في الترابط بين ظواهر التاريخ واعماقه

في الترابط بين ظواهر التاريخ واعماقه

د. نزار بدران

اب 2016 العربي الجديد

لم يعد التاريخ الحدثي القصير الأمد، واسميه مجازاً السريع، مرجعية لفهم تطور المجتمعات والأمم، التاريخ الحدثي هو ما تعلمناه صغاراً في المدارس، حول الأحداث كبيرها أو صغيرها، التي حدثت هنا أوهناك، وكأنها أسست لما بعدها، أو أنهت ما قبلها.

التاريخ الطويل الأمد، أو ما أسميه مجازاً البطيء، هو الآن ومنذ وصفه منتصف القرن الماضي وسيلة المؤرخين، لفهم تطور المجتمعات، ومحاولة للتنبؤ بمستقبلها، هو التاريخ اليومي، المستمر بين الأحداث.

لتقريب الصورة إلى القاريء، نقول أن المجتمع يتطور ويتغير مثل مجرى نهر عميق، تموجات السطح، هو التاريخ السريع الحدثي المرئي، ولكنه في الحقيقة يعكس التغيرات الجارية بشكل مستمر وغير الملحوظة في أعماق النهر. لذلك يقوم المؤرخون بدراسة هذا التاريخ المستمر، في حين تقلص الاعتماد على التاريخ الحدثي بشكل كبير.

المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل (1902-1985)، مؤسس هذا التصور الجامع للتاريخ، ذكر في إحدى مقابلاته، أن أصعب شيء عليه، حين وضع هذه النظرية الجديدة، في الأربعينيات، وكان حينها سجيناً لمدة خمس سنوات بألمانيا النازية، هو كيفية التركيز على هذا التاريخ البطيء وعدم الغرق بالتاريخ السريع، بينما كان هو نفسه، يعيش قمة هذا التاريخ الأخير، أي الحرب العالمية الثانية، ومآسيها وكوارثها، والذي كان كسجين، أحد ضحاياها.

هذا ما نواجهه حالياً، في عالمنا العربي، عندما نرى مجرى أحداث هذا التاريخ السريع الظاهري، والذي ببشاعته يُبعد عنا، فهم التاريخ الحقيقي للأمة، وهو تطورها الاجتماعي البطيء، منذ عشرات السنين، والذي تُرجم فقط، في موجات الربيع العربي، وردود فعل الأنظمة وداعميها وعنفهم اللامحدود. من الصعب أن نفهم أحداث سوريا أو اليمن ومصر وليبيا وتونس، إن تقوقعنا في إطار الأحداث الدامية الجارية وغارات طائرات أنظمة البراميل المتفجرة، رغم فظاعتها.

تاريخنا البطيء هذا، تمركز بشكل أساسي عند القرن الأخير، على فشل الدولة الوطنية لتحقيق أي شيء يُذكر. نذكر منها بعض الأمثلة:

  • فشل الدولة الوطنية في تحقيق رفاهية وحرية المواطن، بغض النظر عن السلطة, أو الانتقال الى الدولة المدنية الديمقراطية ووضع أسس الحكم الرشيد.
  • فشل الأنظمة العربية بكل أشكالها، الغنية بالبترول أو الفقيرة، ببناء اقتصاد إنتاجي، يهدف لإيجاد فرص عمل للمواطن وتفشي البطالة.
  • الفساد المُستشري بالمجال الاقتصادي ونهب ثروات الأوطان، لصالح أقلية حاكمة.
  • استمرارية الأنظمة بالتضييق على حرية الحركة للناس، داخل إطار الدول العربية بادعاء الأسباب الأمنية، مما يحد من أفق المواطن بوجود ظروف أفضل لحياته، على امتداد الساحة العربية.
  • عدم توفر أي متنفس ديمقراطي، للتعبير عن الظلم الواقع، والاستمرار بتمجيد الفكر الديني أو القومي، كوسيلة لكبح أي معارضة.
  • رهن مستقبل البلاد والعباد لمصلحة الأنظمة الفئوية الضيقة.
  • تدمير البنية التحتية التقليدية، عن طريق استخدام سياسات إعمارية وزراعية فوضوية، بناء على المحسوبيات والمصالح.
  • بناء سياسات خارجية وتحالفات، مبنية على مبدأ مصلحة الأنظمة، وليس بناء على مصلحة الشعوب (استثمارات مالية أو تنازلات عن السيادة في بعض الأحيان, والتطبيع مع إسرائيل والفشل في مواجهتها).
  • عدم التمكن من اقامة أي تجمع جهوي فعال لمصلحة المواطن العربي، كأتحاد المغرب العربي (1989)، والذي لم يتمكن حتى من فتح الحدود بين الدول الخمس الأعضاء, أو مجلس التعاون الخليجي (1981) والذي لم تترجم أفعاله إلا في النواحي الأمنية تقريبا. والفشل الذريع لجامعة الدول العربية (1945) لتحقيق أهدافها المعلنة عند تأسيسها.
  • الاستمرار بالتنابذ والتباعد وتكريس التجزئة (انفصال جنوب السودان).

في ذات الوقت تطور المجتمع خلال الأربعين سنة الأخيرة، نحو انتشار كبير للتعليم، وخلق طبقة وسطى واسعة، غير قادرة على الحصول على وظائف أو فرص عمل، وذلك كنتيجة لما تم ذكره سابقاً, وتطور المجتمع المدني ومطالبه.

من ناحية أخرى، التغيير في دور المرأة والعائلة، وظهور مفهوم المساواة بين الرجل والمرأة في الدراسة والعمل. وتراجع التطور الديمغرافي بشكل كبير، حيث الانخفاض المستمر بالمعدل العام للإنجاب في الدول العربية، منذ أواسط الثمانينات، بحدود طفلين لكل امرأة، وليس خمسة أطفال أو أكثر، كما كان سابقاً. هذا التوجه هو في طريق التأكيد بكافة الدول العربية، فقيرها وغنيها، محافظها ومتحررها من شرقها الى غربها، ومؤكد بالأحصائيات الدولية.

توازى كل ذلك مع موجة تحرر عالمية واسعة، بعد سقوط الأتحاد السوفيتي، وحصول الدول الأوروبية الشرقية الشيوعية السابقة على حريتها, كذلك التطور الديمقراطي الواضح الواسع في أمريكا اللاتينية وافريقيا ودول بجنوب شرق آسيا. لم يبق منطقة في العالم كما الحال في بلادنا العربية، ترتع بهذا المستوى من التخلف ومنع الحريات.

من ناحية أخرى تطور نظام التواصل العالمي، والذي فتح العالم أمام الشباب العربي الذي لم يعد يقبل بأن يستمر في قبول دور المواطن الرعية، المطلوب منه السمع والطاعة للسلطان، كما فعل الآباء من قبل, وهو التواق للحصول على حريته مثل الأخرين.

هذا ليس توصيفا حصريا، وانما بعض النقاط التي يجب على مؤرخينا ودارسي المجتمعات العربية، البحث فيها وتحليلها، لأن الأمة مع انطلاقة الربيع العربي بتاريخه السريع الذي توج كل هذه المتغيرات بتاريخها البطيء, بدأت رغم كل ما نرى؛ تحاول جاهدة الدخول في عالم الحداثة التي ابتعدت عنه منذ حوالي عشرة قرون، عندما غيّب العقل ودخلت الأمة العربية والإسلامية عالم الجهل والتقوقع، وآخر العقلانين كان ابن رشد الذي مات بمراكش منفيا عام 1198.

للأسف لا نكاد نجد في ما ينشر حاليا أي شيىء يذكر بدراسة التاريخ طويل الأمد البطيء للأمة، والذي هو التاريخ الحقيقي الفعال. هذه الدراسات النقدية التي يجب ان تركز على تاريخ الأزمات والترهل المستمر وأسبابه وحلوله, خصوصا تلك التناقضات الداخلية المرتبطة بتركيبتنا وبتاريخنا، وليس فقط العوامل الخارجية والاستعمار، والذي نعلق عليه دائما كل مآسينا, التاريخ طويل الأمد يعتبر كما يقول بروديل أم العلوم، فهو يحتاج من أجل فهمه معرفة كل نواحي الحياة من العلوم والجغرافيا الى علم الاجتماع والاقتصاد وليس فقط الأحداث.

يجب أن يدرس هذا التاريخ على الأقل، منذ نشأة الدولة الوطنية العربية، بعد إنهاء الخلافة العثمانية (1918) والتي برأيي تصل الى نهايته مسارها. نجاحاتها الوهمية بالتحرر الوطني من الاستعمار خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، لم يعد كافيا لتبرير استمرارها أو التغطية على فشلها الذريع في كل النواحي. وعنفها المفرط الممارس حاليا بتاريخنا السريع هو دليل هذا الفشل واقتراب النهاية المنتظرة، والتي لا مفر منها حسب رؤية وحتمية التاريخ ألبطيء، وهذا ما حدث ويحدث مع كل الأنظمة والدول الفاشلة عبر العالم، منذ مئات السنين، مهما كانت قوية وجبارة, وكان مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون أول من استنتج ذلك في دراسته لتاريخ الأمم.

أشهر المؤلفات التي تركها ابن خلدون كتاب (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر) ومقدمته الشهيرة، حيث يعتبر هذا الكتاب من أكبر مساهمات ابن خلدون في علم الاجتماع، حيث كان تقديمه أول تقديم لا ديني للتاريخ.

إن عدم فهم الترابط العضوي بين التاريخ البطئ والسريع، واختصار الربيع العربي فقط بظواهره، وخصوصاً العنيفة المرتبطة برد الأنظمة، هو كمن يريد أن يدرس البحر فقط من خلال أمواجه المرئية المتلاطمة على الشواطيء، بدون الالتفات إلى التيارات العميقة الجبارة داخله، وهو ما يؤدي برأيي إلى انتشار نظرية المؤامرة الغربية بإنفجار هذا الربيع، في محاولة لفهم ما يحدث, عندما لا نستطيع أن نرى التطور البطيء للتاريخ الحقيقي، والذي لشدة بطئه وتطوره على مدى عشرات السنين، لا يمكن ملاحظته. لذلك وجب على المؤرخين وألاكاديميين، البدء بالتنقيب عن هذا التاريخ، وعدم الوقوف عند التاريخ الحدثي السريع.

إن انتهاء البحوث العلمية عن الشرق بالجامعات الغربية، والتي كانت ساحة تفاعل مع المفكرين المسلمين، خلال القرن التاسع عشر، كما حدث بين جمال الدين الأفغاني (1838-1897) والمفكر الفرنسي الشهير إيرنست رينان، حول مفهوم الحضارة الإسلامية، أو عن العلمانية مع الشيخ محمد عبده (1849-1905). هذا التوقف تم بسبب الخلط عند العرب في مرحلة لاحقة بين الاستشراق والاستعمار.

لقد كان من المنتظر أن يُتيح توقف الدراسات الشرقية في الغرب، إلى تطور هذا العلم في بلاد المصدر، أي الأقطار العربية، ولكن ذلك لم يحدث، واستُبدل بالبحوث الدينية أو ذات الطابع الغيبي، التي لا تستعمل وسائل البحث العلمي الحديث، إلا ما ندر.

الدراسات الشرقية حالياً في جامعة السوربون بباريس، هي مكون بسيط وثانوي، من دراسة تاريخ ولغات الشرق، ولم تعد مكونا أساسيا، وليس لها أي بُعد استكشافي، أو تفاعلي كما كان سابقاً، وذلك رغم محاولات بعض الإصلاحيين المسلمين، المقيمين بأوروبا تغيير ذلك، مثل الاستاذ الجامعي في السوربون هشام جعيط، صاحب المؤلفات العديدة، ومنها (أزمة الثقافة الإسلامية) والمفكر الإسلامي القدير محمد أركون، من أشهر مؤلفاته كتاب (نقد العقل الإسلامي)، والأستاذ عياض بن عاشور ومن مؤلفاته (الإسلام وفكر حقوق الإنسان).

من هنا تشكل ضرورة البحث العلمي في معطيات تاريخ الأمة طويل الأمد، أبرز المهام الراهنة، ومن دونه لن يكون ممكنا فهم الحاضر، أو إيجاد التصورات الواقعية للمستقبل، وذلك ما قد يعيد الحلقة المفقودة، بين الزحف العارم للجماهير نحو حياة جديدة حرة وكريمة، والفكر الضروري لقيادة هذا الحراك والدفع لإنجاحه بأقل الخسائر الممكنة.

بين حرية الصحافة وصحافة الحرية

 

بين حرية الصحافة وصحافة الحرية

د. نزار بدران*

أن تكون صحفيا أو أن تكون كاتبا، هذا يحملك تجاه الآخرين بعض المسؤولية, فمهنة الصحافة تهدف اولا لإعلام الناس بالحدث والتعليق عليه بموضوعية، وذلك تحت شعار “الخبر مقدس والتعليق حر” .

لكن ما نلاحظه اليوم بالصحافة، التي تعتبر نفسها بعيدة عن تأثير السلطة ولو جغرافيا؛ أن نقل الخبر يصطدم بانتقائية، حتى لا نزعج او نقلق بعض الحكام أو السياسات، بينما الواجب هو إخبار القارئ أاولا وأخيرا. القارئ له الحق الأكيد بمعرفة الحدث، ومعرفة ما يفعله هؤلاء الحكام, والصحافة بدورها هي الوسيط بين الحدث أو صاحب الحدث والمواطن القارئ.

نقد السلطة وليس مدحها، هو دور الصحافة الحرة الأول، مهما كانت السلطة، فالحكم له وسائله الخاصة الضخمة لعمله الدعائي.

أقول ذلك لأن الموقف التركي الأخير والاتفاق مع إسرائيل، والذي أدى الى استقالة رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو احتجاجا, لم يجد عند معظم الكتاب والصحفيين الذين قرأتهم بالصحافة المحلية أو المهاجرة إلا تصفيقا وتطبيلا, وكأننا حررنا القدس أو وضعنا أنفسنا على هذا النهج. نفس هؤلاء كانوا قد ملأوا الدنيا صراخا بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي، وكانوا طبعا على حق.

هؤلاء المطبلون لاتجاه سياسي معين، نراهم دائما يدافعون عن السلطة التي تمثل هذا الأتجاه مهما انحرفت وعملت, ونحن لا ننسى المثقفين والكتاب المشاهير الذين كنا نراهم على قناة الجزيرة وغيرها، وهم يدفعون باتجاه إنجاح الثورة المصرية الديمقراطية ضد مبارك، وطبعا كانوا على حق، ولكنهم انقلبوا عليها تماما عندما وصل للسلطة اتجاه سياسي ظنوا أنه أقرب إليهم فكريا، ما قد يتيح لهم سرعة إشراكهم بالسلطة وحيازتهم امتيازات المناصب العليا, والأسماء اللامعة كثيرة في هذا المجال, متناسين كل ما اعلنوه من حب وغرام بالديمقراطية واحترام نتائج الانتخابات.

الآخرون الداعمون للتوجه الإسلاموي، كانوا على صواب عندما اعتبروا التغيير السياسي بمصر انقلابا وضربة للثورة والديمقراطية, ولكنهم لم يقولوا شيئا عندما بدأ حليفهم التركي بالابتعاد عن الديمقراطية وزج معارضيه بالسجون وملاحقة رفاقَهم الصحفيين وإعلان الحرب على الأكراد. واليوم يا للهول لا يجدوا شيئا يقولونه عندما انقلبت السياسة التركية رأسا على عقب, حتى الطرف المتضرر الأول والذي يدير غزة حاليا بارك هذا الاتجاه، مكتفيا بطبق من المساعدات الإنسانية التركية، والتي لن تمر إلا برضى اسرائيل.

ولو عدنا الى الخلف قليلا، عندما انعقد مؤتمر باريس الدولي للمناخ في نهاية عام 2015, مر هذا الحدث الهام تقريبا بدون تعليق، وكأنه لا يهمنا أبدا، مع أننا من أكثر المتضررين من التغيير المناخي, وذلك فقط لمراعاة المواقف السعودية والخليجية المناهضة للحد من استعمال البترول. هذا الحدث كان يجب أن يبلغ لملايين الناس، لأن الخبراء بما فيهم العرب، ينبؤوننا بأن الأجواء المناخية بمنطقة الخليج، ستصبح كارثية، في أواسط القرن الواحد والعشرين, لا سيما في تلك البلدان التي رفضت تقديم أي مقترحات والتزامات كباقي دول العالم (باستثناء الأمارات العربية المتحدة) وحاولت إعاقته.

جيوب حكام النفط أهم من مستقبل المواطن العربي الخليجي ومستقبل ابنائه. أدعو القارئ الخليجي والعربي للبحث بنفسه عن ما سيحل به في مستقبل الأيام، ليتأكد من هذه المعلومات. وفي نهاية المطاف سيعلم المواطن والقارئ بالحقائق، ففي هذا الزمن لا يستطيع أحد منع الناس من الإطلاع والمعرفة، ونحن في عالم مفتوح على الجميع وبكل الوسائل.

نأمل من صحفيينا بكل وسائل الإعلام المقروءة أو المسموعة أو المرئية، أن ينظروا ولو قليلا خارج الأطر والمربعات الأيديولوجية والأمنية التي تضعهم بها الأنظمة، فواجبهم الصحفي هو الإعلام الأمين, فهم كالطبيب أمام مريضه لا يحق له أن يخفي تشخيصه وحقيقة وضعه، وما حصل عليه من معلومات، وإلا أرسل به الى التهلكة.

إسرائيل تنجح في استعادة تحالفات الماضي

تموز 2016

 

إسرائيل تنجح في استعادة تحالفات الماضي

د. نزار بدران

فجّر انطلاق الثورات العربية السلمية، أو ما أطلق عليه “الربيع العربي”، من تونس قبل أكثر من خمس سنوات، تداعيات خطيرة وعديدة، بكافة الأقطار العربية بدون استثناء. عنف الرد على هذا الحراك السلمي، كما حدث بمصر أو ما نرى بسوريا واليمن، من تقتيل وتهجير وتدمير، بفعل الأنظمة، يدل على عمق هذا الحراك الديمقراطي السلمي، فالربيع العربي لم يرفع أبداً، شعارات التطرف الديني أو العنف السياسي، بل هي الأنظمة على اختلاف تحالفاتها، من دفع وأوجد كل هذا الإرهاب والعنف، من أجل منع أو تأخير؛ قدر الإمكان، انتصار ثورات الشعوب العربية المُنتظر.

رغم عنف وبشاعة المشهد العام، فإن عمق الأمة وحراكها التاريخي نحو الانعتاق، يبقى هو الأقوى، لأنه لا يعبر عن حدث أو رد فعل، وإنما عن تغيير تدريجي منذ عشرات السنين، على المستوى الاجتماعي والديموغرافي، مع تغيير عميق في تركيبة المجتمع العربي، خصوصاً فئة الشباب التي تريد الانضمام لموجة التحرر العام بالعالم، وما انطلاقة الربيع العربي، في لحظة معينة، إلا ترجمة ظاهرية لهذا التغيير الاجتماعي غير القابل للعودة إلى الوراء.

في هذا ألإطار نرى عودة التحالفات من كل حدب وصوب، للقضاء والالتفاف على هذا الحراك. حيث الحفاظ على إسرائيل وأمنها، هو السبب والمحرك الأساس للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، في حين أن بقاء أنظمة الاستبداد والتجزئة هو الكفيل ببقاء إسرائيل، أما انعتاق الشعوب وذهابها نحو الحرية والديمقراطية، فهو يشكل الخطر الوجودي على هذه الدولة، رغم قوتها، كما حدث لجنوب أفريقيا، بإنهاء نظام الفصل العنصري.

الناظر إلى التاريخ الحديث، يرى أن التحالفات الإقليمية وُجدت دائماً، لحصار الأمة العربية، المتطلعة إلى التقدم والانعتاق، كما حدث من التحالف الغربي العثماني ضد محمد علي باشا بمصر، في القرن التاسع عشر (1805-1848)، وكذلك التحالف الثلاثي ضد مصر بالخمسينات، بين فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، وكذلك وهو ما يهمنا في هذه الأيام (التحالف الإيراني التركي الإسرائيلي) بالخمسينات والستينات ضد الرئيس جمال عبد الناصر وفكره الوحدوي.

الشرق الأوسط الجديد الذي يُطل برأسه علينا، هو برأيي إعادة إحياء هذا التحالف الثلاثي من جديد، بمباركة القوى ألعظمى لحصار أي مستقبل ديمقراطي للأمة العربية كما حدث دائماً.

هذا التحالف استوجب تغيير السياسات والأوضاع داخل إيران ومن ثم تركيا، فإيران قبلت بالتنازل عن أي مشروع قد يهدد أمن إسرائيل، وشرط إخراجها من الحصار الاقتصادي نهائياً، سيكون عودة الود الإسرائيلي، وسنرى ذلك في قادم الأيام. أما تركيا فهي تتجه للأسف في طريق مشابه، وسياسة أردوغان تتجه للتراجع عن المكاسب الديمقراطية لشعبه، وقمع الصحافة الحرة والمعارضة، والتراجع عن الانفتاح على المكون الكردي، ما يؤهل هذا النظام، للارتماء بالحضن الأمريكي الإسرائيلي كما نرى الآن. أما عودة التقارب والتحالف مع إسرائيل، فهو نتاج هذا الاتجاه الانفرادي بالسلطة، وغياب الرقابة الشعبية، ويُفسر استقالة رئيس الوزراء السابق، داوود أوغلو، الذي لم يرد على ما يظهر، أن يذهب في هذا الاتجاه.

الذين لا يريدون أن يعترفوا بعمق رغبة الأمة بالحرية وسيرورتها التاريخية نحوها، عليهم أن يروا كثافة القمع لهذه الشعوب، وتكالب الأعداء عليها من كل حدب وصوب، وعودة التحالفات العالمية والجهوية، وكأننا عدنا إلى زمن عبد الناصر أو محمد علي باشا. كل هذا هو دليل، على أن الربيع على هشاشة وروده وأزهاره،  أخاف هذه الفيلة الجبارة.

أملنا أن يعود الشعب التركي للمطالبة باستعادة الديمقراطية الكاملة، وأن يعود الشعب الإيراني للمطالبة بحقه بالانفتاح الديمقراطي، لأن هذه الشعوب هي بكل تأكيد، داعمة للشعب الفلسطيني والشعوب العربية، برغباتها وطموحاتها في الحرية والديمقراطية، وهي فقط التي ستتمكن من إفشال هذه التحالفات غير الطبيعية، وهي أملنا بنجاح التغيير القادم، في منطقتنا وفي العديد من الدول الإسلامية.

شروط أردوغان الثلاثة، لعودة العلاقة مع إسرائيل، لم يتحقق منها إلا شطرها المالي، أما رفع الحصار، فاستُبدل ببعض المساعدات الإنسانية. الاتفاق الإسرائيلي التركي، مع بقاء الحصار هو في الحقيقة انتصار للسياسة الإسرائيلية المبنية على حصار غزة ، لأنه يُشرعنها بشكل مباشر. وكان من الأفضل لنا ألا تضع تركيا أصلاً هذا الشرط، لأن التنازل عنه لا يعني العودة إلى الوضع السابق، وإنما القبول بالحصار كحقيقة مقبولة دولياً، ومن أقرب المقربين لحماس. فإسرائيل تُعلن على الملأ، أن الحصار البري والبحري سيستمر كما كان، وستراقب وتدقق كافة المساعدات التي ستقدمها الحكومة التركية.

العملية الإرهابية الأخيرة في مطار أتاتورك باسطنبول، ببشاعتها وعنفها، أدت إلى حجب الرؤية عن المواقف التركية الجديدة حيال الوضع الفلسطيني، والموافقة على الشروط الإسرائيلية، لعودة التنسيق الأمني والمخابراتي معها، وقد يكون الاعتذار لبوتين، عن إسقاط الطائرة الروسية، أحد هذه الشروط، بعدما رأينا خروج التحالف الإسرائيلي الروسي للعلن.

أما الداعمين للسياسة التركية من الكتاب والمثقفين والصحفيين، فهم كغيرهم، يهللون دوماً لنظام يدعمونه، مهما تقلب وتغير ومهما تغيرت وتطورت الأحداث, لا مكان عندهم للفكر والمراقبة المستقلة، فالعمى الإيديولوجي هو القاسم المشترك والأكبر في ما بينهم.

?الاستفتاء البريطاني تفكك الاتحاد الأوروبي أم المملكة المتحدة

 

الاستفتاء البريطاني

تفكك الاتحاد الأوروبي أم المملكة المتحدة؟

حزيران 2016

نزار بدران

سيقوم الشعب البريطاني الخميس في الثالث والعشرين من يونيو/حزيران الجاري، بالاستفتاء على بقائه أو خروجه من الاتحاد ألأوروبي، في أجواء يسودها الانقسام الحاد داخل ألمجتمع, خصوصاً بعد مقتل النائبة ألبريطانية جو كوكس، المؤيدة للبقاء والداعمة للقضية ألفلسطينية، .استفتاء اقترحه رئيس ألوزراء دافيد كاميرون في عام 2015، في خضم صراعه الداخلي مع الجناح الأكثر يمينية داخل حزبه ألحاكم (حزب المحافظين)، وذلك في حملته لإعادة انتخابه لذلك العام.

التجاوب الذي أبداه كاميرون لبقائه زعيما للحزب، ورئيسا الحكومة، مع الطرف الأكثر رغبة بالخروج من الاتحاد لأوروبي، لم يؤدي إلا إلى ازدياد ضغط هذا الطرف، والدفع لتحويل وعد كاميرون من مجرد وعد في حملة انتخابية، إلى حقيقة واقعة. سبع من وزرائه الثلاث والعشرون صوتوا لصالح الخروج، بزعامة عمدة لندن السابق بوريس جونسون، كذلك حوالي نصف نواب الحزب (130 من أصل 299 نائبا). هذه المواقف المعارضة لموقف رئيس الوزراء، الداعم لبقاء بريطانيا داخل الاتحاد أظهرت عمق الانقسام داخل الحزب الحاكم وهشاشته.

حزب العمال المعارض، بقيادة الاشتراكي جيرمي كوربين، أيد البقاء بغالبية ساحقة (217 من أصل 227 نائبا)، ولكنه لم يقم بحملة انتخابية لصالح البقاء، وترك الأمر لتوني بلير وغوردن براون، رؤساء الوزراء السابقين.

أراد كوربين أن يترك كاميرون يغرق لوحده، في وحل هذا الاستفتاء، وخصوصاً أن قاعدته الانتخابية، ليست على نفس المستوى من تأييد البقاء؛ كنواب الحزب، فهو اضطر كإشتراكي الاختيار بين أقل الضررين، البقاء داخل الاتحاد الأوروبي الليبرالي، أو الانكفاء على الجزر البريطانية، الأكثر ليبرالية.

الانقسام داخل بريطانيا، ظاهر على كل المستويات، وليس بين الأحزاب فقط، بل داخلها أيضاً، فهناك انقسام بين النخبة وعامة الشعب، فالنخبة التي بأغلبيتها الساحقة قادمة من جامعة أوكسفورد وكامبردج، لا تزيد عن 1%، ولكنها تستولي على مقاليد السلطة السياسية والاقتصادية.

وهناك الانقسام بين طبقات الشعب، فالطبقة العمالية منقسمة على نفسها بالتساوي، ولا تتفق مع النخبة الاقتصادية ورجال أعمال السيتي بلندن، من خلال أطروحاتهم الداعية للبقاء، ملوحين بخطر التراجع الاقتصادي الحاد في حالة الخروج.

هناك انقسام واضح أيضاً بين سكان لندن وسكان الأرياف خصوصاً بالشمال، فسكان لندن المتعددو الأصول، والمتواجدون في أكثر المدن تنوعاً وقوة مالية، يؤيدون البقاء، بنسبة تزيد عن 80%.

نرى هذا الانقسام أيضاً بين الطبقة السياسية وقطاعات عديدة من الشعب، فبعد الاستفتاء الاسكوتلندي عام 2014 على الاستقلال، فقد حزب العمال المعارض، تقريباً كل مقاعده في البرلمان المحلي (40 من أصل 41 نائباً)، في انتخابات مايو/أيار عام 2015، وهذا أحد الأسباب التي تدفع حزب العمال، لعدم دعم كاميرون، كما فعل لصالح بقاء اسكوتلندا داخل الاتحاد البريطاني.

الانقسام مُلاحظ أيضاً بين الأجيال، فمن هم دون سن الأربعين، يؤيدون البقاء بالاتحاد الأوروبي، وخصوصاً فئة الشباب ما بين 18 و25 سنة.

الأخطار المُحدقة بالمملكة المتحدة، ليست فقط على المستوى الاقتصادي، والذي هو موقع نقاش، ولكن من حيث وحدة بريطانيا نفسها، والمكونة من أربع شعوب. فالبرلمان الاسكوتلندي سيعود بشكل مؤكد لطرح مسألة الاستقلال عن بريطانيا، بعد فشل استفتاء 2014. وخروج بريطانيا سيكون بالنسبة لداعمي الاستقلال الاسكوتلندي، الفرصة الذهبية التي لا تُضيع، فهم يعلنون على الملأ، رغبتهم في البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، ولكن خروج بريطانيا نفسها، سيعكس تماماً هذه المُعضلة، وقد يضع حداً للاتحاد مع بريطانيا الذي أُسس عام 1707.

الخطر الثاني هو عودة الحدود، بين إيرلندا الشمالية، والتي هي جزء من بريطانيا، والجنوبية والتي هي دولة مستقلة، عضو بالاتحاد الأوروبي، 40% من اقتصاد إيرلندا الشمالية الفقيرة نسبياً، يتم مع إيرلندا الجنوبية، وعودة الحائط الجمركي، سيعيق حركة المواصلات والأشخاص والتبادل التجاري بشكل كبير.

الهجرة هي أيضاً من الأسباب الدافعة، لتأييد الخروج من الاتحاد، فبولندا بعد انضمامها قبل سنوات قليلة، صدرت أكثر من مليون عامل إلى بريطانيا، مستغلة حرية الحركة داخل الاتحاد. على أن وصول ملايين المهاجرين من دول الشرق الأوسط وأفريقيا لأوروبا، زاد داخل الرأي ألعام من منسوب الشعور بخطر تضرر التركيبة الاجتماعية والاقتصادية لبريطانيا.

التلويح بدخول تركيا الاتحاد الأوروبي، خصوصاً بعد الاتفاق الأخير في آذار/مارس الماضي في شأن الحد من وصول اللاجئين، والذي ألغى تأشيرات الدخول للأتراك لأوروبا، بالإضافة لتسريع محادثات الانضمام، كان القشة التي قصمت ظهر البعير.

هل هناك خطر لانسحاب دول، قريبة فكرياً واجتماعياً من بريطانيا، مثل السويد من الاتحاد الأوروبي؟، هذا ممكن وعلينا انتظار ما سيأتي به المستقبل، علماً بأن المصلحة السويدية بالخروج ليست بنفس المستوى البريطاني، ولا الرأي العام بنفس الحدة.

الدول الأخرى القادمة من شرق أوروبا، مثل بولونيا وهنغاريا، رغم التصريحات النارية لقياداتها ضد الاتحاد، تستلم حالياً المليارات من اليوروات، القادمة من ذلك الاتحاد، وهو ما يمنعها من أي تفكير بالخروج، وخصوصاً وأن دولة كبولونيا، صدرت لأوروبا 2.5 مليون عامل خلال سنوات قليلة، من أصل 38 مليون ساكن (امتصاص البطالة)، وتستلم مبلغ 82.5 مليار يورو ما بين 2014-2020، حتى تصل إلى مستوى الدول الغربية، كما كان ذلك الحال سابقاً مع إسبانيا والبرتغال خلال القرن الماضي.

على السياسيين والنخبة الأوروبيين مسؤولية كبيرة بدفع الرأي العام نحو الانفصال، فهم كانوا يحملون دوما كل مآسيهم وفشلهم بدولهم، على بروكسل والمفوضية الأوروبية، متناسين أنهم بعد ذلك لن يستطيعوا الدفاع عن الاتحاد لصالح تطويره، وهو الفخ الذي وقع به السيد دافيد كاميرون.

هل ستتضرر الوحدة الأوروبية في حال انسحاب بريطانيا، هذا ليس مؤكداً، لأنه كما نسمع ونقرأ بالاعلام الأوروبي، كثير من الساسة يرون بريطانيا، كدولة مُعيقة لتطور الاتحاد، نحو مزيد من التكامل، والتخلص منها كما يقولون، سيدفع من جديد بالمحرك الألماني الفرنسي، لتكوين نواة صلبة، وإعطاء دفعة وحدوية جديدة على أسس أكثر فدرالية مما هو الحال حالياً.

الإعلام البريطاني، وخصوصاً الصحافة المكتوبة، لعبت وتلعب دوراً كبيراً جداً، بالتحريض على الخروج، والذهاب إلى عرض المحيط الأطلسي باتجاه الولايات المتحدة، ولكن تصريحات ومواقف أوباما مؤخراً، ذهبت في الاتجاه المعاكس لذلك، فهذا الخروج غير مرحب به من الطرف الأمريكي، كما ظن البريطانيون.

بريطانيا التي كانت في يوم من الأيام الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، قبلت أن تصبح دولة أوروبية عادية، ولكنها كما يظهر لم تقبل بعد، أن لا تكون الدولة العظمى داخل الاتحاد الأوروبي، هذه المرتبة التي تحتلها اليوم ألمانيا وبشكل أقل فرنسا.

يبقى أن نؤكد أن المُنتصر الأخير في هذا الاستفتاء، هو مفهوم الديمقراطية، والتي تُعطي الشعب ليس فقط حق الدخول بالاتحاد، ولكن أيضاً حق الخروج، رغم تخويف النخبة السياسية والاقتصادية، فالشعب يبقى سيد نفسه، ولا يقبل وصاية أحد.

 

نهر اللاجئين وبحر الرعب

نهر اللاجئين وبحر الرعب

حزيران 2016 القدس العربي

نزار بدران

أعلنت الأمم المتحدة في 7 حزيران، أن عدد اللاجئين اللذين ماتوا غرقاً بالمتوسط، بلغ منذ عام 2014، أكثر من عشرة آلاف.

عاد البحر المتوسط من جديد، منذ الاتفاق التركي الأوروبي، إلى ابتلاع هؤلاء الآلاف، من المهجرين والمعذبين بالأرض، انسداد طريق البلقان، أدى بشكل تلقائي وكما كان متوقعاً إلى عودة الموت من جديد، بعد فترة استراحة لم تدم فترة طويلة. لا شيء يوقف زحف هذا النهر الجاري، فهو كسيل الماء العارم بعد عاصفة مطرية أو طوفان، لا يوقفه شيء.

الممر الآمن عن طريق البلقان واليونان مروراُ بتركيا، أُغلق من قبل السلطات التركية المسلمة، لحفنة من الدولارات، ووعود جديدة لعودة حُلم الانضمام لأوروبا.

منع اللاجئين من المرور عبر تركيا، لحماية الدول الأوروبية، رفقاؤها بالحلف الأطلسي، من هجرة غير شرعية وغير منظمة، كان يمكن أن يكون مقبولاً، لو طُرحت حلول لتجفيف منبع هذا النهر، عن طريق فرض حل بسوريا، أو دعم التحرك نحو الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، في الدول الإفريقية والعربية المُصدرة للاجئين.

اللاجئ الذي يغامر بحياته وأهله وماله، لا يفعل ذلك حباً بالموت غرقاً، وإنما هرباً من موت مؤكد لموت محتمل، فقط تخفيض نسبة الموت بحياته هو الذي يدفعه الى ذلك، وإلا لكان هؤلاء مجانين، فمن يقبل أن يموت مع أطفاله غرقاً فقط للذهاب لحياة أفضل، حتى ولو كانت الجنة، لا أحد طبعاً.

ينتقد كثير من الكتاب والمراقبين، الاتحاد الأوروبي لمواقفه من اللاجئين، وإغلاق دول أوروبا الشرقية، ذات النزعة العنصرية، ممر البلقان، مع أن ألمانيا استقبلت حوالي المليون ودول أخرى مئات الآلاف.

السؤال الذي يجب أن يوجهه هؤلاء، هو بالأصح لتركيا أردوغان، وللدول العربية التي لا تتعامل مع اللاجئ السوري أو الفلسطيني أو العراقي أو من أي جنسية أخرى، إلا من منظور استعماله كأداة للضغط على الدول الغربية، في حالات للحصول على الدعم المالي، وفي حالة أخرى كتركيا، للحصول على تسهيلات دخول الاتحاد الأوروبي لمواطنيها، اللذين يعيشون في بلادهم ببحبوحة اقتصادية، كما قيل لنا، وللحصول أيضاً على بعض المليارات الإضافية، وبيع حُلم الانضمام لأوروبا من جديد، مُبتعدة بذلك عن العالم الإسلامي.

هكذا سياسات لا تأخذ قطعاً بالحسبان، مصلحة اللاجئ نفسه، الذي يتحول إلى بضاعة تُباع وتُشترى.

إرهاب البحر المتوسط ونهر الدموع والدماء، المُتدفق إله يومياً، هو أولاً مسؤولية دول المنبع لهذا النهر، ولكن أيضاً مسؤولية الدول الأخرى التي بدل أن تدعم أمل التغيير الديمقراطي، تُقوي أنظمة الاستبداد، كما في الموقف الإيراني الروسي، أو تمنع عمل أي شيء لوقف القتل الدائر في بلاد الشرق الأوسط، ليلاً نهاراً، كمعظم الدول الغربية وذلك تحت ضغط أطراف من لوبييات دول العرب وسلطاتهم المُستبدة، أو تجاوباً مع مصالح إسرائيل، كل ذلك لمنع زحف الربيع العربي.

نهر اللجوء سيستمر، ما دام الاستبداد هو نظام معظم دول الشرق الأوسط، وكما هُجر أبناء بلغاريا وبولونيا وهنجاريا، خلال الحرب العالمية الثانية، هرباً من النازية ثم هرباً من الشيوعية، فإن مهاجري هذا الزمن سيعودون إلى أوطانهم بعد هزيمة الاستبداد، كما هُزمت النازية والفاشية وهُزمت الشيوعية من بعدها.

والتاريخ يذكرنا بالحرب الأهلية الإسبانية بالثلاثينات، حيث هاجر مئات الآلاف إلى فرنسا، ولكن إسبانيا انتهت بهزيمة فرانكو، وإقامة نظام ديمقراطي، ولو بعد أربعين عاماً على نهاية الحرب الأهلية بالانتصار الوهمي للنظام الفاشي.

كل هذه الشعوب، هزمت أنظمتها الشمولية بنفسها، وعلينا نحن كعرب أن ننظر أولاً إلى أنفسنا، وأن نبني في أوطاننا أسس الديمقراطية والدولة الحديثة، ولا ننتظر دعم الغرب أو الشرق، علينا أن نُحمل أنفسنا المسؤولية فيما يحدث، فالآخرون لا يستطيعون فعل شيء فينا لو لم يجدوا بيننا من يعمل ضد شعبه وأمته.

وحدة قوى حداثة الأمة في كل أقطارها، هو إذن أمل المستقبل، لإنهاء الاستبداد وإخماد نهر الهجرة، وإعادة اللون الأزرق لمياه البحر المتوسط الهادئة.

 

 

المؤتمر الثالث عشر لفلسطينيي أوروبا وحلم التطلع للعودة

 

 2015

المؤتمر الثالث عشر لفلسطينيي أوروبا

 وحلم التطلع للعودة

نزار بدران

انعقد في برلين يوم السبت الموافق 25 نيسان (إبريل) الماضي، المؤتمر الثالث عشر لفلسطينيي أوروبا. ثلاثة عشر عاماً من الإصرار على تأكيد الحقوق الفلسطينية لهم ولأولادهم، وحقهم في العودة إلى بلادهم، والذي كان هو شعار المؤتمر لهذا العام.

حوالي الخمسة عشر ألف أوروبي فلسطيني، تواردوا إلى برلين، واحتفلوا معاً بكل أطيافهم الفكرية والسياسية، وبكل مستوياتهم الاجتماعية ومن كل الأقطار الأوروبية.

ماذا يدفع هذه الجالية المهمة بعددها(300000) وبمستواها الثقافي والاجتماعي العالي للتأكيد على حق العودة إلى ديارهم. وهم الذين يحصلون على نفس حقوق الأوروبيين، ويتمتعون في كثير من الأحيان بجنسيات أوروبية.

الانتماء لفلسطين هو في الحقيقة انتماء لأرض، وُلدنا فيها أو وُلد آباؤنا وأجدادنا بها، شربنا حبها مع لبن الأمهات، وحكايات الآباء الذين عايشوا النكبة، أو ما تلاها من كوارث.

الانتماء لفلسطين والعودة إليها متى شئنا، هو حق أساسي لكل إنسان فلسطيني، أينما كان مكان ولادته أو نشأته، حق العودة للاجىء الفلسطيني إلى وطنه، ليس حقاً مقيداً بالقانون الإنساني.

اندماج الفلسطينيين في أوروبا، لا يعني الابتعاد عن فلسطين، وإنما حصولهم على وسائل قوة جديدة لهم وللشعب الفلسطيني عامة، فالمواطن الفلسطيني الأوروبي يستطيع أن يوصل صوته إلى أعلى المستويات في دولته، ويُعيد إلى دائرة الضوء حقه وحق جاليته، وحق كل المُهجرين بالعودة إلى ديارهم، وهذا ما بدأه تجمع فلسطينيي أوروبا منذ المؤتمر الأول.

أسماء أوروبية كبيرة من سياسيين وكُتاب وصحفيين شاركتنا مؤتمرنا من دول عدة، وقد علا صوتها لدعم حق عودتنا إلى أرض وطننا التاريخي. وبشكل عام فإن الرأي العام الغربي بأغلبيته، يدعم حق الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه؛ وما فشل المظاهرة المعادية التي نُظمت ضد انعقاد المؤتمر من أصدقاء إسرائيل، إلا دليل على ذلك الدعم، فلم يشارك في تلك المظاهرة إلا بعض العشرات، وقد عادوا خائبين، رغم سيطرة اللوبي الصهيوني على وسائل إعلام كبيرة، ولكنها لم تتمكن من تحريك الشارع الألماني ضدنا.

فلسطينيو أوروبا وأوروبيي فلسطين، هم جزء من اللاجئين الفلسطينيين الذين تمكنوا من الهجرة إلى أوروبا، وأصبحوا مع مرور الزمن قوة فلسطينية ورافداً جديداً للحق الفلسطيني، وخصوصاً حق العودة، شعار التجمع هو مفتاح العودة، هذا ما يقض مضجع نتنياهو وحكومته، ويفسر الحملة المسعورة التي شنتها هذه الأوساط ضد المؤتمر. هذه الحملة التي انقلبت على الساحر، وأعطت المؤتمر شهادة ميلاد، فالعدو لن يخشانا لو لم نكن مؤثرين.

حق العودة.. والتي ظنت إسرائيل أنها بدأت بإنهاء حلمه عند الفلسطينيين، خصوصاً بعد اتفاقيات أوسلو، بدأ يُطل برأسه من جديد، إن فلسطينيي أوروبا لن يتخلوا أبداً كباقي الفلسطينيين عن هذا الحق الدائم الذي لا يسقط بالتقادم، ولا نتصور أن أي جهة سياسية مسؤولة  تنفرد باتخاذ قرارات تُضيع هذا الحق، ونحن نُدرك مدى الضغوط الأمريكية والصهيونية على السلطة الفلسطينية لذلك.

الفلسطيني الأوروبي، استطاع أن يحول حصوله على حقوقه المدنية الكاملة في مواطنه الجديدة، إلى وسيلة فعالة لنضاله ونضال شعبه، وليس كما ظن الصهاينة وآخرون أن بالامكان التخلص منهم للأبد، وحضور العائلات الفلسطينية بأطفالها، يؤكد أن الزمن لصالحنا؛ وقد بدأ الإسرائيليون باكتشاف أن هذا التهجير إلى ما وراء البحار، سيرتد عليهم كالسهام، طال الزمن أم قصر. فالرأي العام الغربي بدأ يتغير إيجابا لصالح الحق الفلسطيني، بسبب نشاط هذه الجالية لصالح حق العودة، ونموذج أفريقيا الجنوبية وإهدارها زمن التمييز العنصري، للحقوق الأساسية للسود، هو بكل تأكيد هاجس يؤرق القادة الإسرائيليين، وقد بدأ يُذكر علانية بتصريحات المسؤولين الغربيين.

إن المقارنة مع لاجئي لبنان، الذين عاشوا ووُلدوا في تلك البلاد منذ ستين سنة، يُظهر مدى ظلم القريب، الذي كان يجب أن يكون مصدر العون والدعم، إلا أن لاجئي هذا البلد، يفتقدون لكافة حقوقهم المدنية؛ من قبيل حقهم بالعمل، والتنقل والمشاركة في بناء لبنان وطنهم الثاني. كل ذلك تحت مزاعم الحفاظ على فلسطينيتهم والخوف من التوطين!.

منذ متى كان انتهاك القانون الدولي لحقوق الإنسان، وسلب الفلسطينيين لحقوقهم المدنية، وسيلة لمساندتهم لاستعادة حقوقهم الوطنية؟ علماً أن لبنان وقع على كافة المعاهدات الدولية والعربية، بما فيها اتفاقية الدار البيضاء لعام 1965، والمُتعلقة بحقوق الفلسطينيين في الدول العربية، إن هذا الوضع يُهمش هؤلاء اللاجئين، مما يؤدي إلى زيادة تعقيد الوضع اللبناني الداخلي، وليس كما يظن الساسة اللبنانيون لمنع تعقيده، هذه السياسة المتُوافق عليها لبنانياً لن تكون لصالح فلسطين ولا الفلسطينيين، فمثال فلسطينيي أوروبا يُظهر أن احترام الحقوق هو واحد، واغتصابها أيضاً واحد، فلا يجوز أن نضع أنفسنا في لبنان بصف مغتصبي الحق الفلسطيني.

فلسطينيو سوريا وبشكل خاص في مخيم اليرموك، تبدو هشاشة وضعهم كذلك واضحة للعيان وللقاصي والداني، حيث يحفظ لهم القانون الدولي الحق بالعيش الكريم والحماية زمن الحرب، إلا أن السلطة التي تُفقد السوري حقه، لا يمكنها أن تحفظ ذلك لغيره.

فلسطينيو أوروبا يعملون من خلال مؤسساتهم ونقاباتهم لدعم إخوانهم في الشتات، وداخل الوطن، وهم يزيدون يوماً بعد يوم، من تأثيرهم في الداخل الأوروبي لصالح القضية الفلسطينية. لهذا لخصت كلمة رئيس المؤتمر، السيد ماجد الزير، حقيقة هذا الدور، عندما أظهر بوضوح الانتماء الثنائي لهذه الجالية، لأوطانها الجديدة التي تعيش فيها، إلى جانب انتمائها الأبدي لفلسطين، هذه الثنائية هي مصدر قوة وليست مصدر ضعف، وعلى حكومات دول الشرق الأوسط التي تستقبل اللاجئين هذه الأيام، أن تحترم حقوق هؤلاء وتحترم المواثيق الدولية، فالحق واحد لا يتجزأ.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

أردوغان وسياسة التجارة!

 

 

أردوغان وسياسة التجارة!

 

نزار بدران

التجارة نشاط إنساني مهم، ولولا البيع والشراء واختراع العملة، لكان من الصعب، تطور المجتمع الإنساني منذ القدم. هذا المعنى الإيجابي للتجارة، ضمن علم الاقتصاد، يُقابله معنى سلبي للتجارة ضمن ممارسة السياسة، إن أخذناها، بمفهومها الجميل الفلسفي، كتعبير عن القيم والمبادئ في إدارة شؤون الناس. للأسف هذا المعنى الثاني، أي السلبي، هو ما بدأ يطفو على السطح، بشكل واضح في السياسة التركية تجاه أزمات المنطقة.

مثل هذه النجاحات التجارية الاقتصادية لتركيا، والتي مكنتها بعد وصول الإسلاميين للسلطة، من إغراق أسواق المنطقة العربية، ببضائع اشتراها المواطن العربي، بنوع من الفخر والاعتزاز، بدلاً من البضائع والإنتاج الغربي، ما ساهم بالتنمية الاقتصادية التركية وتطورها، وهي التي اوصلت تركيا لمرتبة الدولة السابعة عشرة اقتصادياً، ودخولها مجموعة العشرين الأغنى في العالم.

في المقابل، فمن المؤسف عدم ترجمة التصريحات المُشجعة والداعمة لفلسطين والديمقراطية في الوطن العربي، إلى واقع عملي، بل بقيت مجرد شعارات لا تخدم إلا الهدف التجاري الاقتصادي ومصالح تركيا الخاصة، فاتحة أسواق العالم الإسلامي والعربي، بشكل أكبر أمام هذه التجارة.

على مدار السنوات الخمس للثورة السورية، تراجعت المواقف التركية المُعلنة، عن مبادئها وقيمها، مثل تعيين خطوط حُمر، حول بعض المدن السورية كحماة وحلب، لا يحق للنظام السوري تجاوزها، ثم شعارات المناطق العازلة الآمنة بشمال سوريا، ومناطق الحظر الجوي لحماية اللاجئين. نرى اليوم فقط الطائرات الروسية التي تُقيم المناطق العازلة للآخرين، في السماء السورية، بدون أدنى رد تركي غير الجعجعات الكلامية.

أما لجهة تحرك الأكراد وتدخلهم هنا أو هناك، فهو ما يُثير حفيظة أردوغان، ويقوم كباقي أنظمة المنطقة، باكتساح مناطقهم في سوريا، بدون أي اعتبار للمدنيين الأبرياء، والتدخل الأخير، هو فقط بسبب خوف أردوغان المزمن من الأكراد، وحقهم الطبيعي في تقرير المصير، في أماكن تواجدهم، مُتناسياً سياسة الانفتاح نحوهم، التي مارسها في بداية عهده.

استقبال اللاجئين السوريين بتركيا، تحول بعد السنوات الأولى، إلى مادة تجارية للتعامل مع الغرب، فمقابل استقبالهم وحجزهم، استلمت تركيا ثلاثة مليارات دولار، من الاتحاد الأوروبي (لمساعدة اللاجئين!!)، متناسين واجب التضامن الإسلامي المجاني، الذي تفرضه قيم الدين، ويُعلمه أئمة المساجد، للمؤمنين والمصلين في جوامع تركيا.

هذه المُقايضة المالية بين تركيا والغرب، على آلام السوريين، واستعمالهم كورقة ضغط, تُمثل نموذجاً لم نكن لنتصور يوماً، أن حكومة دولة مسلمة تقبل به، وهو يُستعمل حالياً، لدفع ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، خارجة من إطارها الشرقي الإسلامي وتاريخها العثماني.

وهكذا عندما تتراجع القيم والمبادئ، في عالم السياسة، تتراجع أيضاً الحريات العامة، وهذا ما نراه حالياً للأسف حيال اعتقال وإرهاب الصحفيين والمعارضين، وكأن السنوات الجميلة التي عشناها، آملين بتحقق حُلم الدولة الحديثة، التي تجمع بين القيم الإسلامية والحداثة، أصبحت في خبر كان.

عشر سنوات من الحصار على غزة، ولم نر إلا التصريحات النارية ضد إسرائيل، لم تستطع تركيا زحزحة الحصار، ولو متراً واحداً، بل على العكس، تقوم حالياً بدغدغة مشاعر نتنياهو، في محاولة الحصول على الغاز الإسرائيلي بديلاً عن الغاز الروسي. وطبعاً يُطلب من الفلسطينيين، أن يؤيدوا هذه السياسة الجديدة، وهذا ما يقوله دائماً، كل الحكام العرب، بزعم الدفاع عن فلسطين وحق شعبها ب و ب…الخ.

لقد سبق لأردوغان أن وضع ثلاثة شروط أمام إسرائيل لإعادة العلاقات معها ، لم يتحقق منها إلا واحد ونصف، وهما الاعتذار عن مذبحة المدنيين الأتراك، على ظهر السفينة مرمرة، ووعد إسرائيلي لم يتحقق بدفع تعويضات لأهالي الضحايا. أما الشرط الثالث الذي لم يتحقق بعد، فهو رفع الحصار عن غزة، هل سيُصر أردوغان على هذا الشرط حقيقة، ويفرضه لإعادة العلاقات مع إسرائيل؟ أم سيجد مخرجاً؟، أما من جهتي فسأقوم إن تحقق هذا الشرط، بتمزيق مقالي هذا والاعتذار للقراء الأعزاء.

 

الرؤى الخلاصية وأوهام نهاية التاريخ

 

الرؤى الخلاصية وأوهام نهاية التاريخ

د. نزار بدران

 

يتميز الإنسان بمقدرته على التطور الاجتماعي، أي على إقامة تاريخ خاص به، فالإنسان هو الوحيد الذي له هذا النوع من التاريخ، فنحن نتكلم عن تاريخ هذا الشعب أو هذه الأمة، وغير ذلك من الأشياء المرتبطة بالإنسان، ولا نتكلم عن تاريخ ممالك القطط أو العصافير، فهذه الأخيرة، لها تطور بيولوجي غريزي، ولكنها لا تملك تاريخاً اجتماعياً متطوراً. فالنمل والنحل لهما نظام معيشي اجتماعي، ولكنه فطري ولا يتغير مع تطور الزمن الملحوظ تطوره فقط في إطار التغير البيولوجي والوراثي.

هذه الخصوصية للإنسان، مهمة جداً، وهي ملحوظة بشكل واضح، منذ بدأ الإنسان باختراع الكتابة قبل ذلك. نحن نقول ما قبل التاريخ؛ وهذا لم يعن أنه لم يكن هناك تطوراً اجتماعياً في تلك الأزمان البعيدة، ولكنها غير مترجمة أو مدونة كتابياً. إلا أن الباحثين وجدوا طبعاً، رسوماً وغير ذلك من الآثار التي تظهر تطور الإنسان الاجتماعي منذ عشرات آلاف السنين.

على أن مفهوم التاريخ، يؤدي تلقائياً لمفهوم الحضارة، فهي نتاج الإنسان وسردياته التاريخية، وتترجم تطوره الفكري والمادي، وأدوات عمله ونظامه الاجتماعي واختراعاته، وما إلى ذلك بما فيه ظهور الأديان. الحضارة إذن ليست فقط نتاج فعل الإنسان وتفاعله مع الطبيعة، ولكن أيضاً فعله بنفسه، وبتحديد علاقات أعضاء مجتمعه فيما بينهم، وبكيفية حل التناقضات الناشئة.

إن اندفاع التاريخ المستمر إلى الأمام، مرتبط بوجود تناقضات اجتماعية لا تنتهي؛ حتى بعد حلها، فتناقض المجتمع البدائي المشاعي الأول، حل محله تناقض مجتمع العبيد والسادة الأحرار، كما حدث باليونان القديمة، ثم تناقض الإقطاعية الارستقراطية والفلاحين، كما حدث في أوروبا القرون الوسطى، وأخيراً التناقض الاجتماعي بين البرجوازية والعمال، في القرن التاسع عشر والعشرين، وظهور أشكال جديدة في الزمن الحديث، زمن العولمة والإنترنت.

لذلك لا تنتهي التناقضات داخل المجتمع، بل تتجدد، وحلها في فترة زمنية ما، ومكان ما، لا يعني إنهاء تطورها, ان تجددها بأشكال مختلفة، هو بالتحديد ما يُعرف بالتاريخ، وإلا لانتهى هذا التاريخ منذ زمن.

الأديان والإيديولوجيات على اختلافها، ذهبت كلها باتجاه توقف التاريخ ونهايته، وما قاله فوكوياما عن “نهاية التاريخ”، في زمن انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط الفكر الماركسي، لم يكن استثناءاً، فالشيوعية نفسها، طرحت نهاية التاريخ عن طريق الحل النهائي لتناقض المجتمع، بامتلاك الطبقة العاملة للسلطة ووسائل العمل، وإنهاء صراع الطبقات.

الإسلاميون من جهتهم يطرحون مفهوم، أن كل مشاكل المجتمع يمكن حلها (إن طبق الإسلام الصحيح)، وكل الأيدولوجيات تقريبا، حملت نفس المفهوم لنهاية التاريخ، الذي يتوقف عندما نطبق هذه الأيديولوجية أو تلك، وتُحل كل التناقضات والمشاكل، ويتعايش حينها الذئب مع الغنم بحب ووئام، كما يحلم المنتظرون لعودة المسيح أو الإمام المُخلص، وكان ذلك قد بدأ من قبل مع أفلاطون وجمهوريته المثالية.

إلا أن الأصوليين الإسلاميين، ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فهم يظنون أن التاريخ قد انتهى عند حقبة بداية الإسلام والخلفاء الراشدين، وأن العودة لهذا الزمن، هي التي ستنهي التناقضات وحل الإشكالات بشكل أبدي، وهذا هو نفس المبدأ الخاطىء المبني على عدم فهم التاريخ وتطوره، ما يدفع بشكل غير واعٍ، عن طريق إنهاء هذا التاريخ، نحو مجتمعات شبيهة بممالك النمل والنحل، التي ليس لها أصلاً أي تاريخ، وعلاقاتها الاجتماعية لا تتبدل مع الزمن.

إن تطور المجتمعات الإنسانية الدائم نحو تناقضات جديدة، وحلول جديدة، هو إذن المبدأ العام، الذي يجبر الإنسان على الفكر والعمل، والبحث عن حل تناقضاته أولاً بأول، وليس البحث دوماً عن حلول خلاصية أبدية، حالياً أو سابقاً أو مستقبلاً،  ليس للفكر الإنساني دور بوضعها، بل يقتصر فقط على تفسيرها .

لا فرق إذن بين فكر فوكوياما الليبرالي، بعد وهمه بانتصار الليبرالية ونهاية التاريخ، أو الفكر الشيوعي الماركسي لدى نجاح ثورة أكتوبر بروسيا، أو أصوليو الدين الإسلامي، الذين أوقفوا عجلة التاريخ عند القرن السابع الميلادي، كلهم واهمون، بامتلاكهم أدوات إنهاء التاريخ، ناسين تماماً أن ذلك يُبعدهم عن الحضارات الإنسانية العديدة، ويقربهم من عالم جامد متكلس لا يتطور.

 

 

لمن الأولوية للحقوق الوطنية أم للحقوق المدنية؟

 

لمن الأولوية للحقوق الوطنية أم للحقوق المدنية؟

د. نزار بدران

عندما يصل الفلسطيني حامل الجنسية الغربية إلى فلسطين المُحتلة، يُطلب منه تفسير سبب قدومه، وضرورة تركه لإسرائيل في مدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر. أما الفلسطيني حامل وثيقة السفر، لا يحق له أصلاً الوصول إلى هذه الحدود، أو طلب أي شيء.

عندما يصل الفرنسي اليهودي فلسطين المحتلة، يُمنح “الحق الإلهي” بالبقاء كامل عمره.

عندما يطلب اللاجئ الفلسطيني المُهجر من اليرموك، العودة إلى وطنه، يُطلب منه الذهاب للبحر، للموت غرقاً، إن لم يمت قصفاً وجوعاً، ووطنه على مرمى حجر.

عندما يُطالب اللاجئ الفلسطيني المُهجر من لبنان، بالعمل أو التملك، وهو المولود بمخيمات الشتات، يُعلن الكثير من اللبنانيبن، أنهم خائفون من التوطين، وعلى مستقبل القضية الفلسطينية، وعليه أن يعود إلى وطنه، وفي انتظار ذلك، يُحرم من كافة حقوقه المدنية حماية لحقوقه الوطنية، وهذا منطق عجيب.

عندما تختلف دولتان عربيتان، يُطلب من الفلسطيني أن يُغادر فوراً أراضيهما، كما حصل في الكويت والعراق، وعندما يريد المصريون الحصول على وُد إسرائيل، يتبرعون بحصار غزة وخنقها، كذلك الأمر عندما تتحسن العلاقات التركية الإسرائيلية، يُطلب من الفلسطيني مباركة هذا التقارب ودعمه، والفلسطيني هو العربي الوحيد الذي يحتاج إلى تأشيرة دخول عند ذهابه إلى تركيا.

عندما تصول وتجول الجيوش الإيرانية بسوريا، يُطلب من الفلسطيني أن يُبرر ذلك، وإلا يخسر أي دعم من محور المقاومة والممانعة، مع أنها تقصف مخيماته وتشرده من جديد.

الكل يضطهد الفلسطيني، تحت شعار حب فلسطين والدفاع عنها، وبنفس الوقت يطلب الغطاء الشرعي لعمله، عن طريق رضاء الفلسطيني عنه.

لائحة حقوق الإنسان للعام 1948، الصادرة عن الأمم المتحدة، تنص على حق كل إنسان بالعودة إلى وطنه والعيش بحرية واحترام حقوقه، هذه الشعارات ليست قابلة للنقاش والمتاجرة، لذلك وجب وضعها كأولوية مطلقة، فانتهاكها هو انتهاك للمواثيق الدولية، والتنازل عنها، غير مقبول، ويتناقض أيضاً مع تلك المواثيق. هذه ليست مطالب وإنما حقوق واجبة.

يجب على حقوقيينا وأحزابنا وساستنا، أن يتعاملوا معها كما هي بالقانون الدولي، وليس كمادة للنقاش والأخذ والعطاء، كما نرى هذه الأيام، إزاء مشاريع حل القضية الفلسطينية، على حساب اللاجئ الفلسطيني، المهجر المظلوم والمحروم، من أقل حقوقه المدنية، لصالح النقاء العرقي لإسرائيل أو الطائفي للبنان أو التعصب والعنصرية في بعض البلدان، وهي سياسات مُحرمة دولياً، وغير قابلة للدفاع عنها.

إنه لمن غير المقبول أن يتنازل عن حقه كإنسان، بحجة الحصول على دولة أو كيان سياسي، فنحن نرى دولاً وكيانات ذات عواصم، يُدمر بها الإنسان ويُقصف ويُقتل ويُحرم من حقوقه، كما هو الحال في العديد من الدول العربية والإسلامية.

متى سيعرف الناس، أن الحصول على حقوقهم المدنية كبشر، والمؤكدة بالمواثيق الدولية ولائحة حقوق الإنسان، والتي وقعت عليها كل الدول، بما فيها لبنان وإسرائيل، هي بداية لتحرير الوطن، وليس نهاية له. فالوطن لا يُحرر بحرمان المواطن، ولا يُبنى على نهب حقوقه بالعيش الكريم، والصحة والتعلم والسفر والذهاب والإياب، ولن نحرر وطناً بجيش من العبيد.

الدفاع عن الإنسان، الكامن في كل فلسطيني وعربي، وحقوق الفرد الأساسية، يجب أن يكون أساس أي عمل سياسي أو اجتماعي، ولا يمكن بناء سياسات وأحزاب بدون هذا الأساس المُؤسس لكل شيء. لا تُبنى الحضارة إلا على القيم، واساس الحكم هو العدل، ولا يمكن بناء الحق على الظلم، وكما قال ابن رشد، أكبر فلاسفة المسلمين (الحق واحد لا يتجزأ).

 

مصادر شرعية السلطة بين الأمس واليوم

 

مصادر شرعية السلطة بين الأمس واليوم

نزار بدران

 

تغيرت مصادر الشرعية للسلطة على مر الزمن، وما زالت أشكالها تتعايش حتى اللحظة بين القديم والحديث، وهو ما يُميز الدول عن بعضها البعض، بالنسبة لمفهوم العلاقة بين السلطة والشعب المحكوم.

يمكن اعتبار المفكر والعلامة الإسلامي، ابن خلدون (1332-1406)، مؤسس علم الاجتماع، أول من وصف هذه العلاقة، عندما درس تاريخ الدول والإمبراطوريات، بما فيها الدولة الإسلامية، واستنتج أن المُستولي على الحكم، هو بالأساس غريب عن الشعب أو الشعوب المحكومة، ويظهر ذلك حتى من لغته، وفي بعض الأحيان من لون جلده، كما كان ذلك زمن المماليك، الذين حكموا مصر ووصلوا بلاد الشام وشمال افريقيا والشرق الادنى ( 1250 – 1517).

منذ وُجدت السلطات والدول، وحتى القرن الثامن عشر، كان يمكن التمييز بين نوعين من الشرعية، الأولى هي “الشرعية الغيبية” المستندة بشكل عام إلى الدين أو المُعتقدات الدينية، والثانية هي “شرعية القوة”، استنادا إلى أصحاب السلاح والعصبية، كما يقول ابن خلدون، الذين يحكمون الجمهور المُسالم غير المُسلح، والعامل المُنتج، والفلاحين ومجموع الموظفين والعاملين في القطاع العام والخاص، حيث يجري التعامل معهم كقطيع ضريبي ليس إلا.

الثروة في تلك الأزمان، كانت هي الإنسان أساساً، فالمناطق العديدة التي تكتظ بالسكان، مثل بلاد ما بين النهرين ومصر، كانت محط أطماع كافة العصبيات والسلطات الناشئة، من سَيطر عليها بُنيت حضارته، ومن يفقدها يفقد مصدر ثروته وغناه. فُقدان الإمبراطورية الرومانية لمنطقة الشرق، يُعتبر أحد أسباب انهيارها، ووصول الفتوحات الإسلامية لتلك المناطق، هو أحد أسباب عظمتها، وفُقدانها فيما بعد أدى إلى انهيارها.

قد تتعايش شرعية السلطة الدينية مع شرعية سلطة القوة، وفي كثير من الأحيان تختلطان وتمتزجان سوية، كما حدث عندما كان خليفة بغداد يملك ولا يحكم، والسلطة الحقيقية بيد أحد السلاطين السلاجقة (الدولة السلجوقية ما بين 1037-1157) أو غيرهم. القاسم العام لهذه الفترة الطويلة، هو غياب أي مصدر للشرعية استنادا إلى الناس المحكومين، الذين لم يكن يُنظر إليهم إلا كوسيلة إنتاج بشكل أساسي.

كانت هذه الوضعية مُسيطرة على العالم أجمع، من الصين إلى أوروبا، مروراً بالدولة الإسلامية. نظرية ابن خلدون المعروضة بمؤلفه الشهير “مقدمة ابن خلدون”، والتي قدمت لكتابه “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر” لعام 1377، كانت نظرية صحيحة وتحليل صائب لهذه الأوضاع. الاطلاع على هذا الفكر المبدع في القرن الرابع عشر، وجب أن يكون وفق مناهج كل الراغبين بالتعلم والتعليم.

استمر تحليل ابن خلدون صائباً بشكل عام، في توصيف الامم حتى بداية العصر الحديث، والذي بدأ مع نهوض الحضارة الغربية، وبدء الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر ببريطانيا أولاُ، حيث اسست لها الثورة ألعلمية، ثم الثورة الاجتماعية والسياسية التي تبعتها في فرنسا. انتقل بعدها العنصر المؤسس للإنتاج، أي مصدر الحضارة والغنى، من الإنسان وحده إلى الإنسان صاحب الآلة المُنتجة، والتي أدت إلى مضاعفة هذا الإنتاج عدة مرات، وبذا أصبحت الآلة والمواد الخام المُشغلة لها، هي مصدر الثروة والغنى والحضارة، وهو ما نقل مركز ثقل العالم من الصين والشرق الإسلامي إلى أوروبا.

تزامن ذلك مع انتقال الشرعية، من المصادر الدينية أو العصبيات المسلحة (الفاتيكان أو الملوك والإقطاعيين) إلى الشعب ممثلاً بالثورة الفرنسية، والتي كانت رائدة وطليعة بناء دولة المواطنة وحقوق الإنسان، واضعة اللوائح المُؤسسة لها. لينتشر هذا النظام فيما بعد بكل أوروبا، وأصبح هو الشكل الثالث الجديد لشرعية السلطة.

تزامن نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مع انتقال الحضارة ومعاييرها من الشرق الأقصى (الصين) والأدنى (المنطقة الإسلامية) إلى أوروبا، بمفهوم بناء دول تستمد شرعيتها من شعوبها، عن طريق الانتخابات، وتعيد ترتيب علاقاتها الاجتماعية على اساس الحرية الفردية. هذا النظام الجديد كان محط أنظار المفكرين المسلمين، ومسؤولي الدولة العثمانية، وهو ما ساهم بوضع قوانين مدنية في نهاياتها، خصوصاً زمن السلطان عبد الحميد الثاني. كذلك كان ذلك مصدر تفكير، لإصلاحيين إسلاميين مشهورين، أمثال الشيخ محمد عبدو والشيخ جمال الدين الأفغاني، اللذان اختارا باريس لإصدار صحيفتهما الإصلاحية “العروة الوثقى”. كذلك إصلاحيون آخرون، خصوصاً في شمال أفريقيا، أمثال الوزير خير الدين (أول دستور لدولة مسلمة وُضع بتونس عام 1861). والنقاشات التي كانت دائرة بباريس بنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت تُنقل أيضاً إلى مصر والشرق العربي، عن طريق الشيخين عبدو والأفغاني وتلاميذهما، وكان النقاش أيضاً محتدماً، كما بفرنسا، بين المدافعين عن العلمانية والفصل بين الدين والدولة، والداعين لنظام إسلامي حداثي يتفق مع العصر.

أنتهى كل ذلك، بعد وفاة الشيخ محمد عبدو في عام 1905، وبدء الحملات الاستعمارية الغربية، الفرنسية والبريطانية، على مصر وشمال أفريقيا وغيرها. هذه الحملات التي كانت تهدف للحصول على مصادر المواد الخام، الضرورية لتشغيل آلات الدول الصناعية الناشئة بأوروبا. هذه كانت سمة العصر، حيث لم تعد السيطرة على مصادر الكثافة السكانية، هو هدف الحروب وإنشاء الإمبراطوريات، وإنما السيطرة على مصادر الثروات الطبيعية وتأمين طرق وصولها إلى أوروبا.

التأثر بالحداثة الأوروبية، والحضارة الجديدة التي قامت على احترام حق المواطن، وأولويته كمصدر للشرعية، بدل القوة العصبية أو الدين، انتهت مع الحملة الغربية، والتي أدت إلى تأجيج الحراك الوطني التحرري ضد ألاستعمار، وتأكيد المعايير الدينية لتثبيت الهوية الإسلامية أولاً، ثم المعايير القومية لتأكيد عروبة الشعوب في مرحلة لاحقة.

لم يعد بالإمكان في ظل هذا التناقض العنيف مع الغرب، أن يسمع أي صوت لنشأة دولة جديدة مبنية على المبادئ التي حملتها الثورة الفرنسية والغرب عامة، وهذا ما أنهى أي فكر حداثي او إصلاحي من قبيل ما كانت تنشره صحيفة “العروة الوثقى”، وأدخلنا فيما بعد إلى زمن الديكتاتوريات العسكرية القومية المُعلنة عدائها لكل ما هو غربي، بما في ذلك مفهوم الحرية الاجتماعية.

وضعنا الحالي، هو نتاج الماضي، كما حلله ابن خلدون، وشرعية حكامنا ما زالت تأخذ إما بمبدأ “الشرعية الغيبية” المستند مباشرة إلى النصوص الدينية (إيران، السعودية، المغرب…..الخ) أو شرعية العصبيات والعسكر، كما هو الحال في مصر أو سوريا. الشرعية التي مصدرها الشعب تكاد لا توجد، وإن وُجدت يُقضى عليها أو يحاول الآخرون إنهاءها، حتى لا تصبح مثالاً. قد تُستبدل شرعية المواطنة في بعض المناطق، بشرعية القبيلة أو العائلة أو الطائفة، وهي بالحقيقة عودة إلى “الشرعية الدينية” ومشتقاتها.

الآن وقد دحرت الدول الوطنية الاستعمار، الذي خرج من مصر وسوريا والعراق والجزائر وباقي الدول العربية (باستثناء فلسطين)، لم يعد بالإمكان الاستمرار، بالدفاع عن النظام الذي وصفه ابن خلدون قبل ستة قرون، وعدم اللحاق بموكب الأنظمة السياسية الحديثة التي حلت محلها منذ حوالي قرنين, والتي هي الوسيلة الوحيدة للحصول على الحرية والتقدم الاجتماعي والاقتصادي.

هزيمة اليابان بالحرب العالمية الثانية، وقصفها من طرف أمريكا بقنبلتين ذريتين، لم يمنعها بعد ذلك من إنهاء حكم الامبراطور، والانتقال إلى الحكم الديمقراطي، مع أنه كان نظام عدوها اللدود. وانهيار حكم بينوشيه بتشيلي، الذي جاء بانقلاب عسكري مدعوما من الغرب وتحديدا الولايات المتحدة، والشركات المتعددة الجنسية، لم يمنع هذه الدولة من اعتماد النظام الديمقراطي، وشرعية الشعب بدل شرعية العسكر، كذلك الأمر بالبرازيل والأرجنتين وجنوب أفريقيا الحرة، بعد أن هزم مانديلا نظام التمييز العنصري الغربي.

في بلادنا الآن، لا يفيدنا بشيء الاستمرار برفع راية العداء للغرب كأولوية مطلقة، بينما مئات الآلاف يهربون ويموتون من أجل الوصول إلى أوروبا، وإنما الذهاب نحو الاستناد للشرعية القادمة من الشعب، بدل تلك القادمة من الغيب والعسكر، والعمل لتغيير أوضاعنا وعدم القبول بمصادرة حرياتنا العامة والخاصة وحقوقنا، تحت رايات مزيفة من العداء للغرب والاستعمار ورفع رايات الممانعة، على ما هو حال النظامين الحاكمين في كل من إيران وسوريا.

إن البدء بترتيب الأولويات في النظر إلى التناقضات، لصالح البدء بالبيت العربي الداخلي، هي أساس لحاقنا بالعالم الجديد ودخولنا فيه، وإلا فسنبقى وحدنا نبكي حظنا العاثر، ونعيش في كنف نظرية ابن خلدون التي عفا عليها الزمن.