فلسطين الهدف والوسيلة

فلسطين الهدف والوسيلة

 د. نزار بدران

في حياتنا اليومية، نحاول دائما التوفيق بين أهدافنا ووسائل تحقيقها. إن قَلَّت قدراتنا وإمكانياتنا، خفضنا سقف أهدافنا وأحلامنا. على عكس ذلك إن تَحسَّنت تلك الإمكانيات نقوم برفع ذلك السقف.
هذا سليم في الأشياء المادية البسيطة مثل تحضير حفل أو السفر في عطلة استجمام، فكلا طرفي المعادلة خاضع للزيادة أو النقصان. أما في الأمور غير التقنية مثل النجاح في امتحانات نهاية العام فنحن بحاجة للتعب وسهر الليالي، الهدف هنا ثابت، أما المتغير فهو الوسيلة. قد ينقلب الهدف بدوره إلى وسيلة، فالنجاح في شهادة جامعية والذي كان هدفا، ينقلب إلى وسيلة للبحث عن عمل.

المعادلة الغائية

ما أريد ايصاله للقارئ العزيز هي أن هذه المعادلة الغائية عندما نطبقها على المجال الإنساني الاجتماعي، تصطدم دائما بعلو مستوى الهدف وضعف مستوى الوسيلة المتاحة. العدالة الاجتماعية، الحرية، حقوق المرأة، حقوق العمال وحق الشعوب بتقرير المصير، هي أهداف لا يمكن تخفيض سقفها، فلا توجد نصف عدالة أو نصف حرية. الحقوق لا تتجزأ وحقوق الشعوب ثابتة. لذلك لا محالة من تطوير الوسائط والوسائل حتى نصل إلى الهدف. وحدها الوسيلة في هذه المعادلة من يشكل الجزء المتحرك والقابل للتغيير.
لو انتقلنا إلى تطبيق هذه النظرية على القضية الفلسطينية، وكيفية تعامل الفلسطينيين أنفسهم والعرب والعالم مع قضيتهم العادلة، لرأينا بوضوح أن الجميع يحاولون تخفيض سقف الهدف، أي المطالب الوطنية، بدل تحسين وإيجاد الوسائل المناسبة، فيما يشبه عملية احتيال متعددة الأطراف.
لمزيد من التوضيح فإننا لو قارنا ذلك مع الثورة الجزائرية أو حرب فيتنام، سنرى بوضوح مستوى الخلل الفلسطيني، فلا الشعب الجزائري أو الفيتنامي أو الشعوب الأخرى رضيت بتخفيض سقف حقوقها، والقبول بأجزاء من الوطن وبأجزاء من الحقوق، ولكان الجزائريون ما زالوا لليوم يماطلون الفرنسيين على حقوقهم، ويبحثون عن دويلة في الصحراء.
تشريد الشعب الفلسطيني وضعفه، لا يعني التفريط بحق هذا الشعب بتقرير المصير، والعودة إلى مدنه وقراه. هي حقوق أكيدة معترف بها في القانون الدولي، ومسجلة في لائحة حقوق الإنسان. هي حقوق ثابتة وليست الجزء المتغير في المعادلة.
التعَذُّر بعدم المقدرة، مقارنة بقوة إسرائيل مدعومة من أمريكا والغرب وجزء من العالم، لا يعني خفض سقف مطالبنا، وقبول ما يُدْعى أنه حل وسط عن طريق إقامة دويلة فلسطينية على حدود 67. تخفيض الحقوق في مفهوم توازن القوى يعني التخلي عنها، هذا ما فهمه على الأقل الإسرائيليون من اتفاقيات أوسلو، وهم مستمرون كما نرى ويرى العالم والأمم المتحدة، بالاستيطان في كل مكان داخل حدود الدولة الموعودة، مع محاولات متكررة للتضييق على الناس وتهجيرهم.
أتفق تماما مع مفهوم عدم تكافؤ القوى المعنية، فالشعب الفلسطيني حتى ولو تَجَمَّع، وتَوحَّدت قياداته، وهذا بعيد المنال، لن يستطيع الوصول إلى تحقيق حقوقه كاملة، وإلا لكنا رأينا ذلك منذ ثلاثة أرباع قرن، عمر النكبة.
ما العمل إذا، هل هو التخلي عن الحقوق، واستبدال الهدف الأساسي بهدف أصغر (اتفاقيات أوسلو نموذجا)، أم العمل على ايجاد الوسائل المناسبة (نيلسون منديلا نموذجا). هدف إحقاق الحقوق الفلسطينية لا يقبل الانتقاص، كونه هدفا اجتماعيا مرتبطا بمفهوم العدالة والتي لا تقبل التجزيء، وليس هدفا ماديا نود الحصول عليه، هذا يعني أما استرداد الحقوق كاملة وإلا فهو هزيمة للعدالة وتصفية للقضية.
الانتصار على قوة المحتل وداعميه لن تتم إلا بِتوحُّد معسكر هؤلاء العاملين في الاتجاه المعاكس، أو المفترض بهم فعل ذلك. فلسطين التاريخية عندما اُنتُزعَت بإرادة بريطانية مع وعد بلفور، كانت جزءا من الأمة العربية الوليدة من أحشاء الامبراطورية العثمانية المنهزمة والمُقطَّعَة كغنيمة للقوى المنتصرة.
لم يكن الهدف من عزل فلسطين إلا السيطرة على مقدرات الأمة الجديدة، عن طريق الإمعان في تقسيمها إرَبًا تدعى دول، رُسِمَت حدودها دون أي اعتبار للحقائق الاجتماعية والثقافية للشعوب المكونة لها.
لم يكن لبريطانيا وفرنسا النجاح في مشروعهم إلا عن طريق فرض أنظمة زبائنية وعائلية، وإقامة دولة دخيلة على المنطقة. يجب على طرف المعادلة الفلسطيني إذن أن يعي ذلك، عليه أن يبحث أولا عن نصفه العربي الضائع أو المغيب حاليا تماما، وكل محاولات إنعاش هذا النصف عن طريق هَبَّات الربيع العربي، وُجِهَت بعنف الأنظمة، مدعومة من إسرائيل واصدقاء إسرائيل كانوا عربا أو غربا، لوعيهم هم بهذه الحقيقة.

المعادلة الاستعمارية

هل سيستمر القبول بتلك المعادلة الاستعمارية والرضوخ لأجندتها. من الواضح أن استمرار الوضع العربي على حالته، هو ليس فقط انتقاصا لحقوق الشعوب العربية في الحرية والديمقراطية وحكم نفسها بنفسها، لكن أيضا انتقاصا لحقها في لعب دورها الطبيعي في معادلة فلسطين/ إسرائيل. وهذا الغياب هو لصالح إسرائيل فقط.
لا مجال لنا كشعب فلسطيني أن نغَيِّر الأمة، لكن علينا على الأقل أن نفهم أن عدم تَغَيُّرِهَا نحو الديمقراطية وإزالة الاستبداد عن شعوبها، يعني بالنسبة لنا أن نبقى تحت الاحتلال إلى ما نهاية، فهي وسيلتنا الوحيدة لرفع مستوى الوسيلة إلى مستوى الهدف، والذي هو بدوره سيصبح وسيلة من وسائل الأمة للوصول لهدفها، مظهرا العلاقة الجدلية بين الطرفين العربي والفلسطيني.
علينا على الأقل أيضا ألا نقف في وجهها كما تفعل قيادات الشعب الفلسطيني حاليا في كل أماكن تواجدها مع حساباتها الآنية الضيقة، والتي تضيع المستقبل لصالح بقاء أحزابها وحكمها. لا يمكن لمن يَدَّعِي قيادة وتمثيل الشعب الفلسطيني، تدمير تلك الأداة الجديدة الناشئة؛ ان يقف في وجه الشعب السوري ويتضامن مع نظامه القاتل، أو مع نظام الملالي وهو يعلق شبابه على المشانق، أو نتضامن مع حروب بوتين ونحن نرى مقدار الدمار والخراب الذي جَرُّه على مدن سوريا وشعبها ومناطق أخرى، وملايين المستوطنين الذين أرسلهم الروس لإسرائيل.
القضية الفلسطينية بحاجة للشعوب وليس للأنظمة فهي الوحيدة التي ستبقى والتي ستحاسبنا فيما بعد.
هؤلاء الذين يدعون لحل الدولة الواحدة الديمقراطية عن حسن نية كهدف، ينسون أن الإشكالية هي ليست في الهدف فكلنا نعرفه منذ أن شُرِّدنا، ولكن هي إيجاد الوسائل، ووسيلتنا الوحيدة هي صحوة الأمة والتي بدأت ولن تتوقف.
تجارب شعوب العالم من آسيا وأوروبا الشرقية وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تثبت أن الشعوب تصحو دائما حتى ولو طال سباتها.

كاتب فلسطيني

طبائع الاستبداد في دول الفساد

 د. نزار بدران

  

لم تخطأ الفيلسوفة الألمانية حَنَّا أرندت عندما عَرَّفَت النظام الشمولي في كتابها “جذور الشمولية” كونه نظاما يحمل في جوهره ديناميكية لتدمير الواقع والتركيبة الاجتماعية وليس نظاما ساكنا ثابتا، هو الحال نفسه مع النظام الاستبدادي، والذي يختلف كونه لا يبحث عن تغيير قيم المجتمع قسرا وإعطاء نفسه بعدا يشمل الإنسانية كالنظام الشمولي كامل الأركان.

شمولية النظام الشيوعي

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في محاولاته اجترار شمولية النظام الشيوعي المنهار والعودة إلى الوراء تحت شعارات شعبوية قومية، أدخل روسيا أتون حرب خاسرة، ووضعها في مهب الريح، ما أدى إلى عزل بلاده عن العالم باستثناء بعض دول مشابهة، فمن كان حلفاؤه على شاكلة النظام الإيراني أو الكوري الشمالي هو حقا معزول.
أول هذه الهَبَّات كانت تلك التي أتت من صنيعة يده، المجموعة الإرهابية فاغنر ورئيسها بريغوجين وجنودها القادمون من السجون، والتي اضطر للإعلان رسميا عن تبعيتها الكاملة لنظامه، بعد أن استعملها لسنوات طويلة لضرب ثورات العالم وسرقة ثرواتها، خصوصا الذهب، من مالي إلى السودان، مرورا في سوريا وليبيا.
طبيعة النظام لم تعد تخفيها ورقة التوت الرقيقة التي كان يحملها. عليه الآن مواجهة واقع جديد، فهو لم يعد قادرا على السيطرة على أقرب المقربين.
وسيستنتج الكثير من الدول التي كانت تثق بالرئيس الروسي مدى فقدانه للمصداقية ومدى هشاشة نظامه، وعلينا أن نراقب في الأسابيع المقبلة التحول الممكن في آراء ومواقف دول مهمة مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، والتي كان يدعي بوتين أنها شركاؤه لخلق عالمه الجديد.
بنى الرئيس الروسي نظامه كباقي الأنظمة المستبدة على مبدأ أنه يحمي الشعب من نفسه، بمعنى أن انهيار النظام سيؤدي حتما إلى حرب أهلية وما إليه، هذه الأسطوانة نسمعها دائما أمام أي احتجاج، ويبرر استعمال كل وسائل العنف، كأن الشعب بطبيعته سيئ، ولا ينتظر إلا لحظة أن يحرق نفسه بنفسه.
الواقع يبين العكس فالذي دمر الشعب الإيراني هو نظامه، كذلك الأمر بالنسبة لفنزويلا مع الرئيس مادورو والذي هَجَّر خمسة ملايين مواطن حفاظا على ثورته البوليفارية، وأفقَرَ بلدا غنيا بثرواته النفطية، يمكن ذكر ذلك أيضا مع كوبا كاسترو أو عراق صدام حسين، والذين ظنوا أن وجودهم هو ضمانة التقدم والازدهار، بينما نتائج سياساتهم الكارثية لا تخفى على أحد.
نظام بوتين يسير في الطريق نفسه متحججا بحماية روسيا وشعبها من الناتو والغرب، بينما تسبب هو بحربه على أوكرانيا بمقتل عشرات آلاف الجنود الروس وجرح مئات الآلاف، دون ذكر استهداف المدنيين دون تمييز كما فعل في سوريا. كذلك هرب حوالي مليون شاب روسي من المتعلمين لدول أجنبية خوفا من التجنيد والبحث عن حياة أفضل، بالإضافة للحصار الاقتصادي الخانق.

الخطر الحقيقي

السير نحو دمار روسيا هو ما سيحصده الشعب الروسي، تماما كما وصفت حَنَّا أرندت هكذا نظام في كتابها عام 1951. الخطر الحقيقي على روسيا كما قاله اليكسي نافالني من داخل سجنه هو بوتين وليس أي شيء آخر.
للأسف لا نرى أي بادرة من طرف الشعب الروسي للتحرك في اتجاه الخلاص. فقد أقنعهم أن وجوده في السلطة هي ضرورة قصوى لحمايتهم من شياطين الغرب وانحلاله الخلقي، تماما كما أقنع زعيم كوريا الشمالية شعبه، والذي يعتقد حقا أنه يعيش داخل حدود الجَنَّة الكورية الشمالية، بينما العالم أجمع يعيش في الجحيم، رغم أنهم يموتون جوعا في جنته النووية.
هل ستتحول روسيا إلى جنَّة كورية أخرى، هذا ممكن جدا، فهذه الأنظمة إن لم تنهار تؤدي دائما إلى الدمار والخراب..
نحن العرب لنا عبرة بما حدث ويحدث في بلادنا، يكفي أن ننظر إلى السودان الآن أو سوريا وليبيا، وكيف قام الرئيس الروسي بجيشه وميليشياته بتدمير وسرقة دولنا، لنتأكد من أن هؤلاء الذين ما زالوا يدعمون بوتين ونظامه، لم ينظروا إلى أنفسهم وأوطانهم أولا.

كاتب فلسطيني

د. نزار بدران