر وتنتصر الحرية، على ممارسي الظلم والاستبداد ودعاة التخلف والجهل.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s