التدخل الروسي وسياسة انقاذ الممكن

التدخل الروسي وسياسة إنقاذ المُمكن

نزار بدران

 

يمكن قراءة تطورات التدخل الروسي في سوريا، وما يعنيه استدعاء بشار الأسد إلى موسكو، عبر أوجه مختلفة، من قبيل ما قد يظنه البعض على أنه تشاورٌ بين الحلفاء، لرص صفوفهم أمام ما يسمونه الإرهاب، ولكن المُراقب لتصريحات الرسميين الروس منذ التدخل، والذي بدأ كالهجمة الصليبية بمباركة قساوسة أورثوذكس روس، ثم انقلب إلى عرض محادثات مع الأعداء الإرهابيين المزعومين من الجيش الحر، يوحي بأن الوضع مُغايرٌ تماماً لما كان الروس يسعون إليه عبر تدخلهم.
لقد أرادت روسيا عبر تدخلها، أن تُظهر للعالم، أنها «كعبة» كل اللاعبين في الساحة السورية، وهي بذلك تُزيح بدون حياء ولا دبلوماسية، الإيرانيين وميليشياتهم، وتُعلن فشل التدخل الإيراني بدعم جيش النظام، الذي لم يستطع بعد أربع سنوات، القضاء على ثورة السوريين، بل فقد السيطرة على مساحات شاسعة من البلد.
بعد ثلاثة أسابيع من الغارات الروسية المُكثفة، ومئات القتلى المدنيين وعشرات آلاف المهجرين الجدد بسببه (اكثر من خمسين الفا من جنوب حلب)، يُعلن يوتين عن طريق استدعائه للرئيس السوري، والدعوة لاجتماع غربي روسي سعودي تركي، فشل غاراته الجوية وورقته الأخيرة بإنقاذ النظام.
التقارب الإيراني الأمريكي، وخروج إيران التدريجي والواضح، من معادلة العداء للغرب وإسرائيل، ودخولها إلى معسكر أصدقاء أمريكا، بعد الاتفاق النووي، والذي سيتبعه ابتعاد مُنتظر عن التحالف مع روسيا، دفع بوتين إلى الدخول مباشرة إلى ساحة الصراع السوري.
وبعد الفشل بإجهاض الثورة السورية، وإنقاذ النظام، بات لكل دولة حساباتها وأهدافها، فإيران أدركت أن التقارب مع الغرب والابتعاد عن روسيا، أضمن لمستقبل آيات الله الذين يحكمونها منذ الثورة الإيرانية، آملة أن تكسب الدعم الاقتصادي، واستعادة أرصدتها من البنوك الغربية، وهي بذلك تُقر بفشل سياسة محور المُمانعة والعداء للغرب، وتقلب سياستها ظهراً على عقب. مليارات الدولارات التي دفعتها إيران للنظام الحاكم في سوريا، وآلاف المقاتلين الميليشياويين المُؤدلجين، الذين يحاربون في سوريا، لم تُجدها شيئاً، ولن تؤدي إلا إلى احتقان الأوضاع الداخلية، وخطر ربيع إيراني جديد.
سقوط الأسد المُنتظر، والتقارب الإيراني الغربي يعني لروسيا، فقدان أي تأثير في حوض البحر المتوسط، وتدمير حُلم الدولة العُظمى الذي يحمله بوتين، وتهديد النظام السياسي الروسي، والذي بنى شعبيته على مفهوم استعادة عظمة الاتحاد السوفييتي السابق.
لقد فشلت الغارات الجوية الروسية المكثفة (أكثر من 600 غارة خلال ثلاثة أسابيع) في إعادة الحياة لجيش النظام المُنهك، وكامل تشكيلة الحُلفاء المحليين والخارجيين، ما وضع المسمار الأخير في نعش أحلام إنجاز المهمة التي تنطحت لها موسكو، لتبدأ في البحث عن مخرج يؤمن لها على الأقل، الحفاظ على مظاهر العظمة، والاستمرار بتخدير الرأي العام الروسي لأطول فترة ممكنة. لذلك هي تحاول الآن فرض وجود عسكري في مناطق العلويين، يؤمن لها ميناء طرطوس كموقع قدم لسفنها وطائراتها.
كذلك فقدت إسرائيل مع الاتفاق النووي الإيراني الغربي، الورقة الفزاعة التي كانت تُمكنها من ابتزاز الجميع، وبدأت تستشعر بتغيير بطيء، ولكنه واضح، في السياسات الغربية تجاهها، خصوصاً من ناحية المواقف الشعبية، ونجاح الدعوات إلى مقاطعة إسرائيل، ونجاح انتخاب (كوربين) لرئاسة حزب العمال البريطاني، وانتخاب (ترودو) في كندا لرئاسة الحكومة، هي مؤشرات على ذلك، فهؤلاء لن يتبعوا السياسة الإسرائيلية بشكل أعمى، كما تعودت إسرائيل من قبل.
على أن سقوط النظام السوري، يعني لها إعادة استشعار المخاطر المحدقة من الشمال، وإعادة الحياة إلى الربيع العربي، والذي وبكل تأكيد، لن يقبل بأن تستبيح إسرائيل مقدسات الأمة وحقوق الشعب الفلسطيني.
ماذا يعني الدعم الإسرائيلي للتدخل الروسي في سوريا وتنسيقهما المشترك؟ هي بوادر حلف من نوع جديد، يؤمن لإسرائيل الدعم من دولة مهمة، قد يعوض جزئياً التراجع المُحتمل في الدعم الغربي مستقبلا، وورقة ضغط على الغرب وأمريكا بشكل خاص. كما أن تواجد أكثر من مليون روسي في إسرائيل، يتكلمون الروسية وتربطهم بروسيا علاقات عائلية وعاطفية واقتصادية، يدعم شعبياً هذا الاتجاه. فالتواجد الروسي الحليف لإسرائيل، هو أيضاً بمثابة إعلان موت المشروع الطائفي الإيراني، الرابط طهران ببغداد ودمشق وبيروت، والذي أسقطه حقاً، نضال الشعب السوري من أجل الحرية.
كذلك فإن مستقبل التحالفات بالشرق الأوسط، سيختلف تماماً عما تعودنا عليه، وسنشهد انتهاء الصورة التقليدية. المنسي الوحيد في هذه المعادلة الجديدة، هما الشعبان الإيراني والروسي، اللذان لم يقولا كلمتيهما بعد، وستكون كلمة مدوية، لأنهما لن يقبلا أن يجري تبذير ثرواتهما على أحلام العظمة أو التحالفات الطائفية. هذان الشعبان العريقان سيبحثان بدورهما لبناء بلديهما على أُسس الديمقراطية الحقة، والتي تضع مصلحة المواطن والوطن أولاً، وتطوير اقتصادهما ورفاهيتهما.
روسيا المستقبل، البعيدة عن حكم المافيا، وإيران المُستقبل، المُتحررة من الحكم الكهنوتي لـ «آيات الله» القادمين من مجاهل وظلمات القرون الوسطى، هما اللذان سيشكلان التحالف الأوثق مع أبناء الأمة العربية، الداعمين لقضاياها ضد المشروع الصهيوني وأنظمة الاستبداد والديكتاتوريين العرب، وداعميهم من الغربيين.
باختصار.. إن نجاح الثورة السورية، سيكون نقطة الفصل ونقطة الانطلاق للحرية، ولكن ايضا نقطة بدء العد العكسي لأعداء الشعوب.

 

 

حكم الأرهاب وموسيقى الشاعر

 

حُكم الإرهاب وموسيقى الشاعر

أشرف فياض

نزار بدران

 

يُخطىء من يظن أن الحُكم بالإعدام على الشاعر الفلسطيني الأصل السعودي المولد، أشرف فياض، هو حُكم جائر، فالخطأ ليس بطبيعة الحُكم إعداماً، سجنا، جلداً أو توبيخاً، بل هو بوجود الشاعر أصلاً أمام محكمة، لقوله شعراً أو لتعبيره عن رأي.  الشاعر الهادئ الانسان يقبع بالسجن مند اكثر من عام ومات والده اول امس غما عليه.

القاسم المشترك لكثير من أنظمة الاستبداد العربية، هي كرهها للشعر والشعراء، وحبها للمتزلفين والمنافقين، المُدعون الفكر والأدب، وهم كثر، ولا ننسى الحُكم بالمؤبد على الشاعر القطري محمد بن الذيب قبل عامين.

الخوف من الشاعر، حتى لو لم يقُل الا ادبا، وتلفيق اتهامات تحمل في معظم  الأحيان معاني دينية، بهدف استدراج الرأي العام لصالحها، يهدف بالحقيقة لإرهاب الناس، ولا أقصد إرهاب الشاعر الذي لم يقل شيئاً ثورياً، بل إرهاب من قد يُفكر لحظة بالاحتجاج على الظلم ويطلب حقوقه. فإن كان الذي لم يقُل شيئاً يُحكم بالإعدام، فما بال من قد يُطالب بحق، أو يحتج على سياسة أو وضع مرتبط بالأوضاع السياسية والاجتماعية الداخلية، بكل تأكيد هو الإعدام وتقطيع الأطراف من دُبر.

هذا هو منطق الإرهاب الحقيقي، وما يميزه عن الاستبداد، فالحاكم الديكتاتور يُنكل بمعارضيه، أما الإرهابي فينكل بالأبرياء، لإرهاب المعارضين المُحتملين، حتى لا يُفكروا بأن يوجدوا يوماً.

هذه هي سياسة آل الأسد كما فعلوا بحماة أو بأطفال درعا وما زالوا، هذا ما فعله بوتين بجمهورية الشيشان الصغيرة، فهم لم يهاجموا المتطرفين بسوريا أو روسيا، بل دمروا المدن فوق رؤوس أهلها المدنيين، كأنجع وسيلة لمنع المقاتلين والمعترضين من الاستمرار بنضالهم.

هذه سياسة الجنرال الحاكم بمصر، عندما جرف مدينة رفح، أو هدم خيام البدو بسيناء. هذه سياسة المالكي بالعراق، عندما هاجم المدنيين العُزل، لمنع المظاهرات السلمية قبل ثلاث سنوات، دافعاً العراق إلى أتون حرب طائفية. هذه سياسة إيران آيات الله، التي تُعلق أكبر عدد بالعالم من المدنيين بتهم شتى، على أعواد المشانق.

الإرهاب هو سلاح هذه الأنظمة، للبقاء على صدور شعوبها وسرقة ثرواتهم، وما زادها انطلاق الربيع العربي، بنهاية 2010 إلا خوفاً على هذا الوجود، وإمعاناً بالعنف والإرهاب.

التحية للشاعر الفلسطيني السعودي، أشرف فياض، ولكلماته الرقيقة، وهو الذي حاز على جائزة أدبية سعودية قبل سنوات. جمال كلماته ورقة معانيها، هي حقاً أقوى من إرهاب وسيوف من هم أعجز وأضعف من أن يفهموا الشعر، وأن يتحلوا بالإحساس المُرهف، وصوت أشرف يقول “لا تبحثي عني، سأكون موجوداً عند كل رشفة قهوة”.

فليرفع كل منا صوته عالياً، مُطالباً بإطلاق سراح أشرف فياض، ليفهم الجُناة أن الإرهاب لن يُثني الناس عن المُطالبة بحقوقهم، وليشتري كل منا نسخة من ديوانه (تعليمات للداخل) ونقرأه بصوت عالٍ ونراه في كل رشفة قهوة.

 

حقوق لاأنسان والأنتماء للأنسانية

 

حقوق الإنسان والانتماء للإنسانية

نزار بدران

يولد الناس ويبقون أحراراً ومتساوون بالحقوق، هذه هي المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر 1948، وهي أيضاً المادة الأولى من إعلان حقوق الإنسان والمواطن للثورة الفرنسية بتاريخ 20 آب 1789، التي أقرتها الجمعية التأسيسية، بعد بضعة أسابيع من قيام الثورة، وإسقاط قلعة الباستيل ( 14 تموز 1789).

هذه اللائحة القصيرة، المكونة مما أقره ممثلو الثورة، تُعتبر المنارة والإضاءة التي على هديها، ومن أجل تحقيقها ثار الناس. مرت بعد ذلك الثورة الفرنسية بمراحل مختلفة، من عودة سُلطات ديكتاتورية، ومخلفات النظام الملكي السابق، والثورة المضادة، ولكنها انتهت كما نعلم بالثبات والانتصار النهائي بعد عشرات السنين. لائحة الحقوق المُعلنة رغم كل هذه الارتدادات بالمجتمع الفرنسي، تعني في تلك الفترة الهدف الذي يتجه إليه كل المناضلين من اجل الحرية.

يحل كل عام العاشر من ديسمبر ليذكر العالم بأهمية لائحة حقوق الإنسان، التي أقرتها الأمم المتحدة، بعد فترة قصيرة جداً من وجودها. كما بدأت الثورة الفرنسية بوضع لائحتها مبكراً، كما وضعت الأمم المتحدة لائحتها ايضا مبكراً ولنفس الهدف، حتى تهتدي بها الأمم والشعوب، بنضالها من اجل الحرية.

تُترجم اللائحة بحد ذاتها، ما تعتبره شعوب الأرض كقيم مشتركة، تحول كل إنسان على هذه الأرض لمواطن بها، وتُلغي بشموليتها، مفهوم التمييز الحضاري بين الشعوب؛ حضارتنا واحدة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب؛ قيمنا واحدة.

لم تُنه لائحة حقوق الإنسان الخلافات في كل مكان، ولم تُحترم من كل الدول، بما فيها دول عريقة بالديمقراطية، ولكنها تبقى أكثر من ضرورية، لأنها تعطي كل من ناضل من أجل الحق والحرية، البوصلة التي يهتدي بها، وتربط نضاله بالإنسانية جمعاء.

تنقصنا في دول الربيع العربي، والحراك الديمقراطي مثل هذه اللائحة؛ فنحن مُطالبون كما فعل الفرنسيون في بداية ثورتهم، أو ما فعلت الأمم المتحدة في لحظة انطلاقها، بأن نضع لائحة أهداف حراكنا وثوراتنا، حتى تتوافق مع معايير الحرية والحقوق. نحن مُطالبون الآن ونحن نرى من جهة قوى الاستبداد تُمسك برقاب شعوبها وتُنكل بهم، ومن جهة أخرى، قوى التخلف الاجتماعي والديني، تُبعد حراكنا عن أي مفهوم حضاري إنساني، وتريد أن تُطبق علينا قوانين لا تُعرف الإنسان بحريته وحقه، وإنما بانتمائه لعشيرة أو قبيلة أو مذهب أو دين.

قوى الثورة مُطالبة أكثر من أي وقت مضى، بالإسراع إلى وضع مثل هذه اللائحة المؤسسة لحراكنا، حتى تُصبح كما كانت في زمن الثورة الفرنسية، المنارة التي يهتدي به كل منا في نضاله، رغم التقلبات والكر والفر والمد والجزر في هذه الثورات.

انتصار الثورات العربية حتمي واكيد، ولكن إبعاد وحوش الفترة الرمادية، التي تعقُب انطلاق الثورات، يتطلب منا أن نُؤطر الفكر ونُحدد انتماءنا، ومنذ البداية للقيم الإنسانية الجامعة الشاملة.

المادة الثانية من لائحة حقوق الإنسان والمواطن الفرنسية، تؤكد الحقوق الطبيعية للإنسان، وتُعرفها بأربعة أشياء، وهي حقه بالحرية، بالمُلكية، بالأمان وحقه بمقاومة الظلم. إعلان الأمم المتحدة في مادته الثالثة تنص على أن كل فرد له الحق بالحياة، بالحرية وبالأمان لشخصه. أدعو القارئ إلى الاطلاع بنفسه على اللائحتين المُتشابهتين، مع أن قرنين من الزمان يفصل ما بينهما.

الفكر الإنساني، هو ذلك الفكر الذي يستطيع كل إنسان على الأرض، أن يجد نفسه ممثلاً فيه، ما تعارض مع ذلك حتى لو كان مُقنعاً للبعض لا يمكن اعتباره فكراً شاملاً للإنسانية، لا يمكن استعمال الفكر الديني أو القومي إلا في إطار هذه المعادلة، أي حينما يتقاطع في بعض نصوصه مع الانتماء الإنساني لسكان المعمورة الذين يناهزون المليارات السبعة، مثل المساواة بين الناس أو التضامن الاجتماعي.

الاتصاق الفكري والعمل في إطار هذه الحقوق، التي تبنتها كل شعوب الأرض، بما فيها شعوبنا العربية والإسلامية، هي برأيي الوسيلة الوحيدة، كي ينتصر الفكر وتنتصر الحرية، على ممارسي الظلم والاستبداد ودعاة التخلف والجهل.

ألماء والزيت أدوات السياسة الأمريكية الحالية بالشرق الأوسط

الماء والزيت

أدوات السياسة الأمريكية الحالية بالشرق الأوسط

نزار بدران

 

نرى اليوم ونسمع عن تحركات عديدة للدول الغربية، باتجاه تهدئة الأوضاع في مناطق النزاع بالشرق الأوسط. فبعد الاتفاق النووي الإيراني، وبعد التصعيد الروسي في سوريا، يأتي زمن التهدئة، على ما يبدو. أطراف النزاع اليمني مجتمعون بجنيف، كذلك الاتفاق المُحتمل حصوله قريباً، بين أطراف النزاع الليبي، وإنهاء الانشقاق بين برلمان طُبرق وبرلمان طرابلس بالمغرب. سبق ذلك اتفاقيات أمريكية روسية لوضع خارطة طريق، لحل المُعضلة السورية، تلاه مؤتمر الرياض لتوحيد تمثيل المعارضة السورية، تبدأ أولى خطواتها بعد بضعة أيام، بمطلع العام القادم. ونشاهد أيضاً بشىء من الدهشة، بداية تهدئة الوضع بلبنان، بعد مبادرة سعد الحريري، والاتجاه نحو توافق لانتخاب رئيس للجمهورية.

مقابل ذلك نرى بعد اعتداءات باريس وسان برناردينو بأمريكا، والتي قام بها أصوليون إسلاميون، مشتبهون بالارتباط بتنظيم داعش، نرى تصعيداً بالمواقف الغربية، خصوصاً الأمريكية باتجاه الحرب على الإرهاب الداعشي فقط، دافعة المملكة العربية السعودية لإقامة تحالف إسلامي للحرب ضد الإرهاب، كُون من أربعة وثلاثون دولة.

هل هناك تغيير حقيقي بالمواقف الدولية، وما هي المُعطيات الموضوعية التي قد تُفسر أي تغيير. إدخل الوطن العربي، منذ خمس سنوات، بحرائق وحروب عدة بسبب رد أنظمة القمع، المدعومة غربياً، على نداءات الشعوب بالحرية، ولكنهم لم يستطيعوا أن يخمدوا شعلة الثورات، ولم يستطع هدا الرد أن يُعيد إلى نفوس الشباب عقدة الخوف من النظام، وهي التي كانت العائق أمام تحرك آبائهم من عقود. لم يتدخل الغرب وخصوصاً أمريكا، لإطفاء هذه الحرائق، إلا بمقدار ما يؤمن بقاء حلفائها، ويُحافظ على مصالح إسرائيل، والمثل الأكثر وضوحاً هو انتزاع السلاح الكيميائي السوري.

دخول العنف الأصولي الديني على خط الحرائق، التي أشعلتها الأنظمة، أعطت تلك الأخيرة، الحُجة الإيديولوجية لقمع شعوبها، وبررت بنفس الوقت، أمام الرأي العام الغربي، تقاعُس الحكومات الغربية عن الوقوف بجانب التغيير الديمقراطي العربي.

ولكن النتائج الأخيرة لإجرام النظام السوري بحق شعبه، والذي وضع ملايين السوريين على طريق الهجرة، ومئات الآلاف لأوروبا، برغم كل صعاب الطريق وخطورتها، مُضاف إليه وصول العنف والإرهاب إلى شوارع المدن الغربية والأمريكية، قد يكون غير بعض الشيء من المعادلة، لصالح محاولة إخماد التطرف الأصولي الديني، عن طريق إطفاء قدر الممكن الأزمات الدامية ذات النتائج الاجتماعية المُدمرة على المواطنين، كما نرى باليمن وسوريا وليبيا، وهذا يُفسر الاجتماعات التصالحية الأخيرة، في البلدان التي ذكرناها سابقاً.

الغرب لا يتحمل مسؤولياته إلا أمام شعوبه فقط، هذه حكومات مُنتخبة من شعوبها، وليس من الشعوب العربية، تُغير سياساتها بمقدار ما تحمي وتُفيد أبنائها. يبدو أنها استنتجت أن القوة العسكرية وحدها، لن تحمي شوارع باريس ولندن ونيويورك، بل ما يحميها هو تخفيف حرارة التناقضات، في الدول المُصدرة لهؤلاء الأصوليين. إعطاء الأمل بالسلام لأهل اليمن، هو أفضل الطرق لإبعاد شبح تغلغل القاعدة أو داعش، كذلك الأمر بليبيا وحدودها الممتدة لآلاف الكيلومترات مع الدول الإفريقية، كذلك بسوريا وآلاف قتلاها وملايين مُهجريها.

الاتفاق الروسي الأمريكي الأخير، لخارطة الطريق بسوريا، والتقارب الجديد بينهما، بشأن خطة مُشتركة، بما فيه قرارات قد تؤخذ بمجلس الأمن، وفشل الروس بتغيير خارطة التوازنات على الأرض وتراجع اسعار النفط والغاز العمود الفقري للاقتصاد الروسي, وبدء هزيمة عسكرية إيرانية بسوريا، على ما يُذكر، كل هذا قد يفتح الطريق بالطبع إلى إيقاف الحملة الجوية الروسية مع بداية العام القادم، وإعطاء نوع من المصداقية للعملية السياسية، والرحيل المُنتظر للأسد.

العمل يتم إذاً على جبهتين، جبهة تزايد وتيرة الحرب والتحالفات ضد داعش والأصوليين الإسلاميين، وجبهة تبريد الجبهات الأخرى المفتوحة من الأنظمة ضد شعوبها.

على عكس الحكومات الديمقراطية الغربية، لا تُعير الحكومات العربية، أي اهتمام لمآسي شعوبها، لا ترى الدم النازف وآلاف القتلى والمُهجرين، من سوريا أو اليمن أو العراق، هذه حكومات بدل أن تلتفت لشعوبها لحمايتهم، وتتبع سياسات مُبدعة لذلك، تعمل العكس، أي التوجه المُستمر نحو مزيد من العنف بحجة مقاتلة الإرهاب، بينما هدفها النهائي هو البقاء بالسلطة، والاستمرار باستعباد ملايين المحرومين والمُعذبين. وحدها أمريكا من يُقرر لها ما تعمل حرباً أم سلماً، لهذا نرى الجيوش العربية تحارب باليمن وتُدمر البُنية التحتية وتقتل ألآلاف وتوصل البلاد إلى ما يشبه ألمجاعة فقط انصياعا للأمر الأمريكي، بمواجهة التمدد الإيراني نحو مضيق باب المندب.

نفس هذه الحكومات تقوم اليوم بتغيير سياساتها، بناءً على “النصائح الأمريكية”، مثل تشكيل تحالف إسلامي ضد الإرهاب، أو القبول بهدنة باليمن لبدء الحل السلمي، هذا الحل الذي كان بإمكان اليمنيين أنفسهم تصوره وعمله بدون التدخل السعودي العربي.

قوات حفتر بليبيا تنصاع أيضاً للطلب الغربي، بالاتجاه نحو المصالحة الوطنية، وتقبل الجلوس مع من تعتبرهم إسلاميون في طرابلس.

يبقى أن التناقضات بين السلطات المُستبدة العربية وشعوبها، ستبقى قائمة، وتخفيض حرارة النزاعات التي كانت هذه السلطات هي أساس نشأتها، برفضها الانصياع لمطالب جماهيرها، سيؤدي من جديد إلى تجدد الاحتجاجات الاجتماعية السلمية المُطالبة بالحرية. هل ستستطيع الحكومات العربية حين ذاك، بأسلحتها المُكدسة، والتي كلفتنا مليارات الدولارات، أن تعود إلى العنف المُفرط ضد شعوبها من جديد؛ هذا ممكن ولكني أظنه أقل احتمالاً من السنوات الماضية.

الوضع في مصر قد لا يبقى على حاله، وعودة العملية الديمقراطية الحقيقة والذي نامله سلميا، شيء ممكن، بعد التخلي التدريجي لدول الخليج عن الجنرال السيسي، وفشل سياساته الاقتصادية لتحسين الوضع المعاشي للمواطنين.

قادم الأيام قد يُعيد لنا أيضاً، مركزية القضية الفلسطينية والصراع العربي ألإسرائيلي فإسرائيل لم تسكت عن الصفقة الإيرانية الأمريكية، إلا بعد أن تأكدت من خلع أنياب ومخالب الإيرانيين وإزالة أي خطر تجاهها. انكفاء حزب الله المتوقع من جديد إلى الداخل اللبناني مُنهكاً، وهو الذي شكل في الماضي الخطر الحقيقي على إسرائيل بعكس باقي الجيوش العربية , هو ما سيدفعه للدخول والقبول بالعملية السياسة،وهذا قد يدفع إسرائيل منطقياً إلى المُغامرة لإنهاء قوة حزب الله العسكرية، إما عن طريق إجباره على تسليم سلاحه للسلطة الشرعية اللبنانية، أو عن طريق ضربة عسكريه فإسرائيل لم تترك حزب الله يدخل سوريا ويحارب هناك إلا لشيء في نفس يعقوب، وهو إنهاء ثورة الشعب السوري، ووقف زحف التغيير الديمقراطي الذي تعتبره اسرائيل خطرا على وجودها مما يمثله من صحوة للامة. هذا ما يُفسر اليوم أيضاً الدعم الصارخ ألإسرائيلي للوجود العسكري الروسي بسوريا ورئينا وقوف نتنياهو بجانب بوتين ضد تركيا.

الانتفاضة الفلسطينية ألحالية ستُعيد الحرارة والسخونة إلى العداء العربي الإسرائيلي من جديد بنفس الوقت التي قد تخفُتُ هذه الحرارة بحروب دول الجوار. هذا سيكون مؤشراً إلى عودة الأمور نحو الاتجاه السليم، أي مركزية القضية الفلسطينية، والتي يجب أن ترتبط بنضال الأمة، من أجل حريتها وكرامتها. وعندما نرى الدعم الشعبي، الذي تلقاه فلسطين في كل الساحات العربية (بعكس المواقف الرسمية) يعود لنا الأمل بأن تبقى فلسطين، بوصلة النضال العربي ضد الاحتلال، ولكن أيضاً منارته من أجل ألحرية كما كانت وكما يجب أن تكون دائماً.

الحكم الرشيد دواء مرض الأوهام

 

الحكم الرشيد دواء مرض الأوهام

 

د. نزار بدران

المعرفة والعلم دواء الجهل، حقيقة لا يختلف عليها اثنان. في مقال حديث بـ “العربي الجديد” يؤكد أستاذنا الكبير كلوفيس مقصود على أهمية أن يستنور القادة العرب بتقارير الأمم المتحدة وهيئاتها المُختصة، فهي تنشر بشكل دوري تحليلات عن أوضاعنا وسُبُلُ مُعالجتها، وتضع معايير الحكم الرشيد والشفافية، كأدوات لا مناص منها، للوصول لحل إشكاليات التنمية الاقتصادية والإنسانية في الوطن العربي. هذا كلام سليم صادر عن خبير بخبايا وتقارير الأمم المتحدة، وكذلك خبايا بعض الأنظمة العربية.

هل الوصول للحكم الرشيد الضروري، لتطبيق إرشادات الخبراء، أمر ممكن مع الأنظمة الحالية؟ وهل يكفي أن نبدأ بتعليم حكامنا ذلك، ونحن نمتلك أعدادا كبيرة من الاختصاصيين في كافة الميادين، وتقارير اللجان المختصة بالأمم المتحدة يكتبها في معظم الأحيان خبراء عرب.

للجواب على ذلك، علينا أن نُميز بين الأسباب والنتائج، فالسبب في مشاكلنا ليس في عدم دراية الحكام بالمعلومات والطرائق والأساليب الضرورية للحكم الرشيد، وإنما في عدم اهتمامهم بالمواطن العربي وهمومه. وهذه السلطات ليست في صدد أن تُقرر تلبية حاجات المواطن وتحقيق أسباب سعادته. الأمثلة الحالية عديدة على عدم اكتراث الحكام بهموم الناس، وانشغالهم فقط في تقاسُم ما استلبوه من عرق عمل شعوبهم، أو ما باعوه من ثروات الوطن.

إشكالية الأنظمة ومركز اهتمامها يتمحور فقط في كيفية إبقاء الشعوب في موقع البقرة الحلوب، وتجهيلها وعدم درايتها بما تحتوي بلادهم من ثروات وخيرات، استولت عليها الطبقة الحاكمة على اختلاف مراتبها السلطوية؛ فهي لا “تعطي” أو “تمنح” الناس إلا ما قد يحفظ نسبياً السلم الاجتماعي، بدون أي التفات إلى المشاريع التنموية. وهذا يحدث في مناطق كثيرة من العالم الثالث؛ فعندما ربط الأوروبيون قبل سنوات مساعداتهم للدول النامية بالحكم الرشيد، فلكي لا تذهب مساعداتهم هدراً، ورغم ذلك لم يصمُد هذا “التغيير” بالسياسة طويلاً، أمام ضغط حكام هذه الدول وحلفائهم من شركات ولوبيات ومصالح اقتصادية رأسمالية بالغرب، وعدنا إلى مفهوم السيادة الوطنية كحق مُقدس لهذه الدول، بمفهوم السماح بتبذير المال العام والنهب بدون رقيب ولا حسيب، وتلك سياسة أبعد ما تكون عن مفاهيم واستراتيجيات التنمية الحديثة.

هكذا أنظمة لا ترى وتُفكر إلا بما يبقيها سيدة السلطة الحاكمة بأمرها، وبهدف إحكام قبضتها على المجتمع، وأي سياسة تتخذها أو تتبناها ليس لها إلا هذا الهدف؛ والمشاريع الاقتصادية، أو بناء البُنية التحتية إن كان لها من وجود، فهي ليست إلا وسيلة جديدة للنهب، من دون أدنى رقابة قانونية أو شعبية، أو حتى رقابة إعلامية. سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية لا تقوم وتعمل إلا لنفس الهدف، مصلحة الطرف الأجنبي مُقابل مصلحة النظام بالبقاء والتوريث، وليس مصلحة الدولة أو الأمة.

ولهذا تُحيط طبقة الحكام نفسها بخبراء عرب وأجانب، ليساعدوها في مهمة البقاء، وليس بهدف الإنماء، إنماء الوطن وحفظ كرامة المواطن، من هنا تقتصر مهمة فعالية السلطة على تفعيل أجهزتها ومحور عملها العمل على هدف بقاء السلطة، فقط وزارات الداخلية (الأمن والمخابرات) وتحصيل الضرائب هي الفعالة، والتي تمتلك كل الوسائل الحديثة، بينما وزارات التعليم والزراعة وغيرهما، فهي من القطاعات المنسية.

مُشكلتنا إذاً ليست فقط في جهل الحكام بتقارير الأمم المتحدة عن التنمية في بلادنا، وإنما في شرعيتهم. الأمم المتحدة تُدرك تماماً أن ما يطرحه الخبراء والمستشارون، من حلول لمشاكل أي دولة في العالم، لن تؤدي إلى النتيجة المرتجاة؛ إذا لم يكن الهدف الأول والأساسي هو بناء الديمقراطية، وأحقية الشعب باختيار حكامه، وحقهم في مراقبة كل ما يُسن باسمهم من قوانين، أو يوضع لهم من تشريعات. وتقاريرها تنص دائماً على أهمية إرشاد الحكم وشفافية العمل والتنفيذ، ولكن بدون وضع الآليات المناسبة.

لذلك فإن توعية الناس هي وسيلة المُثقفين وطبقة الشباب والمُهتمين بالشأن العام، للبدء بالعمل من أجل تحقيق إصلاحات سياسية واجتماعية، تُخرجنا من عالم الجهل إلى عالم المعرفة. ردود فعل الأنظمة المُفرط بالعنف على الحراك الديمقراطي العربي الحديث، كما يحدث في سوريا ومصر وغيرهما، يُظهر مقدار ابتعاد هذه الأنظمة عن أي مشروع وطني والتصاقها بمصالحها فقط. فأن يقرأ هؤلاء تقارير الأمم المتحدة عن مشاكل التنمية وأساليب حلها، لن يزيدهم إلا إصراراً على تجهيل المجتمعات التي يحكمونها، وإسكات أي صوت يطالب بالتغيير والإصلاح، وإخفاء هذه التقارير إن استطاعوا.

الأستاذ كلوفيس مقصود حدد أسلوباً فعالاً وعلمياً لتشخيص وحل مشاكلنا، ولكن ذلك لن ينجح إلا بعد إنشاء الحكم الرشيد، الذي ينتمي لقيم الإنسانية في هذا الزمن.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

أردغان واللعب بالنار

أُردغان واللعب بالنار

نزار بدران

كلما تصورنا أن أحد الدول الإسلامية، وصلت لمرحلة النضوج والديمقراطية، وبدأت تنتمي للعالم المعاصر بمقاييسه الحضارية، تُعيدنا الحقائق إلى الخلف، إلى عالم التشدُد والخدع السياسية، والتلاعُب بمشاعر الناس وعمل المُستحيل للانفراد بالسلطة. هذا للأسف ما نلاحظه هذه الأيام بتركيا.

استطاع هذا البلد في السنوات الأخيرة من الانتقال، بفضل انتخابات حرة وقيادة واعية، مثلها حزب العدالة والتنمية الإسلامي بقيادة طيب رجب أُردغان  الى مصاف الدول المتقدمه والمثال المحتدى.

ورغم نجاحات باهرة، في كثير من الميادين، الاقتصادية والاجتماعية، وخصوصاً إنهاء الصراع الداخلي مع الأكراد. فإننا نكتشف اليوم أن عظمة السلطة وحب تملكها دفع أُردغان، ذا الشعبية القوية، إلى هدم ما بنته يداه.

فبانتقاله من مركز رئيس الوزراء إلى مركز الرئاسة، أراد أُردغان نقل مركز السلطة التنفيذية معه من الحكومة إلى الرئاسة، مُمثلاً بتنظيمه انتخابات برلمانية، تُشبه الاستفتاء، وكأن تركيا لم تلد غيره من القادة المُلهمين. هذه العملية التلاعبية، تم إفشالها من قِبل جماهير الأتراك الواعية وخصوصاً الأكراد، اللذين لم يُعطوه النسبة الضرورية للحصول على الإذن بذلك. فبدل أن يقبل بالنتيجة، وينصاغ لها كباقي حكام العالم الديمقراطيين، قرر الاحتجاج على الشعب، وإلغاء انتخاباته والبدء بحملة انتخابية جديده. وللأسف الشديد، مع استعمال وسائل غير مقبولة في العرف الديمقراطي، أي تأليب الناس وخصوصاً الأتراك على إخوتهم الأكراد، عن طريق لصق تُهم دعم الإرهاب، بالحزب التركي المحسوب على الأقلية الكردية (حزب الشعوب الديمقراطي) والذي صوت له المواطنون الأكراد بكثافة. هدف ذلك تخويف الناس حتى يرتموا بأحضانه من جديد.

هذه سياسة لم نكن نتوقعها من السيد أُردغان، خصوصاً أنه لم يتوانى عن استعمال القوة العسكرية والتأليب الإعلامي، وإغلاق بعض مراكز الإعلام المُناوئة له.

سياسة تكميم الأفواه وتخويف الجمهور، لا يمكن إلا أن تُعطي نتائج عكسية، وهو ما شجع حزب متطرف كحزب العمال الكردستاني، على العودة للكفاح المسلح ضد الدولة التركية، ويقوم يومياً بهجمات دامية ضد الجنود الأتراك، سقط فيها عشرات القتلى. هذه السياسة ستفتح الباب أمام أعداء تركيا للتدخل بشؤونها، ونحن نرى إسرائيل تتربص وتعد عدتها، لإعادة تركيا للحلف الإسرائيلي التركي القديم، برعاية أمريكا بعد تحييد إيران.

الشعب التركي الذي أثبت نُضجه بالانتخابات الأخيرة، عندما حرم أُردغان، من استرداد السلطة لمركز الرئاسة، لن يقبل أن يقع ضحية المُناورات السياسية، فهو بكل تأكيد أحرص من أردغان وحزبه على وحدة تركيا ووحدة شعبها. لن يقبل الشعب التركي بالانجرار وراء سياسة القوة والتخويف، وخلق الأعداء الوهميين، والتي تعودنا عليها من قِبل الأنظمة الديكتاتورية، ولن يقبل الأكراد الانجرار وراء طبول الحرب التي يضربها حزب العمال الكردستاني.

نتمنى على الشعب التركي، في الأسابيع المُقبلة، أن يُظهر نُضجه الديمقراطي وابتعاده عن القادة المُلهمين المعصومين عن الخطأ. الانتخابات القادمة ستُعطيه الفرصة لإثبات تشبثه بمبدأ التبادل السلمي للسلطة، وإبعاد كل من يستعمل أصواتهم، بمناورات سياسية ومجازفات خطيرة، سيدفع ثمنها المواطن والاقتصاد التركي.

 

 

 

 

يوم الأرض الألتفاف حول فلسطين

يوم الأرض الالتفاف حول فلسطين

1948

نزار بدران

هي فلسطين ؛ هي الأرض التي وُلد فيها آباؤنا وأجدادنا منذ وُجدت وتنفست الحياة، عاش بها أجدادنا الكنعانيون وفيها وُلد وعاش الأنبياء والرسل، هي أرض النور والهداية للعالم، أرض التّسامح والمحبّة، فيها وجد الضعفاء والمظلمون الملجأ الآمن، اختلطت فيها الأعراق والأنساب أعرباً كانوا أم أرمن، مسيحيين كانوا أم مسلمين. هي التي أسرى إليها الرسول الكريم وولد فيها السيد المسيح، احتضنت عمر بن الخطاب والناصر صلاح الدين الأيوبي، من أرضها طُرد الصليبيين وهزمت أسوار عكاها نابليون، واضعة حداً لحملته بعد أن احتل كامل مصر. رمز القدسية وأرض الحضارة والمدنية ، فيها أريحا أقدم مدن العالم. انفتاح الأمة العربية والشعب الفلسطيني على الآخر كان رمز فلسطين ولكن دون ضعف أو هوان.

أن يدُنس أرضها الغزاة الصهاينة لا ينزع شيئاً من كل هذه الأبعاد بل يزيدها توهجاً وشموخاً ، وواجب الدفاع عنها يقع على الأمة جميعا وليس على  الشعب الفلسطيني وحده.

كل إنسان حرّ له وطنان، وطنه وفلسطين، كنلسون مانديلا الذي قال بعد تحرير شعب أفريقيا الجنوبية بسوده وبيضه، لن تكتمل حريتنا إلا باستعادة الشعب الفلسطيني حريته.

استشهاد أبناء الجليل قبل عقود من الزمن دفاعاً عن الأرض، وصمود أبنائنا وأهلنا في غزة الإباء وفي نابلس والقدس والنقب وحيفا ويافا، هو صمود بانتظار صحوة الأمة حتى تأخذ دورها الطبيعي وتسترجع حقوقها في جزئها الأكثر أهمية…فلسطين، حلقة الوصل بين الشرق والغرب، بين المتوسط والبحر الأحمر، بين مشرق العرب ومغربهم.

لن يطلب الفلسطيني الثأر من أحد بل يطلب استرجاع الحقوق وأولها حق كل لاجىء بالعودة إلى قريته وأرضه ليزرعها من جديد بليمونه وبرتقاله، وحق كل طفل فلسطيني بالانتماء الطبيعي لوطن آبائه وأجداده.

حضارة هذا الزمن والتي نأمل كأمة أن نكون جزءاً منها تُؤكد على حقوق الإنسان الأساسية وأولها حق الاجىء والمُهجر بالعودة لبلاده.

المطلوب من قيادات الشعب الفلسطيني المدرك تماماً لحقوقه، أن تُدرك هي أيضاً هذه الحقوق، ولا تضعها في سوق النخاسة للبيع والشراء. العودة إلى ثوابت الوطن وأولها حق العودة والعيش بأمان وحرية على ترابه يتناغم تماماً مع قيم زمننا، الذي تحاول به الأمه النهوض من سباتها وتصرخ عالياً مطالبة بكرامتها وحريتها، فلنلتحق بهذا الركب الهائج في وطننا وفي أوطان الشعوب الأخرى، ولا نبقى وحدنا ننتظر رحمة أمريكا والأمم المتحدة.

لا يُعقل أن يظل اللاجئون الفلسطينيون بالمخيمات مُضطهدين ،يعانون الجوع والفقر والحرمان منذ أكثر من ستين عاماً، وهم أبناء البلاد التي بارك بها ومن حولها الخالق، بلاد اللبن والعسل.

شعبنا المُشتت في بقاع الأرض عليه أن يتوحّد  ويلتفّ من جديد حول نضال أبناء أهلنا في فلسطين المحتله عام 48، لأنهم كانوا وما زالوا الشوكة التي تقضّ مضجع إسرائيل وتثبت كذب ادعاء الفكر الصهيوني بالانتماء إلى مجموعة الفكر الإنساني، هذا الفكر الذي يُطالب بالنقاء العرقي بطرحه مشروع يهودية الدولة الإسرائيلية، متناقضاً ومتعارضاً تماماً مع مبادىء حقوق الإنسان وأولها حقه بالعودة إلى وطنه.

30/3/2015

طبيب فلسطيني لاجىء في فرنسا

الخروج من سايكس بيكو محاولة لنقد الفكر الفلسطيني

 

الخروج من سايكس بيكو

محاولة لنقد الفكر الفلسطيني

نزار بدران

منذ انتهاء الحقبة الناصرية، انتقلت خيارات الشعب الفلسطيني ممثلة بحركته الوطنية وقياداته الشرعية، من الاعتماد على الأمة لتحرير فلسطين وإعادة الحق الضائع، إلى الاعتماد على النفس، والعمل حثيثاً لاستعادة شرعية تمثيل الشعب والقضية الفلسطينية بشكل كامل ووحيد، وهو ما عبر عنه مؤتمر القمة العربية الذي عُقد بالرباط عام 4197.

هل كان هذا هو الخيار السليم، الذي ينظر إلى الأمور اعتباراً مما حدث سنة 1967 من هزيمة واحتلال أجزاء إضافية من فلسطين، وهزيمة الفكر الناصري عملياً، وإخراج المقاومة الفلسطينية من الأردن ومن ثم من لبنان , قد يستنتج أن هذا الاختيار كان سليماً. ولكن من ينظر إلى الانجازات التي تحققت منذ الالتزام بهذه الاستراتيجية، وما وصلت إليه الأمور حالياً من تقسيم للمُقسم، واعتراف بوجود إسرائيل من قبل كثير من دول العالم والدول العربية، وحتى من منظمة التحرير، وإخراج الضفة الغربية من أطر القانون الدولي كـ “أرض محتلة”، ونسبتها إلى دولة مُعترف بها هي الأردن، ومن ثم لإعادة تنسيبها إلى لا أحد، كـ “أرض مُتنازع عليها” لا يملكها أحد. كذلك اتفاقيات أوسلو ونتائجها السلبية على مسار القضية وتراجعنا من تحرير فلسطين إلى إقامة دولة فلسطينية بجوار إسرائيل وغيرها، قد يستنتج أن هذه الاستراتيجية كانت خاطئة، والواقع بعد ستين سنة يؤكد ذلك.

لكن لو ارتأينا النظر للأشياء بمفهوم آخر، بناءاً على تحليل موضوعي لأوضاع الأمة العربية، منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية إلى هزيمة سنة 1967، سنجد أن وجود إسرائيل مرتبط عضوياً بمُخططات القوى الغربية المُنتصرة (فرنسا وبريطانيا) وبعدهما أمريكا، منذ وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو ذات الركائز الثلاث. هذه المشاريع الغربية قسمت الإرث العثماني ووضعت أُسس سيطرتها عليها بشكل دائم.

بعد سنة 1918 انتقلنا من كوننا جزءا من الخلافة العثمانية، على مدار أربع قرون إلى فُتات دول وصل عددها إلى 22 حالياً. لم يكن ذلك كافياً للقوى الاستعمارية الغربية، بل أكدت بالفعل والعمل على أبدية التجزئة عن طريق فرض حكومات وأنظمة شمولية استبدادية، لا تتحقق مصالحها إلا من خلال التجزئة، للاستيلاء على ثروات الوطن، والأحداث الأخيرة أظهرت مدى بشاعة هذه السياسة، لجهة امتلاك بعض الرؤساء والملوك، لأرصدة وحسابات بالمليارات، ليس فقط ممن ينتسبون إلى دول بترولية (مثال اليمن أخيراً وثروة علي عبد الله صالح المُقدرة ب 60 مليار دولار).

إن بقاء مثل هذه الأنظمة، لم يرتبط بإرادة شعبية، أو نتيجة انتخابات حرة، إنما عن طريق طبقة من المستفيدين وجيش مُسيس، تحول إلى ميليشيات للدفاع عنها، هدفه الوحيد منع أي حراك ديمقراطي شعبي مهما كان الثمن، ومثال سوريا وليبيا واضح في هذا المجال. وبدعم أجنبي مثل ذلك قيام الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1945 أثناء عهد الرئيس روزفلت، بتوقيع اتفاقية أمن مع دول الخليج العربي فحواها “النفط مقابل بقاء الأنظمة”.

ولم تكتف الدول الاستعمارية بذلك، بل أكدت على وُجوب وُجود دولة إسرائيل، لتكون الركيزة الثالثة لاتفاقية سايكس بيكو. فالمراقب لأحداث هذه الأيام يرى الدعم الواضح من الحكومات الإسرائيلية لأنظمة عربية مثل نظام حُسني مبارك وبعده النظام العسكري الحالي، حيث أن بقاء إسرائيل والحفاظ على أمنها واضح للقاصي والداني، وارتباطه بوضع التجزئة والاستبداد.

هذا الثلاثي (التجزئة والاستبداد وإسرائيل)، كان السمة الأساس لواقعنا طوال أكثر من ستين عاماً، ولفرط طول الزمن تعودنا على رؤية هذا الواقع، إلا أنه بالمفهوم التاريخي وحياة الشعوب التي تُقاس بمئات السنين (احتلال الجزائر 132 سنة، الحروب الصليبة قرنين)، ليس هو الواقع الطبيعي لمنطقتنا، فنحن منذ أكثر من عشرة قرون شكلنا جزءاً أو كلاً من الامبراطوريات التي كانت مركز الحضارة، كالأمويين والعباسيين والفاطميين والمماليك والعثمانيين….الخ، كنا دوماً أمة واحدة قد يكبر حجمها أو يصغر، ولكنها مبنية على مبدأ المركز المُهيمن (بغداد، دمشق، القاهرة أو اسطنبول)، تدور من حولها ملايين الأيدي العاملة المُنتجة للحضارة، عرباً أو عجماً.

خطأ الزعيم جمال عبد الناصر، ليس تبنيه المفاهيم القومية، وإنما لقبوله بأحد قواعد “سايكس بيكو”، وهو الابتعاد عن الديمقراطية، فمهما كانت سياسته ذات دوافع وطنية قومية، وليس شخصية أو عائلية؛ وهذه حقيقة نعترف بها لهذا القائد، فإنه لم يستطع أن يُقيم دولة المؤسسات، واعتبار الشعب مصدر السلطة، بدل الشرعية العسكرية أو الثورية، كان هذا هو الوضع السائد في العالم الثالث عامة، وهو عكس الاختيار الذي تبناه الرئيس منديلا في أفريقيا الجنوبية، والذي أدى إلى نجاح مشروعه التحرري.

المُنظمات الفلسطينية والمفكرين بعامة، انخرطوا برأينا بغير وعي منهم، في مشروع “سايكس بيكو”، حينما انطلقوا بدورهم من الخطأ الآخر، وهو قبول وتأكيد التجزئة العربية، بادعاء ملكية ومسؤولية الشعب الفلسطيني وحده لقضيته، هذه السياسة كان لها طبعاً مُسبباتها مثل هزيمة العام 67 ومن ثم مجازر أيلول الأسود، ولكن ذلك لا يعني أنها سياسة صائبة، لأن النتائج التي وصلنا إليها هي دليل هذا الخطأ.

وصول العالم إلى حقيقة وجود شعب فلسطيني، طُرد من أرضه وله الحق الكامل بالعودة إليها، تطور إلى مفهوم وحدانية الشعب الفلسطيني في العمل لهذا الهدف، مُترجماً بشعار “عدم قبول تدخل الدول العربية في شؤوننا”، و”عدم تدخلنا في شؤونها”. مرة أخرى هذه السياسات تُفهم في ظروفها وزمانها، خصوصاً عندما نرى الهجمة الشرسة التي شنها مثلاً النظام السوري أثناء هيمنته على لبنان، أو تآمر أنظمة آخرى على العمل والنضال الفلسطيني.

المشكلة برأيي ليست فلسطينية أو مصرية، أو من هذه الدولة أو تلك، المشكلة حقيقة هو أننا كفلسطينيين ومصريين وعرب، انطلقنا في تعاملنا مع أنفسنا ومع الآخر من منطلق انتماءاتنا القطرية، التجزئة المفروضة أصبحت واقعاً ليس فقط للأنظمة التي لا يمكن أن توجد بغيره، وإنما لكل قوى المُعارضة العربية، حتى الأحزاب ذات البُعد القومي أو الإسلامي انقسمت على نفسها، بدل أن توحد دولها (مثل حزب البعث أو أخيراً الإخوان المسلمين).

إنني أطرح مفهوم عدم إمكانية نجاح أي مشروع وطني، إذا انطلقنا من مُعطيات “سايكس بيكو”، فمن غير المعقول أن نبني الوحدة أو نهزم إسرائيل من منطلق القبول بتجزئة النضال. فالعودة إلى وضع الأمة الطبيعي، أي ما قبل “سايكس بيكو” وبناء حراك عربي يتنافى تماماً مع هذه المُعطيات؛ هو الذي سيكون وسيلتنا لنصل إلى أهدافنا. فمنطلق العمل يجب أن يكون بمفهوم الأمة الذي يتنافى مع التجزئة، وأن يكون بمفهوم الديمقراطية والشعب مصدر السلطة الذي ينفي مفهوم الاستبداد. كما أن العمل من منطلق وحدوي، وبأطر ديمقراطية مُتحضرة؛ هو الذي سيكون كفيلاً بهزيمة “سايكس بيكو” وركيزته الثالثة (إسرائيل)، فلن ننتصر بجيش من العبيد.

من الخطأ أن نبني أعمالنا لتغيير أوضاعنا من الأطر التي وضعتها لنا القوى المُنتصرة في الحرب العالمية الأولى ولصالحها فقط، هذه الأُطر موجودة أصلاً لإجهاض أي عمل لصالح الأمة واستقلاليتها وازدهارها، الانطلاق منه يصبح كمن يجري وراء السراب.

“الربيع العربي” كان بدأ يهُز أول ركيزة لوعاء “سايكس بيكو” أي الاستبداد،  وهو الذي كان يعول على نجاحه أنه سيؤدي إلى سقوط الإناء، وإزالة الركيزتين الأخريين. لكن المشوار ما زال طويلا لتحقيق هذا الهدف السامي.

إن فهم الصهيونية لهذا الواقع، وهذا الخطر المُقبل نحوها من “الربيع العربي”، هو ما يُفسر المواقف الإسرائيلية بالتعامل مع بعض دول هذا “الربيع” كمصر أو سوريا، وما يُفسر تخاذل الغرب في دعم النضال الديمقراطي تحت تأثير اللوبي الصهيوني، حتى ولو تعارض مع مصالحه.

لهذا لن يستطيع الشعب الفلسطيني لوحده أن يُحرر فلسطين، ويُقيم دولته السيادية على أرضها، ويحترم المعايير الإنسانية الحضارية، هذا بحاجة لأن يستطيع الشعب الفلسطيني لوحده هزيمة إسرائيل وكافة الدول المُتحالفة معها. بينما من الممكن بالتأكيد هزيمة إسرائيل وتحرير فلسطين إن انطلقنا من قوة الأمة وإمكانياتها الهائلة، يجب أن نكون جزءاً من كل الأمة، فلسنا كلاً لوحدنا.

إن العمل الدؤوب لإقامة أنظمة ديمقراطية، هو الذي سيُغير معادلة التعامل مع الغرب، المبنية حالياً على مبدأ مصلحة الغرب مُقابل مصلحة بقاء الأنظمة وتوريثها، إلى مصلحة الغرب مُقابل مصلحة الأمة العربية، وخصوصاً حقوق الشعب الفلسطيني. في هده المعادلة الجديدة وبدون حروب ستُغير أمريكا وغيرها من الدول الغربية سياساتها لصالح حقوقنا، وستصبح إسرائيل مُعيقاً أمام هذه الدول للحصول على حصتها من التعاون الاقتصادي المُربح مع الأمة. الفعل إذن يجب أن يكون منا وفينا، وكذلك التحليل والنقد يجب أن ينطلق من واقعنا، وحين نغيره بأيدينا سيتغير الآخرون.

على قوى الأمة الجديدة رغم ضعفها، أن يروا هذا البُعد التاريخي للنضال والعودة إلى مسارنا الطبيعي الذي أخرجنا منه السيدين “سايكس” و”بيكو”.

 

 

مفاتيح لفهم اشكاليات مؤتمر المناخ في باريس

مفاتيح لفهم إشكاليات مؤتمر المناخ في باريس

نزار بدران

 

لم يكن يدري العالم الأمريكي الكيميائي، تُوماس ميجلي، ببداية القرن الماضي أنه باكتشافه لاستعمال الرصاص لتحسين مردودية البنزين بالمحركات، واستعمال غاز السي أف سي، للثلاجات وأدوات منزلية أخرى، والتي كانت من أهم اختراعات القرن العشرين، لم يكن يدري بأنه قد وضع الحجر الأساسي للانحباس الحراري.

“لقد فتحنا باب ثلاجة الأرض”، هذا ما قاله المُكتشف والطبيب الفرنسي، جان لويس إيتين، والذي قام برحلات عديدة، منذ أكثر من عشرين عاماً، للقطب الشمالي، وحده وجاراً عربته بنفسه. وهو يعني أن فتح باب الثلاجة سيؤدي إلى ازدياد حرارتها، وفساد ما بها من أطعمة.

في مؤتمر باريس للمناخ، تُحاول 195 دولة أن تُغلق هذا الباب، هو مؤتمر مفصلي لأنه سيُحدد بنجاحه أو فشله مُستقبل الإنسانية على الأرض، وأشكال أخرى من الحياة.

الإنحباس الحراري المُتولد من الانبعاثات الغازية، مثل ثاني أكسيد الكربون وغاز السي أف سي، الناتج عن التصنيع في القرنين الماضيين، بسبب استعمال وسائل الطاقة الأُحفورية (البترول الفحم والغاز)، مسؤول عن تزايد درجة حرارة سطح الكرة الأرضية. لا يمكن إيقاف ذلك إلا بالحد من استعمال هذه المصادر للطاقة المُسيئة للمناخ، واستبدالها بالطاقة المُتجددة النظيفة كالطاقة الشمسية أو الهوائية أو حتى البحرية، استعمال الطاقة النووية هو ظاهرياً أقل خطراً على الانحباس الحراري، ولكنه تهديد آخر بتلوثه الإشعاعي للبيئة، كما حدث مؤخراً باليابان (حادث مُفاعل فوكوشيما 2011) أو بالاتحاد السوفيتي في العام 1985 في انفجار مُفاعل شرنوبيل النووي. لذلك فهذه الطاقة هي محط انتقادات كل الحركات المُدافعة عن البيئة ولا يمكن الاعتماد عليه بنظرهم كبديل للطاقة الأحفورية.

الدول الصناعية، خصوصاً أوروبا وأمريكا، هي الأكثر مسؤولية عن الانحباس الحراري، لسبب تركز الصناعة فيها لعقود طويلة. دخول دول عديدة أخرى، خصوصاً الصين حديثاً، بالإضافة لعولمة الصناعة، وانتقال كم كبير من المصانع المُلوثة للبيئه إلى العالم الثالث (صناعة النسيج…الخ) أدى إلى انتشار مصادر الانبعاث الكربوني بالفضاء وتطوره بشكل كبير. التقديرات العلمية تؤكد أن حرارة سطح الأرض، ستزداد بأربع درجات تقريباً بنهاية القرن الواحد والعشرين. كانت الزيادة في بداية هذا القرن هي 0.8 درجة عن الحرارة في منتصف القرن التاسع عشر، ومع ذلك فقد شهدنا بشكل ملحوظ تغيير مناخي واسع الانتشار فما بالك بأربع درجات.

يعتقد العلماء أن استمرار التزايد الحراري، سيؤدي إلى كوارث طبيعية، قد تُهدد حياة الإنسان إن تجاوز الدرجتين في نهاية القرن الحالي (أمطار غزيرة بشمال أوروبا والهند، وجفاف في جنوب البحر المتوسط ودول الساحل الإفريقي، ارتفاع مستوى البحار بسبب تمدد الماء وذوبان الجليد بالقطبين وتهجير ملايين البشر، وغرق جزر كامله وتهديد وجود دول مثل بنغلادش والاضرار بالزراعه لتداخل الفصول).

الدول المُبثة للكربون في الجو هي أساساً الدول المُصنعة، آخر الإحصاءات تُعطي الصين 22.5%، أي حوالي رُبع التلوث، يليه الولايات المتحدة بنسبة 12.0%، وأوروبا 8.0%.

مشكلة الوصول لاتفاقية دولية، للحد من الطاقة المُلوثة، تصطدم برغبة دول مثل الهند بالتطور الاقتصادي، وهي التي ستمتلك بعد بضع سنوات قليلة، أكبر عدد سكان بالعالم، متجاوزاً 1.5 مليار إنسان بحاجاتهم الهائلة المُستقبلية للطاقة للخروج من التخلف الاقتصادي.

السؤال المطروح على هذا المؤتمر إذن، هو كيفية الحد من استعمال مصادر الطاقة المسيئة للمناخ، بدون إعاقة التطور الاقتصادي لباقي دول العالم، الباحثة عن حقها الطبيعي بالرفاهية.

عُقد أول مؤتمر للمناخ بمدينة كيوتو باليابان عام 1997، ولكن قراراته لم تُحترم من العديد من الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا في زمن الرئيس جورج بوش (2001 /2009)، والذي كان يُشكك بحقيقة الانحباس الحراري.  تلى ذلك فشل مؤتمر كوبنهاجن عام 2009، والذي كان بسبب عدم قبول دولة مثل الصين، بالتزامات إجبارية التنفيذ، تبعها دول عديدة أخرى. يُضاف إلى ذلك أن المُعطيات العلمية، في عام 1997 وما تلاه، لم تكن كافية لإسكات كل الأصوات المُشككة بحقيقة الانحباس الحراري، الناتج عن النشاط الإنساني، واعتباره فقط ظاهرة طبيعية عادية. هذا العام لم يعد هناك أدنى شك أو صوت، يحتج على هذه المُعطيات العلمية المؤكدة، وأصبح تزايد حرارة سطح الأرض، لأربعة درجات نهاية القرن، شيء مؤكد، إن لم نفعل شيئاً.

في هذا المؤتمر تم اعتماد الحد الأعلى لزيادة الحرارة بنهاية القرن بدرجتان وهو سقف واطي ، وللحصول على هذا الهدف تُرك للدول المجتمعة أن تُحدد هي بنفسها التزاماتها، ثم تتحاور فيما بينها، لتصل إلى اتفاق مُلزم للجميع. يعاد تقييم هده الالتزامات كل خمسة سنوات لرفع سقفها في محاوله للوصول الى ارتفاع حراري لا يتجاوز الدرجة والنصف في نهاية المطاف.

الخلاف الرئيسي بباريس، يكمن في كلفة الانتقال التدريجي من مصادر الطاقة التقليدية المُلوثة إلى مصادر طاقة نظيفة، وقد تم الاتفاق على أن تُقدم الدول الغنية ما قيمته 100 مليار دولار سنوياً ابتداءً من عام 2020 إلى الدول النامية أو التي في طريقها للنمو، وبانتظار ذلك تعمل حالياً على جمع رؤوس أموال بلغت حوالي 10 مليار دولار، لمساعدة الدول الفقيرة، لاعتماد الطاقة البديلة النظيفة لتطورها الاقتصادي. من ناحية أخرى سيبدأ الاستغناء التدريجي عن النفط والغاز والفحم ليتوقف استخراجه نهائيا عام 2050.

الخلاف يتمحور (خصوصاً بين الهند والغرب) على قيمة التعويضات التي يجب أن تدفعها الدول الغنية (والتي كانت صناعاتها السبب الرئيسي للانحباس الحراري)، للدول النامية او التي في طريقها للنمو، لا تقبل هذه الدول أن يُحد من نموها، لذلك وجب على الدول المُصنعة الغربية، دفع كلفة عالية لمساعدة الدول الأخرى، على استعمال الطاقة النظيفة والصديقة للبيئة، لبناء اقتصادها الحديث.

إعادة النظر في مصادر الطاقة يتوازى إذن مع إعادة النظر في توزيع الثروة على المستوى العالمي.

الصين وأمريكا، واللتان كانتا حجر العثرة باجتماع المناخ بكوبنهاجن، العاصمة الدانيماركية لعام 2009، واللتان كانتا السبب الأساسي لإفشاله، بسبب تحميل كل منهما الأخرى المسؤولية الأولى بالتلوث، قد غيرتا موقفاهما واتفقتا على المشاركة بشكل أكثر فعالية، بالحد من الانحباس الحراري، وذلك بدوافع داخلية أساساً للصين بسبب شدة التلوث الحالي للمدن الصينية، والتي أصبحت مُظلمة ليلاً نهاراً وما قد يؤدي الى احتجاجات المجتمع المدني الصيني، وذلك لاستعمال الصين الفحم كمصدر طاقة رئيسي. الولايات المتحدة بدورها غيرت من سياساتها، بعد وصول باراك أوباما للسلطة، والحامل لمشروع مناخي، مُغاير تماماً لسبقه الجمهوري جورج بوش.

الاتفاق الأمريكي الصيني والذي سبق افتتاح اجتماع باريس، فتح أبواب الأمل لنجاح المؤتمر، لكونهما الدولتان المسؤولتان حالياً، عن أكبر كميات بث غازات ذات تأثير على الانحباس الحراري.

تقدر الاستثمارات الضرورية بعد 2020، حتى تستطيع الدول النامية الجديدة والأخرى بطريق النمو، للخروج من استعمال الطاقة المسيئة للمناخ لطاقة صديقة له، ب 1400 مليار دولار سنوياً، وهي حقيقة ثورة صناعية جديدة، ستُعيد حركة الاقتصاد العالمي على قواعد أكثر احتراماً للبيئة ولتوزيع الثروة.

أين هي الدول العربية من هذه المُحادثات والتحديات، ونحن دول مصدرة للطاقة ذات الأثر السلبي على الانحباس الحراري (بترول وغاز)، ظاهرياً سنكون متضررين من هكذا سياسة، لأنها ستنهي الاعتماد على البترول والغاز لصالح مصادر أخرى، ولكن لا ننسى أننا جزء من الإنسانية، ولا يمكن أن نمنع التغير المناخي المنتظر من تزايد الجفاف في بلادنا.

دول الخليج العربي وإيران، حسب الدراسات العلمية الحديثة والمؤكده، مهددة بارتفاع حراري مع رطوبه عاليه لا يطيقه الإنسان، إن لم يُحد من إنبعاث الغازات المسيئه. وصلت الحرارة المحسوسة هذا الصيف في بعض مناطق الخليج العربي وبإيران إلى 74 درجة مئوية، هذا الجو اللاهب الموعود لم يمنع السعودية ودول الخليج، من أخذ موقف معارض في اجتماع باريس مع محاولات اعاقته، حيث تُفضل هذه الدول الاستمرار ببيع النفط بأكبر كمية ممكنه (قبل إيقافه حسب مقترح الأمم المتحدة المطروح لعام 2050)، حتى لو دمر ذلك مستقبل بلادهم، متذرعة بدعم التطور الاقتصادي للدول الفقيرة. السعودية هي الوحيدة من دول مجموعة العشرين الأغنى بالعالم، التي لم تقدم قائمة التزاماتها المناخية، معها قطر وإيران والكويت والعراق، وحدها دولة الإمارات المتحدة، هي التي قدمت قائمة بالتزاماتها بتاريخ 22 أكتوبر، أي بضعة أيام قبل انتهاء المدة المحددة من الأمم المتحدة، لمعرفة التزامات دول العالم. دول الخليج بذلك تكون تقريباً هي الوحيدة بالعالم التي لم تقدم أي التزام، مع أنها ستكون حتماً، حسب كل الدراسات العلمية الأكثر تضرراً بالمستقبل القريب، مع أجواء جهنمية بانتظارها، علماً بأنها أيضاً تملك الطاقة النظيفة الأكثر بالعالم أي الطاقة الشمسية والتي ستصبح احد اهم المصادر المستقبلية.

في المجتمعات الغربية يقوم المجتمع المدني والهيئات المختصة المستقلة، بالدفاع عن البيئة، دافعاً الحكومات المنتخبه لاتخاذ مواقف وقرارات لصالح مكافحة الانحباس الحراري، بدونها قد يكون من الصعب مواجهة اللوبيات الاقتصادية.

في بلادنا  حيث الحكومات غير منتخبة، والمصالح الفئوية فوق كل اعتبار، فان المجتمع المدني سيصبح له أهمية أكبر، في الدفاع عن المستقبل المناخي للأمة. على المتعلمين والمثقفين والهيئات الاجتماعية المستقلة، أن تدفع الحكومات باتجاه العمل على احترام التطور الاقتصادي المبني على الطاقة الغير مسيئة لمستقبل الإنسان، هذه وسيلتنا للمشاركة في إغلاق باب ثلاجة الأرض.

 

 

لنتضامن مع انفسنا حتى لا نبقى عبيدا عند عبيد

 

لنتضامن مع أنفسنا

حتى لا نبقى عبيدا عند عبيد

نزار بدران

 

أين الأمة العربية والأمة الإسلامية من جوع أهل مضايا وغيرها من البلدات السورية، أين نحن من كل أشكال الموت اليومي السريع قصفاً، والبطيء جوعاً، وما بينهما تعذيباً في السجون.

أبناء الشعب السوري رجالاً ونساءً كباراً وأطفالاً، هم هدف هذا الموت الملون، القادم من صمت المشاهدين، أمام شاشات تلفازاتهم، وهم ينتظرون كل مساء الحلقة القادمة. هم لم يُدركوا بعد أنهم ليسوا فقط متفرجين، وإنما أيضاً ضحايا وبشكل آخر. ليس لهم إلا حرية واحدة، وهي رؤية موت جوعى مضايا، حتى لا يثوروا أو يطالبوا بحريتهم يوماً، وإلا لما تنافست قنوات الأنظمة لبث صور المُعذبين. فهؤلاء المتفرجين، هم أيضاً جوعى، لأنهم لا يملكون ثمن وجبات طعام أبنائهم، ولا دواءَ مرضاهم، ولا يُقبل منهم إلا السمع والطاعة لولي أمرهم.

أن نموتَ هنا الآن، أو هناك غداً، هو الثمن الذي قد ندفعه للحصول على حق أبنائنا بأن لا يموتوا جوعاً، وأن لا يبقوا عبيداً عند السلطان، يعيشون على فتات موائده. الاكتفاء بموقع المشاهد، لن يحمينا من السقوط بدورنا، في دائرة حصار الجوع، الذي تفرضه الأنظمة علينا.

الخروج للمطالبة، في كل مدن العرب، بالحرية لأهل مضايا، واجب طبيعي، فاين هم شبابُ ساحات التحرير وميادين الاعتصام، والذين خرجوا بالملايين في القاهرة أو تونس. الهم واحد والقاتل واحد وكلنا هدف له، فلا يجوز أن نترك أهل مضايا من  دون أن نرفع صوتنا عالياً.

أين هم العرب، والذين تغنوا ببلاد العُرب أوطاني من الشامِ لتطوانِ، وهم يفتخرون    بصيحة وامعتصماه. أين هم المسلمون والقرآن يقول “من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً”, أو نبيهم “لأن تُهدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من أن يُراق دم امرىء مسلم”. وأين هم مسيحيونا الذين حملوا راية العروبة لسنوات طويلة، ودينهم يقول بالكتاب المقدس “الله محبة ومن يَثبُت في المحبة يثبُت في الله والله فيه”.

هل مزقت الحدود التي وضعها الاستعمار في أوطان العرب والمسلمين عقولنا، وحولتنا من عرب إلى مصريين وسوريين وفلسطينيين، ثم إلى علويين واكراداً وبربر ودروز، ثم إلى شيعة وسنة ومسيحيين ويزيديين وحوثيين وغيرهم.

اهتمام العالم بضحايانا وجوع أطفالنا ودمنا السائل، لن يحدث إلا عندما يكون لها صدى بين أهلهم الأقربين. هكذا فهمنا تضامن العالم مع ضحايا باريس، بعد تضامن كل فرنسا وأوروبا معهم.

الأقربون أولى بالمعروف، فهل رددنا الجميل للشعب السوري وأهل مضايا، لدفعهم ثمن الحرية بالنيابة عنا. انتصار سوريا الثورة سيكون انتصاراً لكل الشعوب العربية المظلومة، وهزيمتها ستُعيدنا في كل دولنا، لوضع أسوأ مما كنا عليه، قبل بدء الحراك العربي بتونس، وستصبح قوى الثورة المضادة أعنف واشد فتكاً من الأنظمة التي ثرنا ضدها، وسنقول “أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض”.

فلننصر أهلنا المواطنين في مضايا وفي كل سوريا كمواطنين، لا كقطعان أو شلايا طوائف ومذاهب، ولنتضامن مع أنفسنا حتى لا نبقى عبيدا عند عبيد، ولأننا بذلك ننصر أنفسنا، ونسمح للعالم أن يتحرك أخيراً معنا ويدعمنا لنيل الحرية. ولنسمع كلمات محمود درويش “وأنت تُعد فطورك فكر بغيرك لا تنس قوت الحمام”.