تجربة الثوره المصريه والحراك السوداني القدس العربي 5/02/2019

تجربة الثورة المصرية والحراك السوداني

تجربة الثورة المصرية والحراك

السوداني

منذ 13 ساعة

د. نزار بدران

مع تطور الحراك الشعبي الانتفاضي في السودان، يُطرح السؤال فوراً عن عودة الربيع العربي وإمكانية انتقاله من جديد إلى دول أخرى.
أول هذه الدول، طبعاً هي الجارة مصر. هذا ما حدث بعد ثورة تونس، وهذا ما قد يحدث، بعد النجاح المُحتمل للثورة السودانية. خطر هذه العدوى هو ما يُفسر تكالب كل دول المنطقة، ودول أخرى بعيدة عن السودان على شعبه وثورته.

عودة للمربع الأول

تعلم الشعب السوداني، كما يبدو لنا من فشل الثورة المصرية، ومآسي الثورات الأخرى، والأخطـار المُحدقـة بأي ثـورة عربية. ثمـاني سنوات من الثورات المُضـادة، وتـبذير المال الطائل لشراء الأسـلحة، ودعــم حـروب الأنـظمة ضـد شعوبها، أضعف الـحراك الثوري العربي، ولكـنه أنـهك أيضـاً من جهـة أخرى هذه الـدول.
هذه الوضعية الجديدة، هو ما قد يسمح للشعب السوداني، بالوصول للفوز بتغيير النظام، وبناء الدولة الديمقراطية. في هذه الحالة سنعود من جديد، للمربع الأول لثورات الربيع العربي، أي مطالبة الناس بالعدالة الاجتماعية والديمقراطي. وقد تكون مصر، وهي الأقرب عاطفياً وجغرافياً واقتصادياً من السودان، وتتقاسمان معا وادي النيل، أكثر الدول ترشيحاً لهذا الربيع المتجدد.
الوضع المصري الداخلي الحالي هو أسوأ مما كانت عليه الأوضاع قُبيل الثورة المصرية مطلع 2011، فالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية تتراكم وتتأزم، مرتبطة باستحواذ الجيش على السلطة السياسية والاقتصادية بشكل شبه كامل، مانعا أي تعبير حر ديمقراطي حقيقي بحجة الإرهاب والتآمر.
فشل ثورة 25 يناير/كانون الثاني يرجع برأيي لسببين رئيسيين، الأول هو الخلط الذي تم بين مفهوم بناء الدولة المصرية الحديثة، ومفهوم بناء السلطة التي ستُديرها، الثورة كانت تهدف لبناء الصرح الديمقراطي، أي دولة المواطنة والعدالة والحرية، وليس تحديد هوية السلطة، المنوط بها إدارة البلاد، واختيار البرامج الاقتصادية أو الاختيارات الحياتية.
والثاني، وهو مرتبط بالأول، فهو عدم ترسخ الفكرة الديمقراطية داخل الأحزاب، خصوصاً تلك اليسارية أو الليبرالية، ممثلة بحمدين صباحي والدكتور محمد البرادعي، الأحزاب التي استعجلت الوصول للسلطة، بدل انتظار دورها الطبيعي بالتبادل، وذلك بتحالفها مع العسكر. تم هذا الأمر للأسف على حساب الديمقراطية وبناء الدولة. استباق الأحداث هذا نم عن عدم اكتراث بترسيخ التجربة الديمقراطية حديثة العهد، والتي كانت قد أتت بـ «الإخوان المسلمين» إلى السلطة، والتحول فوراً، لهدف إدارة الدولة خارج الأطر الديمقراطية.
في النهاية ورغم الهرولة، فهذه الأحزاب، لم تتمكن من الوصول إلى السلطة، ولكنها أنهت، من حيث لا تحتسب، التجربة الديمقراطية. وانتهى الأمر إما بفقدانها أي وزن سياسي داخلي أو الهرب للخارج.

طبقة لا ترضى بتقاسم السلطة

نحن نعرف الآن جميعاً أن الطبقة العسكرية لم تكن ترضى بتقاسم السلطة مع أي حزب أو طرف كان، هذا ما كان عليه الأمر بكل الدول التي حكمتها أنظمة عسكرية مثل دول أمريكا اللاتينية، وإنه لمن المستغرب حقاً أن شخصاً مرموقاً بوزن محمد البرادعي، لم يكن قد فطن لهذه النقطة، وظن أن العسكر سينقلبون على حكم «الإخوان المسلمين» لصالحه، بينما تم استعماله من طرفهم كسلم للتسلق إلى السـلطة.
«الإخوان المسلمون» بالمقابل، الذين وصلوا إلى السلطة بشكل ديمقراطي حقيقي، لم يكونوا يتمتعون بالحس الثوري، أي الرغبة ببناء الدولة الحديثة، المتخلصة من إرث الماضي الديكتاتوري، بل آثروا التعاون، هم أيضاً، من منطلق فكرهم «الإصلاحي» مع الجيش ومجلسه العسكري، وكذلك المحاكم المعينة من قِبل حسني مبارك لإدارة البلاد، وهو الذي انتهى بهم سريعاً للسجون أو القتل.
نحن إذن أمام فشل للقوى الحزبية التقليدية، التي استلمت الثورة من شبابها، وليس فشلاً للثورة نفسها، والتي ما زالت تحمل الأهداف نفسها وهي بناء الدولة المصرية الديمقراطية الحديثة.
تجربة من هذا النوع، ستُبعد برأيي، الأحزاب المذكورة عن أمل الوصول إلى السلطة في حال حدوث ثورة مصرية جديدة، وقد تعلم شباب الثورة الدرس، وضرورة أن يؤطروا أنفسهم وجماهيرهم لاستكمال المشوار حتى النهاية.
الأحزاب المصرية بكل انتماءاتها، لم تتمكن من التخلص من إرث الماضي، وتسببت بالفشل الذريع، لأنها بكل بساطة جزء من الماضي بتركيبته، وليست جزءا من حراك المستقبل بحداثته وشبابيته.
التجربة السودانية الحديثة، ومواقف شباب الثورة المبدعة، وابتعادهم عن الأحزاب السودانية التقليدية، والتفافهم حول منظمات مهنية من المجتمع المدني، وهو ما نراه أيضاً في دول مثل المغرب والأردن، هو أحد معالم هذا التوجه الجديد في الساحة العربية، والوسيلة الناجعة لشبابها وشاباتها لانتصار الربيع العربي الجديد المقبل.

كاتب ومراقب سياسي عربي مقيم في باريس

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s