أردغان واللعب بالنار

أُردغان واللعب بالنار

نزار بدران

كلما تصورنا أن أحد الدول الإسلامية، وصلت لمرحلة النضوج والديمقراطية، وبدأت تنتمي للعالم المعاصر بمقاييسه الحضارية، تُعيدنا الحقائق إلى الخلف، إلى عالم التشدُد والخدع السياسية، والتلاعُب بمشاعر الناس وعمل المُستحيل للانفراد بالسلطة. هذا للأسف ما نلاحظه هذه الأيام بتركيا.

استطاع هذا البلد في السنوات الأخيرة من الانتقال، بفضل انتخابات حرة وقيادة واعية، مثلها حزب العدالة والتنمية الإسلامي بقيادة طيب رجب أُردغان  الى مصاف الدول المتقدمه والمثال المحتدى.

ورغم نجاحات باهرة، في كثير من الميادين، الاقتصادية والاجتماعية، وخصوصاً إنهاء الصراع الداخلي مع الأكراد. فإننا نكتشف اليوم أن عظمة السلطة وحب تملكها دفع أُردغان، ذا الشعبية القوية، إلى هدم ما بنته يداه.

فبانتقاله من مركز رئيس الوزراء إلى مركز الرئاسة، أراد أُردغان نقل مركز السلطة التنفيذية معه من الحكومة إلى الرئاسة، مُمثلاً بتنظيمه انتخابات برلمانية، تُشبه الاستفتاء، وكأن تركيا لم تلد غيره من القادة المُلهمين. هذه العملية التلاعبية، تم إفشالها من قِبل جماهير الأتراك الواعية وخصوصاً الأكراد، اللذين لم يُعطوه النسبة الضرورية للحصول على الإذن بذلك. فبدل أن يقبل بالنتيجة، وينصاغ لها كباقي حكام العالم الديمقراطيين، قرر الاحتجاج على الشعب، وإلغاء انتخاباته والبدء بحملة انتخابية جديده. وللأسف الشديد، مع استعمال وسائل غير مقبولة في العرف الديمقراطي، أي تأليب الناس وخصوصاً الأتراك على إخوتهم الأكراد، عن طريق لصق تُهم دعم الإرهاب، بالحزب التركي المحسوب على الأقلية الكردية (حزب الشعوب الديمقراطي) والذي صوت له المواطنون الأكراد بكثافة. هدف ذلك تخويف الناس حتى يرتموا بأحضانه من جديد.

هذه سياسة لم نكن نتوقعها من السيد أُردغان، خصوصاً أنه لم يتوانى عن استعمال القوة العسكرية والتأليب الإعلامي، وإغلاق بعض مراكز الإعلام المُناوئة له.

سياسة تكميم الأفواه وتخويف الجمهور، لا يمكن إلا أن تُعطي نتائج عكسية، وهو ما شجع حزب متطرف كحزب العمال الكردستاني، على العودة للكفاح المسلح ضد الدولة التركية، ويقوم يومياً بهجمات دامية ضد الجنود الأتراك، سقط فيها عشرات القتلى. هذه السياسة ستفتح الباب أمام أعداء تركيا للتدخل بشؤونها، ونحن نرى إسرائيل تتربص وتعد عدتها، لإعادة تركيا للحلف الإسرائيلي التركي القديم، برعاية أمريكا بعد تحييد إيران.

الشعب التركي الذي أثبت نُضجه بالانتخابات الأخيرة، عندما حرم أُردغان، من استرداد السلطة لمركز الرئاسة، لن يقبل أن يقع ضحية المُناورات السياسية، فهو بكل تأكيد أحرص من أردغان وحزبه على وحدة تركيا ووحدة شعبها. لن يقبل الشعب التركي بالانجرار وراء سياسة القوة والتخويف، وخلق الأعداء الوهميين، والتي تعودنا عليها من قِبل الأنظمة الديكتاتورية، ولن يقبل الأكراد الانجرار وراء طبول الحرب التي يضربها حزب العمال الكردستاني.

نتمنى على الشعب التركي، في الأسابيع المُقبلة، أن يُظهر نُضجه الديمقراطي وابتعاده عن القادة المُلهمين المعصومين عن الخطأ. الانتخابات القادمة ستُعطيه الفرصة لإثبات تشبثه بمبدأ التبادل السلمي للسلطة، وإبعاد كل من يستعمل أصواتهم، بمناورات سياسية ومجازفات خطيرة، سيدفع ثمنها المواطن والاقتصاد التركي.

 

 

 

 

يوم الأرض الألتفاف حول فلسطين

يوم الأرض الالتفاف حول فلسطين

1948

نزار بدران

هي فلسطين ؛ هي الأرض التي وُلد فيها آباؤنا وأجدادنا منذ وُجدت وتنفست الحياة، عاش بها أجدادنا الكنعانيون وفيها وُلد وعاش الأنبياء والرسل، هي أرض النور والهداية للعالم، أرض التّسامح والمحبّة، فيها وجد الضعفاء والمظلمون الملجأ الآمن، اختلطت فيها الأعراق والأنساب أعرباً كانوا أم أرمن، مسيحيين كانوا أم مسلمين. هي التي أسرى إليها الرسول الكريم وولد فيها السيد المسيح، احتضنت عمر بن الخطاب والناصر صلاح الدين الأيوبي، من أرضها طُرد الصليبيين وهزمت أسوار عكاها نابليون، واضعة حداً لحملته بعد أن احتل كامل مصر. رمز القدسية وأرض الحضارة والمدنية ، فيها أريحا أقدم مدن العالم. انفتاح الأمة العربية والشعب الفلسطيني على الآخر كان رمز فلسطين ولكن دون ضعف أو هوان.

أن يدُنس أرضها الغزاة الصهاينة لا ينزع شيئاً من كل هذه الأبعاد بل يزيدها توهجاً وشموخاً ، وواجب الدفاع عنها يقع على الأمة جميعا وليس على  الشعب الفلسطيني وحده.

كل إنسان حرّ له وطنان، وطنه وفلسطين، كنلسون مانديلا الذي قال بعد تحرير شعب أفريقيا الجنوبية بسوده وبيضه، لن تكتمل حريتنا إلا باستعادة الشعب الفلسطيني حريته.

استشهاد أبناء الجليل قبل عقود من الزمن دفاعاً عن الأرض، وصمود أبنائنا وأهلنا في غزة الإباء وفي نابلس والقدس والنقب وحيفا ويافا، هو صمود بانتظار صحوة الأمة حتى تأخذ دورها الطبيعي وتسترجع حقوقها في جزئها الأكثر أهمية…فلسطين، حلقة الوصل بين الشرق والغرب، بين المتوسط والبحر الأحمر، بين مشرق العرب ومغربهم.

لن يطلب الفلسطيني الثأر من أحد بل يطلب استرجاع الحقوق وأولها حق كل لاجىء بالعودة إلى قريته وأرضه ليزرعها من جديد بليمونه وبرتقاله، وحق كل طفل فلسطيني بالانتماء الطبيعي لوطن آبائه وأجداده.

حضارة هذا الزمن والتي نأمل كأمة أن نكون جزءاً منها تُؤكد على حقوق الإنسان الأساسية وأولها حق الاجىء والمُهجر بالعودة لبلاده.

المطلوب من قيادات الشعب الفلسطيني المدرك تماماً لحقوقه، أن تُدرك هي أيضاً هذه الحقوق، ولا تضعها في سوق النخاسة للبيع والشراء. العودة إلى ثوابت الوطن وأولها حق العودة والعيش بأمان وحرية على ترابه يتناغم تماماً مع قيم زمننا، الذي تحاول به الأمه النهوض من سباتها وتصرخ عالياً مطالبة بكرامتها وحريتها، فلنلتحق بهذا الركب الهائج في وطننا وفي أوطان الشعوب الأخرى، ولا نبقى وحدنا ننتظر رحمة أمريكا والأمم المتحدة.

لا يُعقل أن يظل اللاجئون الفلسطينيون بالمخيمات مُضطهدين ،يعانون الجوع والفقر والحرمان منذ أكثر من ستين عاماً، وهم أبناء البلاد التي بارك بها ومن حولها الخالق، بلاد اللبن والعسل.

شعبنا المُشتت في بقاع الأرض عليه أن يتوحّد  ويلتفّ من جديد حول نضال أبناء أهلنا في فلسطين المحتله عام 48، لأنهم كانوا وما زالوا الشوكة التي تقضّ مضجع إسرائيل وتثبت كذب ادعاء الفكر الصهيوني بالانتماء إلى مجموعة الفكر الإنساني، هذا الفكر الذي يُطالب بالنقاء العرقي بطرحه مشروع يهودية الدولة الإسرائيلية، متناقضاً ومتعارضاً تماماً مع مبادىء حقوق الإنسان وأولها حقه بالعودة إلى وطنه.

30/3/2015

طبيب فلسطيني لاجىء في فرنسا

مفاتيح لفهم اشكاليات مؤتمر المناخ في باريس

مفاتيح لفهم إشكاليات مؤتمر المناخ في باريس

نزار بدران

 

لم يكن يدري العالم الأمريكي الكيميائي، تُوماس ميجلي، ببداية القرن الماضي أنه باكتشافه لاستعمال الرصاص لتحسين مردودية البنزين بالمحركات، واستعمال غاز السي أف سي، للثلاجات وأدوات منزلية أخرى، والتي كانت من أهم اختراعات القرن العشرين، لم يكن يدري بأنه قد وضع الحجر الأساسي للانحباس الحراري.

“لقد فتحنا باب ثلاجة الأرض”، هذا ما قاله المُكتشف والطبيب الفرنسي، جان لويس إيتين، والذي قام برحلات عديدة، منذ أكثر من عشرين عاماً، للقطب الشمالي، وحده وجاراً عربته بنفسه. وهو يعني أن فتح باب الثلاجة سيؤدي إلى ازدياد حرارتها، وفساد ما بها من أطعمة.

في مؤتمر باريس للمناخ، تُحاول 195 دولة أن تُغلق هذا الباب، هو مؤتمر مفصلي لأنه سيُحدد بنجاحه أو فشله مُستقبل الإنسانية على الأرض، وأشكال أخرى من الحياة.

الإنحباس الحراري المُتولد من الانبعاثات الغازية، مثل ثاني أكسيد الكربون وغاز السي أف سي، الناتج عن التصنيع في القرنين الماضيين، بسبب استعمال وسائل الطاقة الأُحفورية (البترول الفحم والغاز)، مسؤول عن تزايد درجة حرارة سطح الكرة الأرضية. لا يمكن إيقاف ذلك إلا بالحد من استعمال هذه المصادر للطاقة المُسيئة للمناخ، واستبدالها بالطاقة المُتجددة النظيفة كالطاقة الشمسية أو الهوائية أو حتى البحرية، استعمال الطاقة النووية هو ظاهرياً أقل خطراً على الانحباس الحراري، ولكنه تهديد آخر بتلوثه الإشعاعي للبيئة، كما حدث مؤخراً باليابان (حادث مُفاعل فوكوشيما 2011) أو بالاتحاد السوفيتي في العام 1985 في انفجار مُفاعل شرنوبيل النووي. لذلك فهذه الطاقة هي محط انتقادات كل الحركات المُدافعة عن البيئة ولا يمكن الاعتماد عليه بنظرهم كبديل للطاقة الأحفورية.

الدول الصناعية، خصوصاً أوروبا وأمريكا، هي الأكثر مسؤولية عن الانحباس الحراري، لسبب تركز الصناعة فيها لعقود طويلة. دخول دول عديدة أخرى، خصوصاً الصين حديثاً، بالإضافة لعولمة الصناعة، وانتقال كم كبير من المصانع المُلوثة للبيئه إلى العالم الثالث (صناعة النسيج…الخ) أدى إلى انتشار مصادر الانبعاث الكربوني بالفضاء وتطوره بشكل كبير. التقديرات العلمية تؤكد أن حرارة سطح الأرض، ستزداد بأربع درجات تقريباً بنهاية القرن الواحد والعشرين. كانت الزيادة في بداية هذا القرن هي 0.8 درجة عن الحرارة في منتصف القرن التاسع عشر، ومع ذلك فقد شهدنا بشكل ملحوظ تغيير مناخي واسع الانتشار فما بالك بأربع درجات.

يعتقد العلماء أن استمرار التزايد الحراري، سيؤدي إلى كوارث طبيعية، قد تُهدد حياة الإنسان إن تجاوز الدرجتين في نهاية القرن الحالي (أمطار غزيرة بشمال أوروبا والهند، وجفاف في جنوب البحر المتوسط ودول الساحل الإفريقي، ارتفاع مستوى البحار بسبب تمدد الماء وذوبان الجليد بالقطبين وتهجير ملايين البشر، وغرق جزر كامله وتهديد وجود دول مثل بنغلادش والاضرار بالزراعه لتداخل الفصول).

الدول المُبثة للكربون في الجو هي أساساً الدول المُصنعة، آخر الإحصاءات تُعطي الصين 22.5%، أي حوالي رُبع التلوث، يليه الولايات المتحدة بنسبة 12.0%، وأوروبا 8.0%.

مشكلة الوصول لاتفاقية دولية، للحد من الطاقة المُلوثة، تصطدم برغبة دول مثل الهند بالتطور الاقتصادي، وهي التي ستمتلك بعد بضع سنوات قليلة، أكبر عدد سكان بالعالم، متجاوزاً 1.5 مليار إنسان بحاجاتهم الهائلة المُستقبلية للطاقة للخروج من التخلف الاقتصادي.

السؤال المطروح على هذا المؤتمر إذن، هو كيفية الحد من استعمال مصادر الطاقة المسيئة للمناخ، بدون إعاقة التطور الاقتصادي لباقي دول العالم، الباحثة عن حقها الطبيعي بالرفاهية.

عُقد أول مؤتمر للمناخ بمدينة كيوتو باليابان عام 1997، ولكن قراراته لم تُحترم من العديد من الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا في زمن الرئيس جورج بوش (2001 /2009)، والذي كان يُشكك بحقيقة الانحباس الحراري.  تلى ذلك فشل مؤتمر كوبنهاجن عام 2009، والذي كان بسبب عدم قبول دولة مثل الصين، بالتزامات إجبارية التنفيذ، تبعها دول عديدة أخرى. يُضاف إلى ذلك أن المُعطيات العلمية، في عام 1997 وما تلاه، لم تكن كافية لإسكات كل الأصوات المُشككة بحقيقة الانحباس الحراري، الناتج عن النشاط الإنساني، واعتباره فقط ظاهرة طبيعية عادية. هذا العام لم يعد هناك أدنى شك أو صوت، يحتج على هذه المُعطيات العلمية المؤكدة، وأصبح تزايد حرارة سطح الأرض، لأربعة درجات نهاية القرن، شيء مؤكد، إن لم نفعل شيئاً.

في هذا المؤتمر تم اعتماد الحد الأعلى لزيادة الحرارة بنهاية القرن بدرجتان وهو سقف واطي ، وللحصول على هذا الهدف تُرك للدول المجتمعة أن تُحدد هي بنفسها التزاماتها، ثم تتحاور فيما بينها، لتصل إلى اتفاق مُلزم للجميع. يعاد تقييم هده الالتزامات كل خمسة سنوات لرفع سقفها في محاوله للوصول الى ارتفاع حراري لا يتجاوز الدرجة والنصف في نهاية المطاف.

الخلاف الرئيسي بباريس، يكمن في كلفة الانتقال التدريجي من مصادر الطاقة التقليدية المُلوثة إلى مصادر طاقة نظيفة، وقد تم الاتفاق على أن تُقدم الدول الغنية ما قيمته 100 مليار دولار سنوياً ابتداءً من عام 2020 إلى الدول النامية أو التي في طريقها للنمو، وبانتظار ذلك تعمل حالياً على جمع رؤوس أموال بلغت حوالي 10 مليار دولار، لمساعدة الدول الفقيرة، لاعتماد الطاقة البديلة النظيفة لتطورها الاقتصادي. من ناحية أخرى سيبدأ الاستغناء التدريجي عن النفط والغاز والفحم ليتوقف استخراجه نهائيا عام 2050.

الخلاف يتمحور (خصوصاً بين الهند والغرب) على قيمة التعويضات التي يجب أن تدفعها الدول الغنية (والتي كانت صناعاتها السبب الرئيسي للانحباس الحراري)، للدول النامية او التي في طريقها للنمو، لا تقبل هذه الدول أن يُحد من نموها، لذلك وجب على الدول المُصنعة الغربية، دفع كلفة عالية لمساعدة الدول الأخرى، على استعمال الطاقة النظيفة والصديقة للبيئة، لبناء اقتصادها الحديث.

إعادة النظر في مصادر الطاقة يتوازى إذن مع إعادة النظر في توزيع الثروة على المستوى العالمي.

الصين وأمريكا، واللتان كانتا حجر العثرة باجتماع المناخ بكوبنهاجن، العاصمة الدانيماركية لعام 2009، واللتان كانتا السبب الأساسي لإفشاله، بسبب تحميل كل منهما الأخرى المسؤولية الأولى بالتلوث، قد غيرتا موقفاهما واتفقتا على المشاركة بشكل أكثر فعالية، بالحد من الانحباس الحراري، وذلك بدوافع داخلية أساساً للصين بسبب شدة التلوث الحالي للمدن الصينية، والتي أصبحت مُظلمة ليلاً نهاراً وما قد يؤدي الى احتجاجات المجتمع المدني الصيني، وذلك لاستعمال الصين الفحم كمصدر طاقة رئيسي. الولايات المتحدة بدورها غيرت من سياساتها، بعد وصول باراك أوباما للسلطة، والحامل لمشروع مناخي، مُغاير تماماً لسبقه الجمهوري جورج بوش.

الاتفاق الأمريكي الصيني والذي سبق افتتاح اجتماع باريس، فتح أبواب الأمل لنجاح المؤتمر، لكونهما الدولتان المسؤولتان حالياً، عن أكبر كميات بث غازات ذات تأثير على الانحباس الحراري.

تقدر الاستثمارات الضرورية بعد 2020، حتى تستطيع الدول النامية الجديدة والأخرى بطريق النمو، للخروج من استعمال الطاقة المسيئة للمناخ لطاقة صديقة له، ب 1400 مليار دولار سنوياً، وهي حقيقة ثورة صناعية جديدة، ستُعيد حركة الاقتصاد العالمي على قواعد أكثر احتراماً للبيئة ولتوزيع الثروة.

أين هي الدول العربية من هذه المُحادثات والتحديات، ونحن دول مصدرة للطاقة ذات الأثر السلبي على الانحباس الحراري (بترول وغاز)، ظاهرياً سنكون متضررين من هكذا سياسة، لأنها ستنهي الاعتماد على البترول والغاز لصالح مصادر أخرى، ولكن لا ننسى أننا جزء من الإنسانية، ولا يمكن أن نمنع التغير المناخي المنتظر من تزايد الجفاف في بلادنا.

دول الخليج العربي وإيران، حسب الدراسات العلمية الحديثة والمؤكده، مهددة بارتفاع حراري مع رطوبه عاليه لا يطيقه الإنسان، إن لم يُحد من إنبعاث الغازات المسيئه. وصلت الحرارة المحسوسة هذا الصيف في بعض مناطق الخليج العربي وبإيران إلى 74 درجة مئوية، هذا الجو اللاهب الموعود لم يمنع السعودية ودول الخليج، من أخذ موقف معارض في اجتماع باريس مع محاولات اعاقته، حيث تُفضل هذه الدول الاستمرار ببيع النفط بأكبر كمية ممكنه (قبل إيقافه حسب مقترح الأمم المتحدة المطروح لعام 2050)، حتى لو دمر ذلك مستقبل بلادهم، متذرعة بدعم التطور الاقتصادي للدول الفقيرة. السعودية هي الوحيدة من دول مجموعة العشرين الأغنى بالعالم، التي لم تقدم قائمة التزاماتها المناخية، معها قطر وإيران والكويت والعراق، وحدها دولة الإمارات المتحدة، هي التي قدمت قائمة بالتزاماتها بتاريخ 22 أكتوبر، أي بضعة أيام قبل انتهاء المدة المحددة من الأمم المتحدة، لمعرفة التزامات دول العالم. دول الخليج بذلك تكون تقريباً هي الوحيدة بالعالم التي لم تقدم أي التزام، مع أنها ستكون حتماً، حسب كل الدراسات العلمية الأكثر تضرراً بالمستقبل القريب، مع أجواء جهنمية بانتظارها، علماً بأنها أيضاً تملك الطاقة النظيفة الأكثر بالعالم أي الطاقة الشمسية والتي ستصبح احد اهم المصادر المستقبلية.

في المجتمعات الغربية يقوم المجتمع المدني والهيئات المختصة المستقلة، بالدفاع عن البيئة، دافعاً الحكومات المنتخبه لاتخاذ مواقف وقرارات لصالح مكافحة الانحباس الحراري، بدونها قد يكون من الصعب مواجهة اللوبيات الاقتصادية.

في بلادنا  حيث الحكومات غير منتخبة، والمصالح الفئوية فوق كل اعتبار، فان المجتمع المدني سيصبح له أهمية أكبر، في الدفاع عن المستقبل المناخي للأمة. على المتعلمين والمثقفين والهيئات الاجتماعية المستقلة، أن تدفع الحكومات باتجاه العمل على احترام التطور الاقتصادي المبني على الطاقة الغير مسيئة لمستقبل الإنسان، هذه وسيلتنا للمشاركة في إغلاق باب ثلاجة الأرض.

 

 

LIBERTE, J’ECRIS TON NOM

LIBERTE, J’ECRIS TON NOM

 

 

 

 

Le peuple de France s’est prononcé à deux reprises par deux grandes manifestations, le 11 janvier 2015 en participant à des marches massives par millions à travers le pays mais aussi par un achat massif par millions également de numéros de Charlie Hebdo.

Nous avons entendu et vu des slogans défendant les valeurs de la république et même de la révolution française il y a plus de deux siècles : Liberté, Egalité mais aussi Fraternité.

Aucun slogan ni aucun comportement n’a porté sur le rejet d’une communauté ou le non respect envers l’Islam, j’ai personnellement participé à la manifestation du 11 janvier à la République, je peux en témoigner.

Est-ce que cet acte barbare contre des innocents journalistes et simples citoyens rentre dans une perspective d’agression idéologique pure. Faut-il ne pas voir en cela l’expression d’une guerre qui ne dit pas son nom ? La France a décidé avec l’appui de la communauté internationale de s’attaquer aux groupes djihadistes en Afrique mais aussi au Moyen Orient, ses raisons sont surement louables, les moyens utilisés sont ceux d’une grande armée moderne, fallait-il s’attendre à une capitulation de la part des fanatiques illuminés ? Il est clair que ces derniers ont porté ce qu’ils considèrent comme une riposte sur le territoire français en utilisant des moyens qui leur sont propres, c’est-à-dire la terreur et la prise des civils pour cible, ne pouvant évidemment pas égaler les capacités de frappe de l’armée française.

Chaque partie de cette confrontation, le gouvernement français d’un côté et les illuminés de l’autre, a voulu redessiner cette tragédie de façon à lui donner d’autres significations.

Les islamistes ont voulu en s’attaquant à la France faire impliquer la communauté musulmane à travers le monde, en choisissant Charlie Hebdo ils ont donné un contour populiste à leur action barbare, en jouant sur la vieille sensibilité des musulmans à l’égard de ce journal satirique et il faut le dire ils ont réussi partiellement dans la mesure où un certain nombre de manifestations antifrançais se sont déroulées en Afrique et ailleurs.

Le gouvernement français a trouvé dans cette agression une justification supplémentaire mobilisatrice des masses pour continuer sa guerre contre les djihadistes. Elle a donc porté haut dans les déclarations des responsables français la notion d’agression contre les valeurs de la république et de la liberté.

Ce qui parait initialement comme un épisode de confrontation qui dure depuis deux ans a pris la forme pour les uns de la défense de l’islam et des musulmans et pour les autres la  défense des valeurs constitutives de la république.

Le peuple de France a dit fort et haut son attachement aux valeurs de la République et de la révolution, la liberté d’abord.

Les peuples arabes dans leur printemps ont porté haut et fort de Tunis au Caire et de Sanaa à Damas les mêmes valeurs : liberté, dignité, démocratie, ces peuples du printemps arabe écrasés pour une grande partie par une contre révolution féroce n’ont pas trouvé auprès du gouvernement français ni occidentaux le soutien qu’ils méritent, ces gouvernements ont pour la plupart soutenu les régimes en place ou les contre révolutions de retour au pouvoir (comme le général SISSI en Egypte qui a massacré dans une seule journée plus de 1000 manifestants à Rabia  Eladaouia).

Les gouvernements occidentaux défendent de la sorte leurs propres intérêts faisant fi des larmes et du sang coulé de ceux qui portent haut les mêmes slogans que le peuple de France sur la place de la République.

Il est temps pour le gouvernement d’écouter les slogans des français défendant la liberté et d’infléchir sa politique de la sorte de répondre à ces mêmes slogans sur les terres d’islam. C’est la meilleure façon de se protéger et faire taire tous les extrémistes et fanatiques ,qui eux savent profiter des souffrances des femmes et d’enfants et de tous ceux qui demandent, au prix de grands sacrifices, le droit à la liberté et à la démocratie, eux aussi défendent les valeurs universelles de la révolution française, les manifestants de la place Tahrir ou ailleurs savent qu’ils peuvent compter sur le peuple de France espérant que le gouvernement pourra passer au-delà de ses intérêts à court terme pour rejoindre vraiment la lutte pour la liberté et les valeurs de l’humanité.

La France, dans cette équation, a aussi une position centrale du fait de son histoire et de son exemplarité, la révolution française il y a plus de deux siècles garde toujours dans la conscience des peuples du monde une image indélébile, faisons de la sorte que nous restons au niveau de l’espérance universelle.

 

 

 

 

 

Paris le 12/02/2015                                                               Nizar BADRAN

Médecin  laïc, de culture arabo-musulmane

 

 

أين مجلس حقوق الإنسان من اليمن؟

 

أين مجلس حقوق الإنسان من اليمن؟

نزار بدران

تتعالى الأصوات من جديد لفضح الجرائم ضد المدنيين التي ترتكبها قوات التحالف العربي بقيادة السعودية باليمن ضد المدنيين، وقد أعرب قبل بضعة أيام زيد رعد الحسين، المفوض الأعلى لمجلس حقوق الإنسان، أمام مجلس الأمن عن خطورة هذه الانتهاكات والتي تُشكل اغلبية إجمالي الانتهاكات المُمارسة باليمن، مع آلاف القتلى المدنيين ومئات آلاف المُشردين والمُهجرين.

قبل ذلك قامت منظمات دولية مثل human world watch ومنظمة العفو الدولية بالتنديد بتلك الانتهاكات، مُتهمة السعودية بتحديد أهداف مدنية قصداً، وليس فقط كخسائر جانبية. يُضاف لذلك الحصار الخانق الذي يفرضه التحالف على منافذ اليمن، علماً أن 90% من حاجات البلاد من الغذاء والطاقة يُستورد من الخارج، وهذا ما أدى إلى تجويع المواطنين وهو ما يرتقي إلى مفهوم جرائم حرب بحسب تقارير هذه المنظمات.

تقدر أيضاً هذه المنظمات بأن 80% من السكان بحاجة لمساعدة إنسانية عاجلة، يُضاف لذلك 15 مليون يمني، أصبحوا بدون عناية طبية مع تدمير البُنية الصحية ومنع دخول المواد الطبية، 20 مليون بدون ماء صالح للشرب، مما يؤدي لتزايد الأمراض المُعدية، كشلل الأطفال أو الإسهال الحاد.

وتفضح مؤسسة hww بتقريرها بتاريخ 17 نوفمبر، انتهاكات التحالف العربي للقانون الدولي واتفاقيات جنيف، وتتهم واشنطن بإغماض عينيها عن ذلك، بالإضافة لبيع أمريكا للسعودية كمية كبيرة من القنابل المُوجهة  بالليزر للاستعمال باليمن تُقدر ب 19 ألف قنبلة، قيمتها 1.3 مليار دولار.

لم يتمكن مجلس حقوق الإنسان، اتخاذ قرار لإقامة لجنة تحقيق للانتهاكات المذكورة، كما كان قد طرح هو نفسه ذلك، بشهر أيلول لعام 2014 في قرار رقم 19/27، والذي كان يهدف لإقامة هذه اللجنة للتحقيق بكل الاتهامات منذ بداية الثورة اليمنية السلمية عام 2011، خصوصاً بعد مجزرة “جمعة الكرامة” بتاريخ 18/3/2011، والتي نفذتها قوات علي عبد الله صالح آنذاك، مؤدية لمقتل 45 متظاهراً. وانتهاكات الحوثيين بحصارهم وقصفهم العشوائي للأحياء المدنية بتعز وعدن وغيرها، بهدف الإرهاب.

قدمت هولندا مشروع قرار لمجلس حقوق الإنسان، للتحقيق بهذه الاتهامات، ولكنها اضطرت لسحبه بنهاية شهر أيلول الماضي، بسبب شدة الضغوطات السعودية، وغياب الدعم لها من الدول الأساسية، مثل الولايات المُتحدة وبريطانيا. وكانت الحكومة اليمنية الحالية، قاطعت الجلسة المُخصصة لذلك، بدورة المجلس الأعلى لحقوق الإنسان.

المجموعة العربية لدول التحالف، بدعم أمريكي، قدمت مشروعا بديلا، يُطالب فقط بدعم تقني، بدون أي تحقيق حقيقي مُستقل، بتلك الانتهاكات.

لماذا هذا الخوف، من إقامة لجنة مُستقلة للتحقيق، بانتهاكات طرفي النزاع باليمن، التحالف والحوثيين، علماً أن المجلس يقوم بشكل دوري بتحقيقات في مناطق النزاع المُختلفة بالعالم؟، بكل تأكيد ذلك راجع لفظاعة الانتهاكات المُمارسة، من قِبل دول التحالف المدعومة امريكيا، والذي يؤكد المفوض الأعلى لمجلس حقوق الإنسان، أمام مجلس الأمن، أنها تُمثل حوالي ¾ الانتهاكات المُوثقة.

الأطراف المُتنازعة باليمن، لا تُدافع عن أي مطالب جماهيرية، وإنما فقط عن مصالح طائفية، أو مصالح أنظمة، فثورة الشعب اليمني السلمية لعام 2011، والتي استطاعت بدون اللجوء للعنف، إلى إنهاء النظام السابق، وتنظيم أول انتخابات ديمقراطية حقيقية بالبلاد, لم يكن من المُمكن أن يُقبل ذلك من دول ذات أنظمة استبدادية وشمولية، قامعة للحريات، مُستحوذة على ثروات الأوطان، لهذا حركت إيران، أتباعها من الحوثيين المحسوبين على الطائفة الشيعية، ضد الثورة، مع أنهم في البدء كانوا جزءً منها، وشاركوا بحواراتها، ثم تحالفوا مع الرئيس السابق، علي عبد الله صالح. فعلت إيران ذلك بسوريا مع حزب الله، أو العراق مع مليشيات فرق الموت التابعة لها.

السعودية ودول الخليج، لم تكن هي أيضاً لترى بعين من الرضى، أي انتقال ديمقراطي سلمي، بأي بلد عربي، حتى لا يكون مثالاً يُحتذى به، خصوصاً في اليمن، أقرب الجارات إليها، فاستحوذت بشىء من الذكاء التكتيكي، على مركز القرار اليمني، واستطاعت بذلك أن تظهر مُستغلة الاعتداء الحوثي على الثورة، كمن يُدافع عن اليمن، وحق الشعب بانتخاب حكومته، وهو ما يتناقض أصلاً مع المنطق، عندما نرى طبيعة الحُكم بهذه الدول، سلمية الثورة هي حقاً المُستهدفة.

التدخل السعودي “الصديق” للشعب اليمني، والتدخل الإيراني لدعم الحوثيين، أدى بالحقيقة إلى إدخال البلاد في أتون حرب، لم يطلبها الشعب ولم يكن بحاجة إليها.

المُتحاربان باليمن، أي دول الخليج وإيران، هما في الحقيقة يدافعان عن أنظمتهما، ضد خطر انتشار عدوى الحرية إلى شعوبهم، وليس للدفاع عن الأقلية الحوثية ومصالحها، والتي هي نفس مصالح الشعب اليمني، ولا الدفاع عن الشعب اليمني والديمقراطية، وفاقد الشىء لا يُعطيه، نأمل أن يتمكن مجلس حقوق الإنسان من مُمارسة عمله بحرية بعيداً عن الضغوط العربية والغربية.

 

لنتضامن مع انفسنا حتى لا نبقى عبيدا عند عبيد

 

لنتضامن مع أنفسنا

حتى لا نبقى عبيدا عند عبيد

نزار بدران

 

أين الأمة العربية والأمة الإسلامية من جوع أهل مضايا وغيرها من البلدات السورية، أين نحن من كل أشكال الموت اليومي السريع قصفاً، والبطيء جوعاً، وما بينهما تعذيباً في السجون.

أبناء الشعب السوري رجالاً ونساءً كباراً وأطفالاً، هم هدف هذا الموت الملون، القادم من صمت المشاهدين، أمام شاشات تلفازاتهم، وهم ينتظرون كل مساء الحلقة القادمة. هم لم يُدركوا بعد أنهم ليسوا فقط متفرجين، وإنما أيضاً ضحايا وبشكل آخر. ليس لهم إلا حرية واحدة، وهي رؤية موت جوعى مضايا، حتى لا يثوروا أو يطالبوا بحريتهم يوماً، وإلا لما تنافست قنوات الأنظمة لبث صور المُعذبين. فهؤلاء المتفرجين، هم أيضاً جوعى، لأنهم لا يملكون ثمن وجبات طعام أبنائهم، ولا دواءَ مرضاهم، ولا يُقبل منهم إلا السمع والطاعة لولي أمرهم.

أن نموتَ هنا الآن، أو هناك غداً، هو الثمن الذي قد ندفعه للحصول على حق أبنائنا بأن لا يموتوا جوعاً، وأن لا يبقوا عبيداً عند السلطان، يعيشون على فتات موائده. الاكتفاء بموقع المشاهد، لن يحمينا من السقوط بدورنا، في دائرة حصار الجوع، الذي تفرضه الأنظمة علينا.

الخروج للمطالبة، في كل مدن العرب، بالحرية لأهل مضايا، واجب طبيعي، فاين هم شبابُ ساحات التحرير وميادين الاعتصام، والذين خرجوا بالملايين في القاهرة أو تونس. الهم واحد والقاتل واحد وكلنا هدف له، فلا يجوز أن نترك أهل مضايا من  دون أن نرفع صوتنا عالياً.

أين هم العرب، والذين تغنوا ببلاد العُرب أوطاني من الشامِ لتطوانِ، وهم يفتخرون    بصيحة وامعتصماه. أين هم المسلمون والقرآن يقول “من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً”, أو نبيهم “لأن تُهدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من أن يُراق دم امرىء مسلم”. وأين هم مسيحيونا الذين حملوا راية العروبة لسنوات طويلة، ودينهم يقول بالكتاب المقدس “الله محبة ومن يَثبُت في المحبة يثبُت في الله والله فيه”.

هل مزقت الحدود التي وضعها الاستعمار في أوطان العرب والمسلمين عقولنا، وحولتنا من عرب إلى مصريين وسوريين وفلسطينيين، ثم إلى علويين واكراداً وبربر ودروز، ثم إلى شيعة وسنة ومسيحيين ويزيديين وحوثيين وغيرهم.

اهتمام العالم بضحايانا وجوع أطفالنا ودمنا السائل، لن يحدث إلا عندما يكون لها صدى بين أهلهم الأقربين. هكذا فهمنا تضامن العالم مع ضحايا باريس، بعد تضامن كل فرنسا وأوروبا معهم.

الأقربون أولى بالمعروف، فهل رددنا الجميل للشعب السوري وأهل مضايا، لدفعهم ثمن الحرية بالنيابة عنا. انتصار سوريا الثورة سيكون انتصاراً لكل الشعوب العربية المظلومة، وهزيمتها ستُعيدنا في كل دولنا، لوضع أسوأ مما كنا عليه، قبل بدء الحراك العربي بتونس، وستصبح قوى الثورة المضادة أعنف واشد فتكاً من الأنظمة التي ثرنا ضدها، وسنقول “أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض”.

فلننصر أهلنا المواطنين في مضايا وفي كل سوريا كمواطنين، لا كقطعان أو شلايا طوائف ومذاهب، ولنتضامن مع أنفسنا حتى لا نبقى عبيدا عند عبيد، ولأننا بذلك ننصر أنفسنا، ونسمح للعالم أن يتحرك أخيراً معنا ويدعمنا لنيل الحرية. ولنسمع كلمات محمود درويش “وأنت تُعد فطورك فكر بغيرك لا تنس قوت الحمام”.

هل النفط نقمة أم نعمة؟

 هل النفط نقمة أم نعمة؟

نزار بدران

دخلت إيران يوم السادس عشر من كانون الثاني2016 ، على خط الدول التي تستطيع بيع نفطها بالسوق العالمي، بعد إزالة العقوبات الغربية عليها. وفي هذه بالمناسبة اعلن الرئيس حسن روحاني أن هذه العقوبات، أفادت إيران بشكل غير مباشر عندما دفعتها لمحاولة استبدال الريع النفطي بتنويع عناصر الثروة، عن طريق تطوير وتنويع الإنتاج والسوق المحلي.

أسعار النفط المتدنية بشكل كبير، تظهر مدى هشاشة اقتصاد هذه الدول النفطية، والتي بُليت بالاضافة الى أنظمتها الديكتاتورية، بانعدام أي سياسة إنتاجية محلية حقيقية، تستطيع أن تحل محل النفط. الدول العربية النفطية، تعتمدُ على هذه الطاقة بمداخيلها بنسب تتجاوز التسعين بالمئة، وهو ما يسمح بتثبيت الديكتاتورية من جهة، عن طريق إعطائها وسائل القمع، وكذلك شراء السلم ألاجتماعي بسياسة رشويه لاسكات الشباب الباحثين عن عمل،وذلك عن طريق التوظيف ودفع الرواتب، حتى ولو لم يكن هناك حاجة حقيقية لهذه الوظائف.

انهيار الأسعار، والذي بدأته سياسة المملكة العربية السعودية منذ عام 2014، عن طريق الزيادة بالإنتاج، لم تحقق أهدافها الأساسية للمملكة، وخصوصاً ضرب المصادر الجديدة للطاقة النفطية والغازية الصخرية، وهي جاءت أصلا تلاؤماً مع مُعطيات جيوسياسية جديدة، خصوصاً الحرب الروسية الأوكرانية، وإمكانية عودة إيران إلى السوق النفطي.

على ان دولة مثل الجزائر،بعد الانخفاض الحاد بالاسعار, لن تستطيع أن تستمر برشوة المجتمع، عن طريق الوظائف والدعم المالي للمشاريع الفردية، وهي التي تعتمد بنسبة 98% من دخلها القومي على النفط.

فهل كان النفط في بلادنا نعمة علينا ؟، الجواب واضح بالنفي، فنحن مقسمون لاثنين وعشرون دولة، وكل مناطق النفط، إما تحت هيمنة عائلات كدول الخليج، أو في حروب دامية كالعراق وليبيا والسودان، أو عاشت حرب أهلية مُكلفة جداً كالجزائر، والتي فقدت في السنوات السوداء، أكثر من ثلاثمائة ألف قتيل.

هل استطاع دخل النفط في” زمن العِز” أن يُطور بلادنا ؟، هذا لم يحدث إلا شكلياً، ولم تُبنى أي سياسة عقلانية لتنويع مصادر الإنتاج، والنسب المرتفعة جداً للجزء النفطي من الدخل القومي يُبين ذلك، بعكس دول أخرى مثل النرويج، وهي من أكبر المُنتجين، والتي وضعت كل دخل نفطها، خارج الدورة الاقتصادية منذ بداية التسعينات، وخصصته فقط للأجيال القادمة.

لكن إيران أفضل حالاً، لأن اعتمادها على النفط بلغ 60% فقط ! وساعدتها العقوبات، كما يقول روحاني، باستيعاب مفهوم تنويع مصادر الثروة الوطنية، لبلد يُعد سكانه حوالي بتسعين مليونا، وله ثروات زراعية وسياحية كبيرة، وتاريخ صناعي يسهل إعادة إحيائه.

النفط حقيقة هو نقمة، لأنه لم يفد الناس بشيء، بل أدخلهم لعالم الفقر والحروب والأعمال ألوهمية ,وفرض عليهم أنظمة استبدادية، لا تهتم إلا بكيفية سرقة دخل النفط، وإسكات الأصوات المُحتجة والمعارضة. سعر النفط المنخفض، قد يكون نقمة على الحكام ونعمة على الشعوب، لأنه سيؤدي إلى عودة هذه الدول إلى المنظومة التي تتبنى سياسات اقتصادية حديثة متطورة، مبنية على التنوع بالإنتاج وتطوير السوق الاستهلاكي الداخلي، ليكون محرك الاقتصاد، كما رأينا باليابان ثم كوريا الجنوبية والآن بالصين.

وجود مصادر للطاقة النفطية والغازية الصخرية، وخاصة بالولايات المتحدة، ستؤدي آجلاً أم عاجلاً، إلى تقليل الاعتماد الأمريكي على بترول الدول العربية ودعم أنظمتها، وما سيكون لذلك من انعكاس على الأوضاع الداخلية نحو الانفتاح الديمقراطي وبناء مجتمع حديث.

انخفاض سعر النفط سيستمر، لأن العالم بدء يستشعر بخطر ذلك المصدر على مستقبل الإنسانية، ودور هذه الطاقة بالتلوث البيئي والانحباس الحراري. اتفاق باريس الأخير على المناخ، والذي جمع 195 دولة بما فيها الدول العربية، حدد عام 2050، للوصول إلى تراجع باستعمال الطاقة الأحفورية (نفط، غاز وفحم) بنسبة تزيد عن 80%، قبل التخلص النهائي منه، مما يدفع بعض الدول لزيادة إنتاجها النفطي، حتى تبيع أكبر كمية ممكنة قبل بدء تقلص استعماله، الامرالذي يحمل معه مزيدا من انخفاض الأسعار، وفي هذا الإطار، فإن الدول الغازية ستكون أوفر حظاً، لأن الغاز يُعتبر أقل تأثيراً على المناخ، وسيُستعمل بشكل أكبر بدل النفط، وهذا قد بدء بالغرب، وخصوصاً بكندا وغرب الولايات المتحدة، عن طريق تطوير وسائل مواصلات، تعتمد الغاز بدل البنزين. من ناحية أخرى، ستقوم الدول النامية مثل الهند وأخرى في طريق النمو كالدول الافريقية، إلى تفضيل الطاقة النظيفة، لتطوير اقتصاداتها، بدعم غربي سيتجاوز 100 مليار دولار سنوياً كحد أدنى.

في ظل هذه المعطيات الواضحة ,فما على الأمة العربية الا  أن تأخذ بالأعتبار كل تلك الحقائق، وتُزيل عن عينيها غشاوة النفط، وتنطلق نحو التغيير الاجتماعي الديمقراطي، والذي لا بديل عنه، من أجل بناء اقتصاد متنوع، إنتاجي واستهلاكي، يحفظ حقوقه ويُؤمن سعادة كل المواطنين، وهذا شيء ممكن، خصوصاً عند انهيار دعائم الأنظمة الديكتاتورية, المالية والسياسية الداعمة له من الغرب.

 

العلمنة الاجتماعية أساس الدولة العلمانية

 

 

العلمنة الاجتماعية أساس الدولة العلمانية

نزار بدران

هناك نوع من الاضطراب حول مفهوم العلمانية، داخل محافل الإعلام والنقاشات الدائرة حوله منذ عدة سنوات، وخصوصاً منذ بدء الثورات العربية. وهذا عائد لإرث قديم يعود لزمن الاستعمار، والذي وُوجه بتأكيد “الهوية الإسلامية” كأحد وسائل المقاومة، بينما جرى إقصاء، الترابط بين العلمانية والتحرر والحداثة.

ومن ناحية أخرى، بُلينا لعشرات السنين، بحكومات ديكتاتورية شرسة، في العديد من الدول العربية (مثل سوريا والعراق)، والتي كانت تُعلن انتماءها المُزيف، للعلمانية السياسية، ولكنها لا تستعمل هذا التعبير إلا لإبعاد كل أنواع المُعارضة السياسية الإسلامية، حتى لو كانت ديمقراطية، وتقبل مبدأ التبادُل السلمي للسلطة، كما رأينا حديثاً بمصر.

يوجد للعلمانية مفهومان متكاملان، أحدهما وهي العلمانية السياسية، المعروفة عند الناس، أي مبدأ فصل الدين عن السلطة. والأخرى أقل معرفة، وهي العلمنة الاجتماعية (وليس العلمانية) والتي ترتبط بالحداثة.

المفهوم الأول أي فصل الدين عن السلطة، هو مبدأ قديم، تبلور في خِضم التغييرات الثورية، التي حصلت في أوروبا خلال مرحلة الثورة الصناعية، وما تبعها من تغييرات سياسية وفكرية، خصوصاً ما جادت به قرائح مُفكري عصر الأنوار والثورة الفرنسية، وتبنته كثير من أنظمة الحكم الديمقراطية وكذلك الديكتاتورية.

هنا يكمن أول شرخ في مفهوم هذا النوع من العلمانية السياسية، ما يؤدي بدوره إلى نوعين جديدين، الأول العلمانية في إطار الحكم الديمقراطي، وهو ما أسميه “العلمانية المُسالمة” أو الإيجابية، وهذا النوع هو المُنتشر في أوروبا وكافة الدول الديمقراطية، بما فيها تركيا المُسلمة. العلمانية هنا تعني حيادية السلطة أمام الأديان، واحترامها لجميع أبنائها، ومعاملتهم بقوانين تساوي بينهم وتحترم عقائدهم، الفرد هو مواطن أولاً. ولكنها ترفض أن تُسن القوانين للدولة، بناءً على تشريعات خارج إرادة ممثلي الشعب (البرلمانات), وبدون أي ارتباط بأي قوانين غيبية، تضع حرية الإنسان بالفكر قبل أي اعتبار.

هي إذاً تفصل الدين عن مُمارسة السلطات الثلاثة، التنفيذية والتشريعية والقضائية، هذه القطاعات المؤسسة للدول. لا يمكن فيها أن يُنطق بحكمٍ، أو تُسن سياسة، أو يوضع تشريع، من دون أن يكون الإنسان مُمثلاً بالشعب، مصدره الوحيد (هذا لا يمنع الاستلهام بالفكر الديني). لا مكان في الدولة العلمانية للتشريع الديني، لأن الأديان فيها مُتعددة، والدولة تضع نفسها كحامية لكل الأديان، ولا تُنصب ديناً للدولة، أو تفضله على دين آخر.

الدين في هذه الدول (كما في تركيا المسلمة العلمانية) والمجتمعات، هو مرجعية أخلاقية وتقليدية فقط، لأن هذه هي وظيفته الحقيقية، وتضع الأديان كلها في مصاف الدفاع عن السلم الاجتماعي، بدل تدخلها بالتشريع، والذي يضع المجتمعات في مهب التناقضات والحروب الطائفية.

الأخلاقيات والقيم وتهذيب النفس، هو الدور المُناط بالمرجعيات الدينية، هذا ما يحدث بالفاتيكان بالعالم الكاثوليكي وبرضاه، وما أعتقد أنه سيكون عليه الوضع بالعالم الإسلامي. من درس أعمال إصلاحيي الدين الإسلامي، بنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين (أمثال الشيخين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده) قد يجدُ في حينه، انفتاح أكبر على مفهوم العلمانية منه الآن، بين دُعاة الدين والتدين. هذه هي العلمانية الإيجابية، والتي بدونها، قد لا يوجد سلم اجتماعي ممكن.

النوع الآخر من العلمانية السياسية، هي تلك السلبية أو العنيفة أو الكافرة، كما كان الحال في الاتحاد السوفيتي أو الدول الشيوعية الأخرى، والتي كانت تعتبر “الدين أفيون الشعوب”، وتمنع ممارسته والقيام بشعائره، وتُغلق الكنائس قبل الجوامع، وتحرم الناس من العيش في كنف المعتقدات الدينية التي يودونها، أو الاحتفال بأعيادها. هذه العلمانية لا تستطيع أن تبني السلم الاجتماعي، وإنما هدفها فرض دين جديد، وفي حالة الاتحاد السوفيتي، هو “الدين الشيوعي”، كباقي الأديان، يتصور أنه يمتلك الحقيقة المُطلقة.

العلمانية إذن هي أسلوب عمل سياسي، يفصل مؤسسات الدولة عن المُحتوى الديني، وهو نتاج نضال سياسي ونقاشات طويلة وثورات ثقافية، كما حدث بأوروبا خلال القرون الأخيرة الماضية، وأُقر هذا القانون بفرنسا مثلاً في العام 1905.

من ناحية أخرى، ومقابل علمانية الدولة، يوجد ما يمكن تسميته (بالعلمنة الاجتماعية)، وهو مفهوم اجتماعي للعلمانية، حين تتحول المُمارسات الاجتماعية، من أُطرها الدينية إلى أُطر علمانية، هذه الأوضاع موجودة في كل البلاد، بما فيها البلاد العربية والإسلامية، وهي برأيي من طوّر الأوضاع خلال الثلاثين السنة الأخيرة في بلادنا, وحضّر لانفجار الربيع العربي.

وهي تعني الخروج التدريجي والبطيء لكل نواحي الحياة، من الكنف الديني، هذا واضح جداً بالتعليم الذي انتشر بشكل واسع، فالمدارس والجامعات لم تعُد مرجعياتها المؤسسات الدينية إلا ما ندر، التعليم لم يعد يتم بالكتاتيب القرآنية والزوايا، والجامعات والمعاهد لم تعد مُلحقة بالجوامع، أو كما بالحالة الغربية بالكنائس. هذا لا يعني أنه لا توجد مدارس ذات مرجعية دينية، ولكنها أقل بكثير من الماضي، نذكر كمثال جامعة الأزهر والمدارس الدينية الحرة بالغرب، ولكنها تطبق مناهج معظمها مُعلمنة اجتماعياً، فالعلمانية السياسية الإيجابية، لا تمنع ذلك قطعاً.

العلمنة تمتد أيضاً، إلى كل نواحي الحياة، من اقتصاد وفن وصحة، فالطب مثلاً لا يوجد له أي ارتباط حالياً، إلا بالمعطيات العلمية، كذلك الاقتصاد والمعاملات التجارية، والتي تحكمها حالياً قواعد الاقتصاد العالمي، وما محاولات البعض لإدخال مفهوم الاقتصاد الإسلامي، كوسيلة ناجعة لبناء اقتصاد حديث، إلا كلام نظري، وما نسمعه بالإعلام بشكل دوري، عن “الاقتصاد الإسلامي”، لا يوجد له حقيقة أي تطبيق بأي تشريع وبأي دولة، بشكل واسع، بما فيها الدول الإسلامية، والبنوك المسماة إسلامية، تُطبق حقيقة قواعد الاقتصاد الأكاديمي مع بعض التعديلات الشكلية.

ويمكن ملاحظة هذه العلمنة الاجتماعية، بحياة المرأة العربية والمسلمة، والتي لم تعد تقبل بالبقاء بالبيت، والقيام بالدور الذي يعدها به “الإسلاميون” بكل أطيافهم، وهو الإنجاب وتربية الأولاد. الواقع الديمغرافي منذ عشرين عاماً، والانخفاض الشديد للخصوبة، بالدول العربية والإسلامية، (والذي انتقل من 6 أطفال لكل امرأة في نهاية الثمانينات، إلى طفلين لكل امرأة حالياً، بحسب الإحصائيات العالمية). واتجاه المرأة نحو التحرر، والانعتاق من سيطرة الرجل، والدخول إلى عالم العلم والعمل، هو أكبر دليل على هذه العلمنة الاجتماعية، حيث تبتعد المرأة بممارساتها اليومية الحياتية، عن المعايير الدينية التقليدية، حتى في الدول الإسلامية العريقة.

العلمنة إذاً هي واقع حداثي، يتطور تدريجياً منذ عشرات السنين، بكل مناحي الحياة، وهو بموازاة العلمانية السياسية، يضع المجتمعات على طريق التقدم والسلم الاجتماعي. علمنة الواقع الاجتماعي إذاً، هو من يفرض التغيرات الاجتماعية، والتي تضع هذه الدول، على حافة الانفجار، بسبب التناقض المتزايد بين الأطر السياسية الاستبدادية، والمفاهيم الدينية الاجتماعية التقليدية من جهة، وبين حقيقة الحياة الاجتماعية المُمارسة حقيقة على الأرض من جهة أخرى.

الربيع العربي والحراك الشبابي، خصوصاً، هو نتاج هذا التناقض، وهو يشبه الزلازل، التي تحدث بعد تجمع قدر كبير من الطاقة الضاغطة بين طبقات سطح الأرض، تتجمع تدريجياً على مدار عشرات السنين، لتنفجر في بضع دقائق.

الانفجار الشبابي إذاً، هو نتاج هذا التراكم الحداثي، في ظل الاستبداد والتخلف الاجتماعي، وليس نتيجة مؤامرة، وهو ما يحاول دُعاة وداعمي الأنظمة ترويجه بين الناس، بمن فيهم بعض مُدعي اليسارية والعلمانية المُزيفة.

العلمنة الاجتماعية هي واقع يتطور ببطء، ولكنه يتقدم باستمرار، سيؤدي عاجلاً أم آجلاً، للتغيرات الديمقراطية المرجوة، والوصول للعلمانية كوسيلة حكم، وعندها تجد الأديان في مجتمعاتنا وضعها الطبيعي، أي الداعية للسلم الاجتماعي والتآخي بين الناس، بدل الدخول في جعجعة السياسة، وإشعال الخلافات الطائفية، التي لا يمكن حلها، لأن العقائد الدينية متناقضة، حتى داخل نفس الدين أو المذهب، وكل طرف يعتقد امتلاكه الحقيقة الأزلية، وينفي بالتالي وجود الآخر، الذي يحمل هو أيضاً نفس التصور عن دينه.

إن عودة الديانات إلى مفهومها الأصلي، وهو التآخي والمساواة، في مجتمع متنوع بأجناسه وآرائه ومُعتقداته، وترك السياسة للناس في أُطر الديمقراطية، هو من سينقذ مستقبل الأديان في مجتمعاتنا السائرة والطامحة نحو الحداثة والتحضر، والتجربة التركية وأيضاً التونسية جديرتان بالدراسة، واستنباط العبر، لأنهما تجربتان رائدتان أثبتتا نجاحهما ونجاعتهما.