مفهوم المنتصر والمُنهَزم في الحروب الحديثة

مفهوم المنتصر والمُنهَزم في الحروب الحديثة

 د. نزار بدران 

لم تعد القوة العسكرية تُحَدد مفهوم المنتصر والمُنهَزم في الحروب الحديثة، بل العامل الأساسي هو الصمود والإرادة.
نحن في حرب غزة، رغم فارق القوة، وعدم قدرتنا على معرفة ما ستسير إليه الأمور على الأرض، وقد اجتمع الغرب كله خلف إسرائيل، وبقي الفلسطينيون وحدهم، نرى بوضوح أن المنهزمين، ليسوا أبناء غزة وأطفالها ونساءها، وإنما القوة العسكرية الإسرائيلية التي لم تستعد وعيها بعد صدمة السابع من تشرين الأول/ أكتوبر.

خسارة الجيش

هي تعني خسارة الجيش، لخصوصية الردع، التي بنى عليها سمعته. تعبير الجيش الذي لا يُقهر، كان الوصف الطبيعي له، الذي يؤمن به الجميع. تضعضع ثقة المواطن بجيشه، يُعتبر من مفهوم إسرائيلي، كارثة كاملة الأركان.
هؤلاء لا يشعرون بالأمان، بسبب حسن علاقاتهم مع جيرانهم، أو بسبب معاهدات السلام مع الدول العربية، أو ضعف أعدائهم، بل قوة وبأس هذا الجيش.
الهدف الوحيد للحملة العسكرية الحالية، وقتل الفلسطينيين، هو إعادة الهدوء والطمأنينة إلى المواطن المرعوب في تل أبيب والمستوطنات، قبل هدف كي الوعي الفلسطيني، كما يدعون.
بدأ الإسرائيلي يتحسس رأسه وجواز سفره، بحثاً عن مكان أكثر أمناً، بينما ساكن غزة لا يفعل ذلك، فلن يجد مكاناً آمناً له على هذه الأرض.
إسراع الولايات المتحدة لنجدة إسرائيل، ثم بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، ومعظم الدول الأوروبية صغيرها وكبيرها، ما عدا القليل، هو أيضاً هزيمة لهم. فليس هؤلاء من وضع قواعد الصدام الجديد.
عودة القضية الفلسطينية، إلى صُلب الاهتمام العالمي، التراجع عن التطبيع، إظهار ازدواجية المعايير الغربية الواضح، والاصطفاف وراء آلة القتل الإسرائيلية، التي لا تميز الحجر عن البشر، أنهى بالنسبة للأمة العربية، مفهوم الصداقة بين الغرب والشرق، وكل محاولات إقامة الجسور، فنحن لا يفصلنا، إلا هذا البحر المتوسط.

زمن الاستعمار

عدنا من جديد إلى زمن الاستعمار الغربي الفج، والذي يستعمل القتل كوسيلة للسيطرة. انتهى برأيي شهر العسل الذي كان بيننا، ولن يستطيع أي وقف لإطلاق النار، أو طرح هدنات إنسانية، وإدخال المؤن والمساعدات، مسح عار الوقوف وراء المعتدين.
هزم الغرب مستقبله العربي، بل حطمه وهشمه. فلن تجد فرنسا أو بريطانيا وألمانيا، في السنوات المقبلة، من سيقبل منها التوسط لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط، ولن تجد أحداً ليفتح لها الأسواق العربية، أو يقبل الاستثمارات الغربية.
أنظمة التطبيع العربي، هي مهزومة أيضاً. كل مشاريعها التي بنتها لتجاوز القضية الفلسطينية، باءت بالفشل. صمتها عن الظلم والعدوان، وضحالة رؤية المشاركين في مؤتمر الرياض، سيُعطي للربيع العربي، دُفعة جديدة ونفساً آخر.
نحن نسير لا محالة، نحو جمع قوانا الشعبية خلف فلسطين، وخلف مطالبنا بالحرية والديمقراطية. لن تجد هذه الأنظمة، في إسرائيل الحامي القوي، فهي بحاجة للبارجات الأمريكية، لحماية نفسها، من مجموعة من المُجاهدين.
لن تجد دعماً غربياً، فهم لا يتعاملون معها، إلا بلغة التبعية، يُؤمرون ولا يُقررون.
الدول العربية الأخرى، دعاة الثورة، ليسوا أحسن حالاً، رغم شعارات دعم فلسطين ظالمة او مظلومة، فهم منعوا أي تعبير حر للمواطنين، وبعضهم ألغى حتى المقابلات الرياضية، وكأن الهتافات أصبحت خطراً على أنظمتهم.
لم أكن أتوقع من دعاة من يُسمون أنفسهم محور المقاومة، العمل يوماً لفلسطين أو لشعبها، فهم يرتكزون على مفاهيم طائفية، مرتبطة بالمذهب الشيعي، وليس ببُعد عربي حقيقي، فمرجعيتهم الفكرية والقيادية، هي في إيران، وفي شخص المرشد الخامنئي بالتحديد. لكن ملايين العرب وكثير من المثقفين، كانوا يتناسون هذا البُعد، ويؤمنون بشكل أعمى، بما قاله ويقوله، قادة هذا المحور، غير آبهين بما يفعلون، فهم من دمر الثورة والشعب السوري، وأغرقوا ثورة اليمن في الوحل، وعلقوا الآلاف على المشانق في إيران.
من يُمارس هكذا أشياء بحق شعبه، لن يُنتَظر منه دعم شعب آخر. بعد ستة أسابيع، لم يُنفذ قائد حزب الله، ما وعد به منذ سنين، ولا حتى من التدخل في حالة حصول هجوم بري، وعاد الكثير من مؤيديه إلى بيوتهم وهم يتحسرون.
هناك طبعاً ألف سبب وسبب، لعدم التدخل، فلبنان بلد هش، لكن أن يُمضي هذا الحزب أكثر من ثلاثين عاماً، في قمع أية معارضة، وتكديس الصواريخ، من أجل تحرير فلسطين، والصراخ الدائم بالوعد الإلهي، هو من رفع مستوى الأمل عند الناس البسطاء، وأغلق بصيرة مجموعة كبيرة من المثقفين.
حرب غزة أخرجت محور إيران، بكل أطرافه، من المعادلة العربية الإسرائيلية، ولا أظنه سيعود يوماً. الأصعب على هذا المحور، هو خروجه من قلوب المواطنين، على امتداد الساحة العربية، فمن يقرأ تعليقات القراء والمتابعين، على صفحات الجرائد ووسائل التواصل الاجتماعي، يرى ذلك بوضوح، لم يعد أحد ينتظر خطاب وإطلالات سماحة السيد، فلم يعد لها معنى.
تركيا اردوغان، ليست أفضل حالاً، حتى ولو لم تكن قد وعدت بإرسال جيوشها إلى فلسطين، أو صواريخها إلى غزة. إلا أن مستوى الصوت العالي لرئيسها، زاد من تعلق الجمهور العربي والإسلامي بشخصه وبتركيا، كدولة وبضائع. رغم ما رأيناه من المعاملة اللا أخلاقية للاجئين الذين يمرون من تركيا، واستعمالهم كورقه لسياسة اردوغان الأوروبية.

وعي الجمهور العربي

أسقطت غزة، من وعي الجمهور العربي والإسلامي، أوهام الجري وراء الظواهر الصوتية، وأعادها إلى حقيقة أن الأصل، هي هذه الجماهير نفسها، وقد استعادت نوعا من الوعي الجماعي بوحدتها خلف فلسطين، التي عادت من جديد لتتصدر مطالبنا المشتركة. وما عليها إلا أن تعمل بنفسها ولنفسها. شوارع المدن العربية بدأت بالامتلاء بالمتظاهرين، الذين يزيدون يوماً بعد يوم، هو الحل الوحيد لخذلانهم من هؤلاء المهزومين، بكل أنواعهم، أنظمة ومنظمات، ودول عربية أو إسلامية. هم وحيدون الآن في مواجهة الغرب ومؤسساته التي تدعي الانتماء للإنسانية، ولا تفعل شيئاً، بل يقوم قادتها، بدعم عدوهم. أن نرفع صوتنا ونعمل بأيدينا، هذا ما تبقى بعد زوال الوهم.

كاتب فلسطيني

غزة والتضامن العربي

القدس العربي ٤ تشرين ثاني ٢٠٢٣

غزة والتضامن العربي
نزار بدران

حتى لا نخلط بين الأمور، ونميز الصحيح من الخطأ، والمفيد من الضار، والصديق من العدو، علينا أن نفهم على ماذا تُبنى العلاقات الإنسانية. منذ القِدم والإنسان يُحارب أخاه الإنسان، ولكنه يبحث أيضاً في نفس الوقت، للعيش معه بسلام، بهدف الاتقاء من المخاطر المحيطة به. وهو ما دفعه إلى وضع قوانين عدة، تُحِد من حريته المطلقة، لصالح بناء علاقات أكثر سلمية وأقل عداوة.
منذ آلاف السنين، تعُم الحروب الأرض من قاصيها إلى دانيها، لكنها في النهاية، أدت إلى ما يُشبه توازناً، سمح بإيجاد مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة على علاتها. نحن لا نستطيع القول، أن الإنسانية وصلت لمرحلة بناء مجتمع إنساني واحد، ذي قواعد واحدة، بل نحن بعيدون جداً عن ذلك. إنما تبقى هذه الفكرة، التي دافع عنها، الفيلسوف كانط، الأفق الذي تسير عليه البشرية، بوعي أو بغير وعي.
في انتظار تجمع الإنسانية جميعها، شُكِلت الإمبراطوريات، ثم الدول ذات السيادة؛ حيث تعيش مجموعة من الناس في إطار قوانين جامعة لها. ثم انتقلت إلى تقارب مجموعات الدول أو ما أسميه (التقارب الثقافي)، فدول أوروبا تجمعت في الاتحاد الأوروبي. كذلك المجموعة الغربية، التي تضم كل من انتمى للثقافة الغربية (الولايات المتحدة، استراليا…الخ). وهناك محاولات لبناء مجموعات أخرى، مثل المجموعات الاقتصادية، كتجمع دول أمريكا الجنوبية، أو مجموعة البريكس، التي تضم الهند والصين وجنوب أفريقيا وروسيا، وحديثاً دول أخرى.
في هذا الاتجاه العام نحو التقارب والتعاون، تبقى الشعوب والدول العربية، الاستثناء الوحيد عن القاعدة. فبدل التضامن، نجد الخلافات، وبدل السلام، نجد الحرب، وبدل الوحدة، نجد التفرقة، وبدل التكامُل، نجد التنافس على التبعية لمجموعات أخرى. المثال بخلاف الجزائر والمغرب الدائم، أو حرب السودان الداخلية، والوضع المُضعضع لدول الخليج، وعدم فعالية الجامعة العربية، وسيطرة إسرائيل والغرب، على مُقدرات الأمة دون جُهد. تؤكد كلها هذه الحقيقة، وهو أن التضامن والتكامل والوحدة، هي الوسيلة الوحيدة للفاعلية، وهي الوسيلة الوحيدة للتقدم.
يكفي أن نأخذ حرب غزة الحالية، مُقارنة بحرب أوكرانيا، لنرى أن تضامن الدول الغربية القوي، أنقذ أوكرانيا من مخالب الروس، دعمهم لها ليس له حدود. بينما اختفاء أي دعم للشعب الفلسطيني من المجموعة العربية، أدى للمذابح التي نشهدها اليوم، دون أن يتحرك أي جندي عربي، ولا حتى هؤلاء في محور المقاومة الباسل، أو المتحاربين في شمال أفريقيا. على عكس ذلك، فالدول العربية تُطبع مع إسرائيل، وتتجاوز الشعب والقضية الفلسطينية كاملاً، ولم يجدوا حرجاً بالوقوف إلى جانب عدوه. ما يحدث حالياً في حرب غزة، رغم شجاعة الأبطال الفلسطينيين، يبقى حرب غير متكافئة. إسرائيل التي تنتمي إلى المجموعة الغربية، حصلت على دعم هؤلاء بكل سهولة، ودون أي اعتبار أخلاقي. بينما قطاع غزة الصغير، لم يجد أي دولة عربية، أو مسلمة، لتقف حقاً لجانبه.
نحن أمام مذابح حقيقية، لم تكن لتحدث لو انتمت فلسطين حقاً، إلى أُمة متضامنة ومتعاونة. نحن لا نتوقع مثلاً، أن تُهاجَمَ دولة أوروبية مثل البرتغال أو حتى لوكسمبورج على صغرها ويُقتل أهلها.
العودة إلى مفهوم الأمة المتضامنة بالنسبة لنا، أصبح بعد المثل الغزاوي، ضرورة وُجودية. فمن يستطيع أن يقف وحده، في وجه قوى الغرب المجتمعة؟؟؟. من ينتظر ميلاد محاور جديدة، مُقابل الغرب يُخطيء، فتضامن الصين مع روسيا، أو البرازيل مع الهند، وغير ذلك، هو فقط تضامن إعلامي، لا يوجد له أي حقيقة على الأرض، بل العكس، فالتنافس الهندي الصيني، أو الصيني الروسي، هو سيد العلاقات بين هذه الدول. التضامن يعني التضحية عند الضرورة، فهل هذه الدول مُستعدة، لتُضحي من أجل بعضها البعض؟. هذا ما يحدث في أوروبا والغرب، ولا نراه في أي مكان آخر.
التضامن العربي يعني العودة للربيع العربي، والدفع نحو أنظمة سياسية تُمثل الشعوب، وليس فقط سيطرة مجموعة من المُنتفعين، على خيرات الأمة دون وجه حق. التضامن هو أن تُفتح الحدود أمام المتطوعين، لدعم الشعب في غزة، وأن يُقطع النفط عن الغرب، إن لم يُسمح بدخوله إلى مستشفيات غزة، وأن تُقاطع البضائع الغربية كاملة، إن لم يصل الغذاء والدواء إلى أطفال غزة. هي رص الصفوف ووضع إمكانيات 400 مليون مواطن، في وجه دول الغرب المجتمعة، لدعم الظلم والعدوان.
نعيش الآن لحظات فاصلة، غزة صغيرة بمساحتها وعدد سكانها، لكنها قوية بإرادتها، وبسالة مقاتليها وصمود أهلها. لكن النصر حتى يأتي، بحاجة للتضامن العربي معها، وليس فقط للمظاهرات، في عواصم الدول الغربية.