الربيع العربي زمن الردة

الربيع العربي وزمن الردة

د. نزار بدران

كل فعل له رد فعل، وبمفهوم الثورات الاجتماعية، هز أركان نظام سياسي واجتماعي لإزالته لن يتحقق بين ليلة وضحاها، هذا النظام المتهاوي له أعمدته المبنية بمعظم الأحيان على أجهزة أمنية وعلى طبقة سياسية واجتماعية تحميه وتدعمه. هؤلاء جميعهم مستفيدون من الوضع القائم كما هو،  الوضع الذي تهدف الثورة إلى تغييره.

أعمدة الحكم إن أخذنا مثلاً عليها دوله عربية مثل مصر تعتمد على طبقة المنتفعين ورجال الأعمال والتجار. سياسة الدولة التي يتحكمون بها عن طريق الحزب الواحد الحاكم تسمح لهم بسن القوانين المُناسبة لإعطاء نهب عرق وشقاء الفقراء غطاءاً قانونياً. مؤسسات الدولة بما فيها الإعلام والقضاء تنجر هي أيضاً إلى هذا المستنقع، إما بالخوف أو بالمضايقة أو بالمنفعة عن طريق المشاركة بالوليمة.

إن أخذنا نموذج دولة قوية بثرواتها الطبيعية، فمنفعة الطبقة الحاكمه مبنية على مبدأ سرقة وبيع ثروات الوطن بدل فتح مجالات العمل أمام الناس للإنتاج ,تصبح هذه الدول ريعية بامتياز يُشكل بها بيع النفط مثلاً أهم مصادر ميزانيتها ويسمح بالنهب على شكل هائل, هذه الأنظمة لا تُعطي شيئاً إلا للحفاظ على السلم الاجتماعي وتقوم الطبقة المُستفيده بدورها بالاستحواذ على كل مفاصل الدولة من الإعلام للتعليم والقضاء وغيره.

العمل الثوري يهدف إذاً إلى استعادة الشعب لسيادته المُصادرة وأحقيته بالسيطرة على مردود عمله أو التوزيع العادل للثروة واستثمارها لبناء اقتصاد إنتاجي، بالتالي هذا يهدف إلى إنهاء سيطرة طبقة المُنتفعين من الوضع القائم واللذين شحذوا وسائل بقائهم وطوروها مثل جيش عقائدي مُسيس، تغذية التناقضات الاجتماعية العرقية والدينية والاستحواذ على دور الراعي للسلم الاجتماعي.

نموذج ثورات الربيع العربي لا يختلف كثيراً عن الأمثلة الأخرى بالعالم، مع أنه يتميز هذه الأيام بعنف الثورة المُضادة أو قوى الردة، والتي تحاول بكافة الوسائل البقاء كما بسوريا والبحرين أو استعادة السلطة كما في مصر واليمن.

حجم العنف المُمارس من طرف هذه الأنظمة واستعدادها لتدمير الأوطان وتغيير معالمها يُثبت لنا سلامة طرح وُجوب ذهابها واسترجاع السلطة للشعوب. فهكذا حكومات لا يتصور أحد أن تبقى على رقاب العباد إلى أبد الآبدين، وما لا يفهمه هؤلاء أن زيادة الاضطهاد والتدمير لن تزيد إلا إلى تقوية شرعية الحراك ضدهم، وإزالة آخر أوراق توت الشرعية التي يختبؤون ورائها.

تمسك المُستفيدين والمنتفعين بالسيطرة على مقاليد الأمور للإستمرار بنهب الناس وسرقة الأوطان هو شيء مفهوم، ولكن الأقل فهماً هو تمزق الطرف الآخر الداعي إلى التغيير.

الحراك الثوري العربي الهش، وضع ثقته عن طريق الانتخابات كما حدث بمصر وتونس بأحزاب سياسية ذات بُعد ديني وبرنامج سياسي إصلاحي. الفكر الإصلاحي بطبيعته لا يدفع لتغيير الوضع القائم، وإنما لإصلاحه فقط، هو الفكر السائد حالياً بأوروبا والدول الديمقراطية والتي لا حاجة لها لثورات شعبية. في بلادنا هذا الفكر يتناقض حالياً مع مفهوم تغيير الأنظمة وإزالتها الذي طالبت به الجماهير في ميدان التحرير وشارع بورقيبة ومدارس درعا وساحات صنعاء وعدن وميدان اللؤلؤة “الشعب يريد إسقاط النظام”.

انعدام وجود حركات ثورية قادرة على تلقُف الكرة المُلتهبة من الجماهير الثائرة، مهما كانت تبريرات ذلك من عنف النظام ضدها أو عدم شعبيتها أو في معظم الأحيان عدم انتمائها إلى الفكر الديمقراطي، أدى إلى أن الحركات الإسلامية الرافعة لشعارات الديمقراطية والقابلة لمبدأ التبادل السلمي للسلطة، استلمت تلك عن طريق الانتخابات. لسوء حظ المصريين الفكر الإصلاحي للإخوان المسلمين أدى بشكل تلقائي إلى حلول إصلاحية يعني العمل على إصلاح الواقع القائم وليس تغييره وهو ما أوصل إلى أولا، التفاهم مع العسكر ثم السكوت والقبول بقضاء النظام السابق الفاسد، بما فيه حل البرلمان المُنتخب، والذي طبعاً انتهى كما يجب بعودة النظام السابق، لأن الفكر الإصلاحي الإخواني المصري لا يستطيع أن يبني في بلاد قامت بها ثورة وشعب يُطالب بميلاد جديد. هذا ليس خطأ الإخوان المسلمون وإنما طبيعة الأشياء. الحراك الثوري في مصر مُطالب بخلق قياداته الثورية والتي عليها أن تعمل على إعادة الثورة إلى شعارها الأول وهو إسقاط النظام وليس فقط إصلاحه.

في تونس تم تحييد قوى النظام السابق لضعفه أولاً ولوعي الحركات السياسة التونسية بمختلف اتجاهاتها أبعاد وأهمية الفترة الجديدة ورفض إعادة تأهيل أي طرف من النظام السابق، وهو مبني على وعي الشعب التونسي أصلاً ومراقبته لهذه الأحزاب وبرامجها السياسة.

نحن نعيش زمن الرده، هذا الزمن هو أيضاً جزء من زمن الثورة وليس هزيمة للفكر الثوري، هكذا تسير الأمور. مُعظم ثورات الشعوب في هذا الزمن أو في التاريخ تعرضت لذالك لأن قوى النظام السابق لا يمكن أن تذهب بمحض إرادتها. هزيمتها إذاً هي بداية العهد الجديد وليس التفاهم معها على حلول إصلاحية (مصر واليمن).

نموذج الثورة الفرنسية بالقرن الثامن عشر يُظهر أن الجماهير التي حررت الباستيل سنة 1789 ووضعت لائحة حقوق الإنسان ومفهوم المواطنة وفصل الدين عن السلطة، إنكفأت على نفسها وسمحت بعودة النظام الملكي السابق على مدار أربعة وثلاثين عاماً، قبل عودة قيم الثورة من جديد.

نموذج التغيير الديمقراطي في تشيلي ووصول سلفادور أيندي للسلطة بانتخابات 1970 لم يدم إلا سنوات ثلاث، وحكم الجنرال بينوشي البلاد لسبعة عشر عاماً ،  بعد انقلاب عسكري قبل عودة الديمقراطية من جديد وعودة بينوشي إلى المحكمة والسجن على جرائمه.

أهمية الربيع العربي هو أنه بدأ بعد عقود طويلة من السنين العجاف كدنا نيأس من كل شيء. هذا الحراك سيكون صعباً وبطيئاً ورد السلطة قاسياً ودموياً ولكن الخوف والقبول بالظلم لم يعد القاسم المُشترك لهذه الأمة، بل حب الحرية والتضحية من أجلها. وسيعود المسار نحو التوجه إلى الأمام من جديد، وكما قال الله في كتابه الكريم ولا تقنطو من رحمة الله.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

29/3/2015

الدولة اولا والسلطة ثانيا احزاب مصر ما بعد الثورة

 

الدولة أولاً والسلطة ثانياً

أحزاب مصر ما بعد الثورة

د. نزار بدران

عندما خرجت الملايين من أبناء وبنات الأمة متظاهرين، لإخراجها من سُباتها العميق الذي دام لعدة قرون، تلقفت هذا الحراك أيدي الأحزاب المتواجدة أصلاً بالساحة العربية؛ إسلامية وليبرالية أو يسارية، ووجدت نفسها بعد سنين عجاف طويلة في موقع السلطة. حدث ذلك في مصر في العام 2011، وكذلك في ليبيا واليمن. ولكن النتيجة الظاهرة والملموسة حتى الآن، أن هذه الأحزاب بكل اتجاهاتها الفكرية، لم تستطع أن تحمل أحلام الناس، ولم تحقق شعاراتهم في الحرية والكرامة، والتخلص من الفساد والظلم والتهميش.

لماذا هذا الفشل، ومن هو المسؤول عنه؟، هل هو فشل الملايين الثائرة المتظاهرة سلمياً، والتي أسقطت حكومات ورؤساء، رسخوا أركانهم بأرض الفساد لعشرات السنين، وضربوا عميقاً جذورهم في دولتهم العميقة، أم فشل الأحزاب التي استلمت الراية منهم، ولم تكن قادرة على دفع سفينة الحرية باتجاه ريح الثورة، لتصل إلى بر الأمان؟.

هناك من يتهم المتظاهرين باستباقهم الأحداث، وكان عليهم الانتظار حتى يخرج من صفوف الأمة رجالاً عظاماً، ليلهموا الحراك الثوري، قد نتمنى ذلك؛ ولكن لا نستطيع أن نفسر به أي حركة ثورية أو إنتفاضة بالعالم؛ كانتفاضة “تيانان مين” في الصين في العام 1989، أو الثورات الملونة في أوروبا الشرقية الشيوعية بنهاية القرن الماضي.

حركة الناس تخضع لقوانين لا تلتزم الخطط التي يضعها المفكرون بالعالم؛ وانهيار الاتحاد السوفيتي الذي لم يتوقعه أحد، أو عديد من أحداث العالم يُثبت عدم جدية طرح انتظار “الإمام المُنقذ” للجماهير المُعذبة، والثورة الفرنسية نفسها والتي كان لها مفكروها  العظام، لم تكن لتوجد أصلاً لو لم تتغير المُعطيات الموضوعية على الأرض، وخصوصاً بدءا من الثورة الصناعية بأوروبا، انطلاقاً من بريطانيا؛ ولم يكن للمفكرين أي دور في تفجير الثورة وقيادتها، وإنما فقط بمحاولة إضاءة شعلة انطلاقتها، وإلا لما رأينا الإرتدادات العنيفة وقتها وفي زمنها.

الفرق بين الثورات الناجحة، والمُجهضة أو المُتعثرة كما هي أحوالنا، هو من سيستلم الراية التي رفعتها الجماهير بشكل تلقائي؟، في الحالة الفرنسية استطاعت هذه القيادات الشابة أن تصل بعد عناء، وبعد فترة طويلة من زمن الردة (عودة الملكية 34 عاماً بعد الثورة) إلى أن تصل بالنهاية لإقامة دولة الحرية والديمقراطية والعدالة التي يطمح لها الفرنسيون. وفي أوروبا الشرقية هناك تحول ناجح كبولونيا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية، وآخر أقل نجاحاً كروسيا الاتحادية أو أوكرانيا.

المثل المصري حري بالدراسة والتحليل؛ فمصر هي أكبر دولة عربية وشعارات شبابها الثورية كانت بغاية الوضوح (حرية، كرامة، عدالة إجتماعية) وملايين البشر خرجت للشوارع، وأسقطت نظاماً عتياً. ومع ذلك فهناك فشل في مصر، وعودة للنظام السابق، وبشكل أكثر قسوة، ومذابح رابعة العدوية وغيرها يُظهر ذلك.

السبب برأيي هو في التناقض الكامن بين ثورية الجماهير الهادرة، وإصلاحية الأحزاب التائقة للسلطة، فالناس لم تقبل إلا إسقاط النظام، بينما “الأحزاب الإسلامية” وبعض الليبرالية والقومية كانت على استعداد للتعايش معه، ومواقف “الإخوان المسلمين” وتهافتهم على طاولة عمر سليمان، ما زالت عالقة في ذاكرة الناس.

المشكلة إذن تكمن في الفكر الإصلاحي الطاغي على هذه الأحزاب، والذي دفعها أصلاً إلى اعتماد سياسات إصلاحية، بمعنى إصلاح الموجود وليس تغييره، مما أدى إلى التفاهم مع “الطبقة العسكرية” والتي هي أصلاً أحد أعمدة النظام السابق، ولها مصالح اقتصادية هائلة لن يقبل جنرالات هذا الجيش أن يتخلوا عنها.

الفكر الإصلاحي هو الذي دفع “الحكام الإسلاميين” الجُدد لمصر، لقبول قرارات المحكمة الدستورية التابعة للنظام السابق بحل البرلمان المُنتخب من الشعب، أو الطعن في شرعية المرشحين للرئاسة، وفرض الأسماء التي تريدها المحكمة. الفكر الإصلاحي هو الذي دفع “الإخوان المسلمين” إلى القبول بتقاسم السلطة مع الجيش، وإعطاءه صلاحيات غير مُراقبة ديمقراطياً من مُمثلي الشعب. كل ذلك أدى في النهاية إلى عودة جنرالات الجيش للسلطة، وإعادة “الإخوان المسلمين” للسجون أو دفنهم بالقبور.

الخطأ ليس في “الإخوان المسلمين” كمناضلين، وقد أثبتوا على مدار عشرات السنين استعدادهم للتضحية من أجل أفكارهم، ولكن هو في هذه الأفكار التي في أحسن الأحوال يمكن وصفها بالإصلاحية؛ التفاهم مع السلطة ومشاركتها الحكم، كان أقصى ما يمكن أن يحلم به “الإخوان”، زمن مبارك والسادات وجمال عبد الناصر.

إن نظرنا للموضوع من منظار الحركات الليبرالية والقومية واليسارية، فالأمر قد يكون أسوأ، فهؤلاء كانوا يتهمون “الإخوان المسلمين” بعدم الديمقراطية واستحواذهم على السلطة بالكامل، ونسوا أن الشعب المصري هو الذي خولهم ذلك على مدار خمسة انتخابات عامة مُتتابعة، لم ينجح بها هؤلاء المنتقدون ولا مرة واحدة. من الطبيعي في النظام الديمقراطي أن المُخول بالانتخابات على عكس ما يُعتقد، عليه واجب استلام السلطة وليس تقاسمها، فهي مسؤولية أنيطت به من قبل المُنتخبين.

هؤلاء الذين كنا نظنهم أمل الأمة بالحكم الديمقراطي، لم يجدوا أي حرج بالتحالف مع النظام السابق، مُمثلاً بجنرالات الجيش للإطاحة بنظام ديمقراطي مُنتخب من الشعب. ونجح السيد صباحي والسيد البرادعي الحائز على جائزة نوبل للسلام بإبعاد “الإخوان”، ولكنهم لم يستطيعوا كما كانوا يظنون استلام السلطة خارج إرادة الشعب وبالانتخابات. إن تسرعهم بالتحالف مع الفلول وأعداء الثورة يُظهر مدى هشاشة هذا الفكر، فظاهره ديمقراطي ولكن عمقه ديكتاتوري. فهو يهدف للوصول إلى السلطة بأي طريقة، ولا يحترم أبداً أصول التبادل السلمي للسلطة وقواعد العملية الديمقراطية، هو بشكل أو بآخر امتداد للفكر الناصري الذي يستمد شرعيته من طبقة الضباط المسيطرة على الجيش وليس من الشعب. ومثل الجزائر لم يُجد هؤلاء نفعاً، فمحاولة الجزائريين دخول الديمقراطية في نهاية الثمانينات وتنظيم انتخابات حرة، قبل بها حزب جبهة التحرير الحاكم، لم يمنعه من الانقلاب على العملية الديمقراطية لصالح بقاء الجيش بالسلطة، وإدخال البلاد في حرب أهلية استمرت أكثر من عقد، وأودت بحياة أكثر من ثلاثمائة ألف مواطن.

هرب البرادعي والإختفاء السياسي لصباحي، يدل أيضاً على ضعف هؤلاء، حتى في التفكير الصحيح لصالح حركاتهم السياسية، فأي دارس للتاريخ يدرك أن من يتحالف مع العسكر لن يترك له هؤلاء أي موضع قدم في السلطة، وجنرالات الجيش استعملوهم أيضاً كأدوات للوصول للحكم ثم أزاحوهم جانباً، فهم لا يريدون رقيباً؛ حتى من بين من يتحالفون معهم.

لذلك يتوجب على من يقرأ التاريخ من السياسيين، أن يعرف ذلك، فمثلاً الكاتب الفرنسي والمفكر الشهير “شاتو بريان” كان قد حذر الثوار من مغبة إعطاء السلطة للعسكر (وإلا راحوا بألف داهيه)، كان هذا في نهاية القرن الثامن عشر، ولم يستمع إليه الثوار، ووصل نابليون جنرال الجيش، وأدخل فرنسا في حروب لا تنتهي، وعادت الملكية بعد ذلك لمدة 34 عاماً.

الفكر الحقيقي للإنسان، هو ما يفعله، وليس ما يقوله، هذه قاعدة في الفلسفة، الفكر الديمقراطي هو بالأساس الممارسة الديمقراطية. التحالف مع قوى نظام سابق باغ، لا يمكن أن يوضع تحت شعار عدم التجربة وعدم المعرفة، فعبر التاريخ ودروسه متوفرة على الدوام، ويستطيع كل راغب الاستفادة منها، وإنما ذلك حقيقة هو انعكاس لفكر لا ديمقراطي، وإن تشدق بالعكس. فالدرس المصري أظهر بشكل واضح خطأ من كان يظن بإمكانية اليسار المصري والليبراليين والقوميين؛ على الأقل الجزء المُتحالف مع العسكر، وهم الأكثر ظهوراً، ببناء صرح دولة ديمقراطية حديثة، ورُب ضارة نافعة.

مأساة الشباب المصري الذي لم تتح له فرصة بناء أحزاب ثورية ذات قاعدة شعبية واسعة، أنهم وقعوا بين الإخوان المسلمين والأحزاب المُتحالفة مع العسكر، والذين لم يميزوا بين السلطة والدولة، فالتنازع على السلطة كان على حساب بناء دولة مصر الحديثة والتي على العكس، كان يجب أن تكون هدف كل عمل سياسي وبالتوافق، وأولوية كل الأحزاب المشاركة بالثورة.

الفترة الثورية الحقيقية تهدف دائماً إلى إنهاء النظام السابق بكل أعمدته، وإبعاد كل أطرافه وإخراجهم من اللعبة السياسية. وفي الحالة المصرية هم جنرالات الجيش والضباط المسيطرين على المخابرات والأمن وكبار قُضاة المحاكم العُليا المُعينين من مبارك وكبار رجال الأعمال الناهبين لعرق الجماهير. الهدنة مع هؤلاء وتقاسم السلطة كما فعل “الإخوان المسلمون” أو التحالف معهم، كما فعلت الأحزاب الأخرى المشاركة بإسقاط الديمقراطية، ما كان لكل هذا إلا أن يؤدي إلى ما آلت إليه الأوضاع في مصر الآن، من حيث انفراد الجيش الكامل بالسلطة.

المطلوب الآن عودة السلوك والممارسة الديمقراطية إلى أوساط الحركة الشعبية، والتعبئة من أجل إيجاد أحزاب ديمقراطية، تهدف أولاً وقبل كل شيء؛ إلى إعادة بناء دولة مصرية ديمقراطية تعددية، وبناء المؤسسات المستقلة القوية، ووضع أسس دولة المواطنة (للمزيد أنظر فيس بوك الدكتور نزار بدران) وليس على وضع برامج سياسية للحكم والسيطرة على السلطة، وكأن الديمقراطية قد رسخت والدولة الحديثة قد أُقيمت، وهو ما سيكون موضوعنا لمقال قادم.

 

طبيب عربي مقيم في فرنسا

 

يوم الأرض

يوم الأرض الالتفاف حول فلسطين

1948

نزار بدران

هي فلسطين ؛ هي الأرض التي وُلد فيها آباؤنا وأجدادنا منذ وُجدت وتنفست الحياة، عاش بها أجدادنا الكنعانيون وفيها وُلد وعاش الأنبياء والرسل، هي أرض النور والهداية للعالم، أرض التّسامح والمحبّة، فيها وجد الضعفاء والمظلمون الملجأ الآمن، اختلطت فيها الأعراق والأنساب أعرباً كانوا أم أرمن، مسيحيين كانوا أم مسلمين. هي التي أسرى إليها الرسول الكريم وولد فيها السيد المسيح، احتضنت عمر بن الخطاب والناصر صلاح الدين الأيوبي، من أرضها طُرد الصليبيين وهزمت أسوار عكاها نابليون، واضعة حداً لحملته بعد أن احتل كامل مصر. رمز القدسية وأرض الحضارة والمدنية ، فيها أريحا أقدم مدن العالم. انفتاح الأمة العربية والشعب الفلسطيني على الآخر كان رمز فلسطين ولكن دون ضعف أو هوان.

أن يدُنس أرضها الغزاة الصهاينة لا ينزع شيئاً من كل هذه الأبعاد بل يزيدها توهجاً وشموخاً ، وواجب الدفاع عنها يقع على الأمة جميعا وليس على  الشعب الفلسطيني وحده.

كل إنسان حرّ له وطنان، وطنه وفلسطين، كنلسون مانديلا الذي قال بعد تحرير شعب أفريقيا الجنوبية بسوده وبيضه، لن تكتمل حريتنا إلا باستعادة الشعب الفلسطيني حريته.

استشهاد أبناء الجليل قبل عقود من الزمن دفاعاً عن الأرض، وصمود أبنائنا وأهلنا في غزة الإباء وفي نابلس والقدس والنقب وحيفا ويافا، هو صمود بانتظار صحوة الأمة حتى تأخذ دورها الطبيعي وتسترجع حقوقها في جزئها الأكثر أهمية…فلسطين، حلقة الوصل بين الشرق والغرب، بين المتوسط والبحر الأحمر، بين مشرق العرب ومغربهم.

لن يطلب الفلسطيني الثأر من أحد بل يطلب استرجاع الحقوق وأولها حق كل لاجىء بالعودة إلى قريته وأرضه ليزرعها من جديد بليمونه وبرتقاله، وحق كل طفل فلسطيني بالانتماء الطبيعي لوطن آبائه وأجداده.

حضارة هذا الزمن والتي نأمل كأمة أن نكون جزءاً منها تُؤكد على حقوق الإنسان الأساسية وأولها حق الاجىء والمُهجر بالعودة لبلاده.

المطلوب من قيادات الشعب الفلسطيني المدرك تماماً لحقوقه، أن تُدرك هي أيضاً هذه الحقوق، ولا تضعها في سوق النخاسة للبيع والشراء. العودة إلى ثوابت الوطن وأولها حق العودة والعيش بأمان وحرية على ترابه يتناغم تماماً مع قيم زمننا، الذي تحاول به الأمه النهوض من سباتها وتصرخ عالياً مطالبة بكرامتها وحريتها، فلنلتحق بهذا الركب الهائج في وطننا وفي أوطان الشعوب الأخرى، ولا نبقى وحدنا ننتظر رحمة أمريكا والأمم المتحدة.

لا يُعقل أن يظل اللاجئون الفلسطينيون بالمخيمات مُضطهدين ،يعانون الجوع والفقر والحرمان منذ أكثر من ستين عاماً، وهم أبناء البلاد التي بارك بها ومن حولها الخالق، بلاد اللبن والعسل.

شعبنا المُشتت في بقاع الأرض عليه أن يتوحّد  ويلتفّ من جديد حول نضال أبناء أهلنا في فلسطين المحتله عام 48، لأنهم كانوا وما زالوا الشوكة التي تقضّ مضجع إسرائيل وتثبت كذب ادعاء الفكر الصهيوني بالانتماء إلى مجموعة الفكر الإنساني، هذا الفكر الذي يُطالب بالنقاء العرقي بطرحه مشروع يهودية الدولة الإسرائيلية، متناقضاً ومتعارضاً تماماً مع مبادىء حقوق الإنسان وأولها حقه بالعودة إلى وطنه.

30/3/2015

طبيب فلسطيني لاجىء في فرنسا

دولة المواطنة بين حلم اليقظة وكابوس الطائفية

 

دولة المواطنة

بين حُلم اليقظة وكابوس الطائفية

د. نزار بدران

غطت زُرقة السماء العربي كتل وطبقات الدخان المُتصاعد من محارق الطائفية والاستبداد. فما هو سببها وكيف نعمل على إطفائها، ونتخلص من الطائفية البغيضة. حيث يشكل الانتماء للقبيلة أو الطائفة، على حساب الانتماء للدولة أو الأمة السبب الرئيس لانهيار الكثير من الدول والأمم. فالطائفية لم تحم في يوم من الأيام أحداً؛ لا أقلية ولا أغلبية، والأمثلة الحالية في العراق وسوريا واليمن تُثبت أن من يزعم إنه يدافع عن مصالح طائفته، إنما هو في الحقيقة من يحفر قبرها،  ويُيتم أطفالها ويُدمر مدنها. وما نموذج الحكم الأمني السوري، ومئات آلاف القتلى من أبناء الطائفة المحظية، ومن يواليها من أبناء الطوائف الأخرى، وانسداد أُفق إمكانية تواجدهم في سوريا موحدة، أو مثال الحوثيين في اليمن، وما آلت إليه أحوال طائفتهم إلا دليلاً على ذلك.

الحكم الاستبدادي هو سبب تغول الطائفية والمذهبية المقيتة، حين يُحول تناقضه مع مجتمعه إلى تناقض المجتمع مع نفسه، مما يعطيه شرعية البقاء بدعوى حماية الناس من بعضهم البعض، وخصوصاً عندما يستشعر توحد المجتمع ضده، أو بدء حراك ثوري للتخلص منه. هذا ما كان يحدث أيضاً في الدول المُستعمرة سابقاً مثل المغرب، عندما وضع الفرنسيون قوانين خاصة بالبربر (الظهير البربري 1930)، والذي يميز بالحقوق بين أبناء الوطن الواحد، كذلك في الجزائر، حين جرى سن قوانين خاصة بفئة من الشعب الجزائري.

فئات الشعب المختلفة وطوائفه العديدة، لم تكن في أي دولة مصدراً للحروب، وإنما اُستعملت دائماً من السلطات المستبدة أو المُستعمرة لهذا الهدف. فقد تعايش العرب والأكراد على مدى قرون، ولا ننسى صلاح الدين الأيوبي الذي حرر فلسطين. وتعايش وتصاهر الشيعة مع السنة في العراق على مدى عشرات السنين.

لذا فإن الحفاظ على مصالح الطائفة، لا يتم حقيقة إلا بالدفاع عن مفهوم المواطنة، والانتماء إلى شعب واحد متنوع بطوائفه. لكن بنيانه السياسي مُقام على أساس الفرد المواطن وحقوقه. هذا لا يعني إنهاء التنوع العرقي واللغوي والديني في المجتمع، بل على العكس هذا التنوع هو أحد أسباب غناه. أنك أمام القانون كغيرك لا أفضلية لك لانتمائك لطائفة ما، ولا حقوق خاصة لك لهذا السبب.

الدولة الديمقراطية الحديثة، تُعامل سكانها على أساس مواطنتهم، فهم سواسية كأسنان المشط، لا فرق في الحقوق السياسية والاجتماعية بين مسيحي ومسلم أو علوي وسني أو عربي وكردي، هم في نفس الوقت المسيحي والمسلم والعلوي والسني والعربي والكردي، يشكلون ما يشبه قوس قُزح يزيد المجتمع تألقاً وجمالاً، ويُثري الثقافة المشتركة.

أن نكون مواطنون في دولنا، هذا لا يمنعنا من أن نمارس شعائرنا الدينية، ونتكلم لغاتنا الخاصة، ونتعلمها ونُعلمها ونحتفل بأعيادنا. ولكننا في نفس الوقت لنا نفس الواجبات والحقوق أمام العقد الاجتماعي الذي يجمعنا؛ الحق بالعمل والتعلم، والحق بالمشاركة بكافة مؤسسات الدولة؛ بما فيها الجيش والشرطة، الحق بالترشح والترشيح في أي منصب في الدولة،  بما فيه منصب الرئيس، الحق بالانتماء لأي حزب سياسي، لأن الأحزاب في دولة المواطنة، لا توجد إلا للدفاع عن الأمة كاملة، وليس عن فئة منها.

لذلك لا تسمح دولة المواطنة لفئة طائفية ترفع شعارات طائفية بالعمل السياسي باسم الأمة جمعاء، كما يحصل حالياً في بلادنا من سوريا ولبنان إلى اليمن والعراق. دولة المواطنة تُعامل كل الطوائف على قدم المساواة وتعترف بكل خصوصياتهم وتحترمها.

هذه الدولة لا تستطيع أن توجد إلا في إطار ديمقراطي، حيث الأطر الديمقراطية وحدها التي تستطيع أن تبعد شبح تسلط فئة، أو طائفة واحدة، على سُدة الحكم والتحكم برقاب الشعب، كما نراه في كل الدول الديكتاتورية، والأمثلة في دولنا العربية عديدة.

هذه الدولة لا توجد إلا باحترامها لمعايير الحضارة الحديثة؛ من احترام حقوق الإنسان وحقوق ألأقليات والمساواة بين المواطنين، مهما كان جنسهم، وحماية الضعفاء واحترام حقوق اللاجئين والمُهجرين، والتوزيع العادل للثروة الوطنية، وإتاحة فرص العمل والتعلم بالتساوي للجميع، بناءاً على مفهوم الكفاءة والمقدرة، وليس بالمحسوبية والانتماء العرقي أو الطبقي.

دولة المواطنة تعتبر المواطن، مهما كان انتماؤه الديني أو العرقي مصدراً للسلطة فيها وهو حاميها، فهي دولة ينيط بها مواطنوها، وكذا تنيط بنفسها؛ مهام بناء مؤسسات قوية وتحترم استقلال الصحافة، وتفصل بين القضاء والسياسة، وتحترم التبادل السلمي للسلطة. القاضي فيها يحكم بقانون عادل صوت عليه الشعب عن طريق انتخاب مجالسه التشريعية. هذا القانون المُقر من الشعب، بعد نقاش وأخذ ورد، مُحترم من قبل الجميع، ومن يخرج عنه يخرج عن الإجماع والعقد الاجتماعي.

هذا كله أحلام يقظة، وستُعيدني نشرة الأخبار بعد قليل إلى واقع آخر، ولكن في نفس الوقت لن نغير الواقع إلا بالعودة للأحلام والمثاليات. مارتن لوثر كنغ قُتل من أجل تحقيق حُلمه بمساواة البيض والسود، ونلسون مانديلا أمضى سبع وعشرون عاماُ بالسجن، لتحقيق حُلم إزالة الفصل العنصري بأفريقيا الجنوبية. وليس بعيداً عنا مثال عبد الكريم الخطابي من منفاه، وعمر المختار أسد الصحراء مُقيداً بالسلاسل، والأمير عبد القادر الجزائري، اللذين حلموا بطرد المستعمرين من بلادهم، وهو أيضاً حُلم السيد المسيح يُبشر بالمحبة بين الناس، وهو يسير حاملاً صليبه على ظهره في درب الآلام، وحلم الرسول الكريم هو وصديقه بالغار بإقامة دولة العدل والحضارة.

صفحات التواصل الاجتماعي الحديثة، تستطيع أن تنقل أحلام ملايين الناس وتوصلها لبعضهم البعض وتشد في عضدهم، وقد تكون أقوى وأكثر فعالية من نشرة الأخبار المُحبطة.

 

الوضع الصحي لأسرى وسجناء الحرية

 

الوضع الصحي

لأسرى وسجناء الحرية

نزار بدران

 

التقرير السنوي لمنظمة الصحة العالمية، بخصوص الوضع الصحي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، المنشور خلال شهر أيار (مايو) من هذا العام، والذي سبقه خلال الشهر نفسه من العام 2014، يُظهر بشاعة المعاملة التي يتلقاها الأسرى الفلسطينيون على يد سجانيهم الإسرائيليين.

فمنذ الاحتلال سنة 1967 ولحد الآن، أسر أكثر من 800 ألف فلسطيني، وهو ما يعني أن كل عائلة فلسطينية عانت بشكل أو بآخر ومباشرة، من أسر أحد أفرادها. ومنذ انتفاضة الأقصى عام 2000، دخل السجون الإسرائيلية 75 ألف أسير منهم 9 آلاف طفل.

يتقاطع داخل هذه السجون كل شرائح المجتمع الفلسطيني، رجالاً ونساءً، أطفالاً وكباراً، كتاباً ورجال سياسة، نواباً أو مسؤولين، لا تخلو مهنة من أسراها؛ طلاباً، جامعيون، مهندسون أو أطباء أو مهنيين.

ويستمر التقرير بتفصيل الأوضاع, فمن بين أكثر من 5 آلاف أسير حالياً، هناك 190 طفل و19 امرأة. 1500 مريض منهم لا يجدون العلاج المناسب، فمنهم المصاب بالشلل النصفي أو الكامل، أمراض القلب والرئتين، أمراض الكبد والكلى، الأمراض العصبية وأمراض السرطان والأمراض المُزمنة التي هي في حاجة لمراقبة وعلاج مستمرين. ظروف الحياة سيئة جداً، وجود الحشرات بكثافة، سوء التغذية وعدم وجود نظام للتهوية أو ضد الرطوبة. والاعتداء على بعض السجناء والتعذيب للاعتراف.

بحسب الوزارة الفلسطينية لشؤون الأسرى، فإن هناك 204 من الأسرى اُستشهدوا منذ العام 1967، منهم 71 تحت التعذيب، 53 بسبب الإهمال الطبي، كذلك تم تصفية 74 أسيرا داخل السجون أو فوراً بعد إطلاق سراحهم. يُمارس ضد الأسرى التعنيف والعزل الانفرادي للرجال والنساء على حد سواء، وتوجد عدة حالات لعائلات اعتقل منها الأم والأب، وتُرك الأطفال بدون أية عناية أو رعاية.

هؤلاء الأسرى يقاومون الجلاد، ويضحون بالغالي والنفيس، لنيل حريتهم والعودة لعائلاتهم وعملهم، والدفاع عن القيم التي أُسروا من أجلها، الإضراب عن الطعام هو أحد هذه الوسائل، ويُظهر مدى استعدادهم للتضحية بكل شيء؛ حتى بحياتهم لرفع الضيم.

السجان الإسرائيلي يُدرك أيضاً أن هؤلاء الأسرى، هم رمز حرية الشعب الفلسطيني، لذلك يريدون كسر إرادتهم، بما فيه استعمال التغذية القسرية المُحرمة دولياً، وقد ينتج عنها عواقب وخيمة. واستعمال الاعتقال الاداري.

المواطن الفلسطيني داخل فلسطين، هو أيضاً سجين الاحتلال، فالخروج من الضفة الغربية أو دخولها يتم بشق الأنفس، التنقل بين المدن والقرى مُقطع بسبب الحواجز العسكرية والمستوطنات واعتداءات المستوطنين المتكررة، كذلك بسبب الجدار الفاصل.

أهلنا في غزة هم أيضاً في سجن كبير، لا دخول ولا خروج للأشخاص، ولا للبضائع والأدوية إلا برضى السلطات الإسرائيلية، ومعاناتهم على معبر إيرتز أو معبر رفح، يُظهر مدى احتقار إسرائيل للقيم والمبادئ المُتعارف عليها. أهمية صمود الأسير الفلسطيني تنبع من هذا الترابط بالمعاناة بينه وبين أبناء شعبه.

الأسير الفلسطيني حر، لأنه يرفض الذُل والهوان، ويُطالب حتى الموت بحقوقه، والشعب الفلسطيني حر إن اتبع هذا الطريق وسار عليه، ورفض التعاون مع الاحتلال والاعتراف به، الحرية هي في النفس قبل أن تكون بالجسد.

السجان الإسرائيلي يعتقد نفسه حراً، ولكنه حقيقة سجين فكره الصهيوني الاستعلائي العنصري، عُزلة إسرائيل تتزايد في العالم والجدار الفاصل لا يزيدها إلا عُزلة. هي تبني القلاع والأسوار، واضعة نفسها في سجن من نوع آخر، محكمة الجنايات الدولية قد تبدأ لو أحسنا استعمال القانون الدولي، في دفع إسرائيل ومجرمي الحرب إلى الرعب، مما ينتظرهم أمامها، وبعض الإسرائيليين المشبوهين بدأوا بتحاشي السفر إلى الخارج، خوفاً من إلقاء القبض عليهم، بطلب من محاكم بعض الدول الأوروبية.

نلسون مانديلا أمضى 27 عاماً أسيراً بسجون الفصل العنصري بجنوب إفريقيا، ولكنه ما لان يوما، ولم يتراجع قيد أُنمله عن حقوق شعبه بالمساواة، رافعاً دوماً راية القيم الإنسانية عالياً. عندما مات بكاه البيض أكثر مما بكاه السود، لأنه حررهم أيضاً من سجن الأبارتايد الذي وضعوا أنفسهم فيه. من يظن أن حريته تكتمل باضطهاد وانتقاص حرية الآخرين خاطئ، فهو أيضاً ناقص الحرية، ولن تكتمل حريته إلا عندما ينال الجميع حريتهم ويحصلون على حقوقهم، وخصوصاً حق العودة إلى الوطن الذي سلبه منهم هؤلاء السجانون.

من درس التاريخ وتجارب الآخرين نتعلم ونعلم الآخرين أن الأسير الفلسطيني هو الحر، حر بحبه لحريته ولصموده، وأن جلاده هو السجين الحقيقي، لأنه يرفض حرية الآخرين، ويعيش في عقلية المُحاصر وراء جدران قلاعه الوهمية.

من الملام نحن ام البحر؟

 

من الملام نحن أم البحر؟

 

نزار بدران

 

تُحرك صورة الطفل الشهيد على أحد شواطئ البحر المتوسط، في نفوسنا الألم والبكاء، ولكننا نعلم تماماً أن آلاف الأطفال قُتلوا قبله، وما زال هناك من هو مرشح لأن يُقتل بعده، ولا يبكي عليهم أحد. تفنن النظام السوري بتعذيب شعبه وقتله بالغازات السامة، أو بالبراميل المتفجرة، أو التعذيب وقطع الأطراف والموت جوعاً وعطشاً داخل السجون، وهذا ما رأينا صوره بالآلاف. النظام السوري هو نظام إرهابي بامتياز، وليس فقط نظام استبدادي يرعب معارضيه، لأنه يقتل الأبرياء تخويفاً لمن قد يُفكر بالاحتجاج عليه.

لو لم يتحرك الإعلام الغربي بكثافة، لما تحرك أحد، ولا ذكر الخبر في بلاد العرب أحد، لو لم تتناقله وسائل التواصل الاجتماعي بكثافة، لبقي كغيره في غياهب النسيان.

الإعلام العربي والكُتاب العرب، يلومون دوماً الغرب على كذا وكذا، ويُلقون بالمسؤولية على كاهل الأنظمة العربية، لأنها هي المسؤولة عما يحدث، ويلومون روسيا وإيران. المشكلة أن كل هذه الاتهامات لهذه الأطراف تعني تحديد مُعسكر الأعداء الجلادين؛ النظام السوري وداعميه والساكتين عن إجرامه، ولكن لا أحد يلوم أو يذكر الأطراف التي تقف في صف الاتجاه المُعاكس، أي مُمثلو الضمير العربي والشباب العربي، من حركات اجتماعية وسياسية، ومن جماهير ثائرة.

نحن نرى عشرات الآلاف في أوروبا يتظاهرون، دعماً للاجئين السوريين، وعشرات الآلاف يستعدون لفتح بيوتهم الخاصة وقلوبهم لاستقبالهم، حتى في أيسلندا التي لا يزيد عدد سكانها عن 300 ألف نسمة. بينما لا نرى أي مظاهرة  تضامن شعبي مُعلن في شوارع عمان، القاهرة، الرياض، الرباط أو الجزائر، أين هم الإسلاميون والقوميون، واليساريون والعلمانيون، واتحادات الطلاب والعمال، والمهنيون وجمعيات التضامن وغيرها.

نحن ندرك أن الأنظمة العربية، هي جزء من المشكلة، وليست هي الأولى بالمساهمة في الحل، ولذلك ليس من المفيد ذكرها والطلب منها فتح الحدود، فهي               لن تقبل، ولكن من حقنا أن نطلب من كل مواطن عربي، أن يفتح قلبه وبيته ومحفظته لأبناء وأطفال سوريا، ويرفع صوته ضد حكامه، من حقنا أن نصرخ بوجه الأحزاب العربية والهيئات الاجتماعية، المحسوبة على معسكر الشعب؛ أين أنتم؟.

معسكر الأعداء أكثر تضامنا مع أهدافه المعلنة والمضمرة، وها هو يواصل العمل ضد الربيع العربي، وبدون أدنى رحمة، بينما معسكر التغيير والنهوض من الإستبداد ما زال نائماً ومُقسماً. وحدها مظاهرات جنوب العراق وبيروت قد تعيد لنا بعض الأمل في صحوة جديدة.

وامعتصماه، صرخة لا يجب انتظار الجواب عليها من أنظمة الظُلم والإجرام المُنتشرة على طول الوطن العربي وعرضه، والتي تُمسك برقاب 430 مليون إنسان، وإنما إلى هؤلاء الناس مباشرة، نحن الآن في زمن الشعوب وقد ولى الظلم والاستبداد في مُعظم أرجاء المعمورة، فمتى سنعود لنصحو من جديد، بانتظار ذلك، إن غرق أطفالنا في البحر، أو ماتوا حرقاً في فلسطين أو حماة، فلا يجب أن نلوم إلا أنفسنا.

اسئلة الى اللاجئ السوري

اسئله الى اللاجئ السوري

نزار بدران

لم يعد في أي بقعة في سوريا مكان آمن، تكالبت على شعبها قوى الاستبداد وقوى التخلف القادمة من القرون الوسطى. لم يعد هناك قرية آمنة ولا بيت آمن، لا تميز آلة القتل الأسدية الإيرانية الروسية بين طفل ومقاتل، أو امرأة ورجل. مئات الآلاف فقدوا أرواحهم، وآلاف البيوت دُمرت، حقول القمح والزيتون حُرقت، وآثار أجدادنا وتاريخنا هُدمت.

شُرد ملايين البشر المدنيين الآمنين، داخل وخارج بلادهم، ووجهت صرخة الحرية التي انطلقت من حناجر أطفال، درعا بجحيم من النار.

أين نحن في بلادنا العربية من كل ذلك، ننظر إلى سفن الغرق المتوسطية ومئات آلاف اللاجئين، بعد أن امتلأت بهم دول الجوار. أين نحن من استقبال هؤلاء المهجرين من بلاد العرب، ونحن نغني بلاد العرب أوطاني من الشام لتطوان؛ لم تُفتح أبواب دول شمال أفريقيا، إلا لآلاف قليلة، تُعد على أصابع اليد الواحدة، وأُغلقت تماماً أبواب الخليج (وبشهادة المنظمات الإنسانية الدولية)، والتي لا تستقدم اللاجئ السوري إلا للعمل، كأي عمالة أخرى بالعالم.

حق اللجوء حق إنساني طبيعي، كفلته المواثيق الدولية، وواجب استقبال هؤلاء المُهجرين كذلك. الاستقبال الألماني الحافل لمئات الآلاف، والذي تبعته الدول الأوروبية الغربية الأخرى هو النموذج الذي يجب أن يُحتذى، بدل أن يُنتقد. ولتعرف عزيزي القارئ، الجواب على الأسئلة التي تُراود خُلدك، اطرحها فقط على اللاجئ السوري، أو ضع نفسك مكانه لحظة واحدة، اسأله عن رأيه باستقبال إخوته العرب، بمصر وليبيا وتونس ودول الخليج، وعن ظروفه المعيشية بدول الجوار.

في أوروبا الغربية الآن، يدخل اللاجئ من الباب الواسع، ويندمج بالمجتمع الذي خرج بالآلاف لاستقباله، له حق العمل والإقامة، والتنقل والمساعدة المالية، والضمان الصحي والاجتماعي، له حق السكن وتعليم أطفاله بأحسن المدارس فوراً، والمئات فُتحت لهم خصيصاً بألمانيا.

اسأل هذا اللاجئ عن وضعه بلبنان، وعيشه بخيام تخلعها الريح، أو تحرقها شمس الصيف، أو تُدفن تحت الثلج، اسأل هذا اللاجئ عن فرص العمل التي وُفرت له، ومساواته بأخيه العربي الآخر.

اسأل اللاجئ الفلسطيني بمخيم عين الحلوة، فهو هناك منذ سبعه وستين عاماً، لماذا يُمنع من العمل بثمانين مهنة، بما فيها الطب والهندسة، ولا يُسمح له البناء والتوريث والعلاج، اسأل اللاجئ الفلسطيني إن كان مخيم عين الحلوة، هو بالنسبة له الأفضل والأقرب والأنسب، لتحضير عودته إلى فلسطين، وهو المخيم المُحاصر ويعيش أهله على الكفاف. هل اللاجئ الفلسطيني هو النموذج الذي تعطيه الدول العربية للاجئ السوري الجديد.

 

الدين المُعاملة كما يقول المثل، فأين نحن من حُسن استقبال اللاجئ مهما كان، أين حقوقه ببلادنا. حكومات الدول العربية، لم ترى باللاجئ الفلسطيني، إلا خطر محدق بها، قد يدفع تضامن شعبها معه، إلى اضطرابات داخلية، واستقبال اللاجئ السوري قد يُهدد أمن البلاد، وثبات الحكم. هذه هي المحاور الحقيقة للسياسات العربية تجاه اللاجئين، أبناء نفس الوطن ونفس الأمة ونفس اللغة، وفي كثير من الأحيان نفس الدين.

انتقدنا أوروبا عندما أغلقت أبوابها لسنوات بوجههم، ونحن كذلك، أما الآن فلا يحق لنا أن ننتقد استقبالهم الحافل الإنساني، عندما نرى بيئتنا العربية. نموذج اللجوء الفلسطيني التاريخي، منذ سبعه وستون عاماً، ونموذج اللجوء السوري الآن، يُحتم علينا أن ننظر أولاً إلى أنفسنا، ونقوم بتقويمها ونحن دول غنية بمساحتها وثرواتها الهائلة.

اللاجئ الفلسطيني والسوري بالغرب هو سند لشعبه، والدعم الذي يؤمنه هؤلاء، على المستوى المادي والسياسي لأوطانهم، وتأثيرهم الحالي والمستقبلي على السياسة الغربية، لصالح قضايا فلسطين وحرية سوريا، هو ما يُخيف اسرائيل ويدفعها لدعم مواقف دول شرق أوروبا العنصرية، مثل بلغاريا والمجر ومساعدتهم ببناء أسوارهم العنصرية، على غرار ما تعمل بفلسطين، لأنها تخاف من هؤلاء بأوروبا، أكثر بكثير من خوفها منهم في مخيمات اللجوء بالدول العربية المجاورة، الأكثر قرباً لفلسطين جغرافياً ولكن الأقل تأثيراً وخطراً عليها.

مئات الآلاف اللذين ذهبوا لأوروبا الغربية، قد يكونوا خسارة للشعب السوري، لبناء وطنهم بعد سقوط النظام، ولكنهم أيضاً قد يكونون مصدر قوة ودعم له، كما هو اللاجئ الفلسطيني في أوروبا، بينما الخسارة الحقيقة التي لا تُعوض والكارثة التي لا تُقاس، هو مقتل مئات الآلاف من السوريين، تحت براميل بشار المُتفجرة، هؤلاء ذهبوا ولن يعودوا، مهندسين وأطباء وعمال ومهنيين، أطفال المستقبل وشابات وشباب الشعب، هؤلاء ذهبوا برضا إسرائيل، وهم حق خسارة لا تُقدر بثمن.

اندماج اللاجئين بدول أوروبا الغربية، سيُزود هذه الدول بقوة عمل جديدة، وألمانيا لها تجربة كبيرة، فقد استوعبت شعب دولة كاملة، سبعة عشر مليون مواطن من ألمانيا الشرقية عام 1989 بعد سقوط الجدار، كلفها ذلك مئات المليارات، ولكنها أصبحت أكثر قوة على كل المستويات. لم يكن لتُفتح الأبواب الأوروبية بهذا الحجم، لو لم تتحرك الشعوب الأوروبية، وتُظهر انتمائها أولاً للإنسانية وترحب باللاجئين، مما أجبر الحكام على إعادة النظر بسياساتهم تجاه استقبال هؤلاء.

حان الوقت لوضع حد لنزيف هذا الجرح الدامي، وتظافر كل جهود أبناء الأمة، لنصرة إخوتهم بسوريا.

استشهاد الطفل السوري، إيلان، فتح أعين الغربيين على إنسانيتهم، فهل سيفتح أيضاً عيوننا على إنسانيتنا وعروبتنا.

 

 

 

بوتين والهروب الى الأمام

 

بوتين والهروب إلى الأمام!

نزار بدران

 

تُقدم العديد من وسائل الإعلام التدخل الروسي الحديث في سوريا،على أنه نتيجة سياسة روسية صائبة، مقابل التخبط الغربي والعربي، الذي تعودنا عليه منذ أربع سنوات، فالغرب وعلى رأسه أمريكا، يُعطي الانطباع بأنه اكتفى بالتصريحات الجوفاء، ولم يستطع أن يفعل شيئاً أمام التحالف السوري الإيراني الروسي. ولكن الحقيقة التي يجب الالتفات إليها، أن الأمر يختلف في رأيي عن ذلك كثيراً، فلو تصورنا لحظة أن التحالف السوري الروسي الإيراني كان مُنتصراً وثابتاً على الأرض، وأن قوات جيش بشار الأسد تتقدم على كل الجبهات، من درعا إلى حماة وحلب ودير الزور، لما احتاج هذا التحالف إلى تغيير تكتيكاته ودخول قوة عُظمى إلى ساحات الصراع.

لكن الحقيقة أن المشارفة على انهيار النظام السوري، وفشل النظام الإيراني والميليشيات المذهبية المسنودة من طهران في دعمه، رغم كل ما قدم حتى الآن، والخسائر الكبيرة التي مني بها حزب الله، وأمثاله من ميليشيات “الحشد المذهبي” العراقي والأفغاني، وانحسار أماكن تواجدهم لصالح قوى المعارضة، هو الذي أجبر قسراً، الرئيس فلاديمير بوتين، على دخول المعركة مباشرة، مُكرهاً وليس لكونه بطلاً سياسياً محنكاً. على أن فشل سياسة إيران في سوريا لإنقاذ النظام، رغم الدعم المالي والعسكري الهائل لروسيا، هو ما كان وراء القرار الروسي بالتدخل المباشر.

وكأي نظام غير ديمقراطي، يبني بوتين سياسته الداخلية والخارجية، على مبدأ قمع وإنهاء المعارضة الروسية؛ فهذا نظام لم يرث من الحكم الشيوعي إلا مؤسساته الاستخبارية والبوليسية، ولم يستعمل الديمقراطية والانتخابات إلا لسرقة روسيا وثرواتها، لصالح حكمه، وحكم المافيات التي يمثلها، في استعادة مكرورة لنهج حكم يحتكم ويستند بدوره لأوهام الذات القيصرية.

يأتي التدخل الروسي في سوريا، في إطار منع ولادة أي نموذج ديمقراطي في أي مكان، خوفاً من العدوى التي قد تصل إلى شعبه، ولكنه في نفس الوقت يُعطي المعارضة الروسية وسائل جديدة لتعبئة الرأي الداخلي ضد بوتين وسياساته، خصوصاً وأن ذكرى الحرب الأفغانية ليست بعيدة، ومئات الجنود الذين عادوا بتوابيت لروسيا، لم تُنس بعد، بالإضافة لمستوى الحياة المُتراجع مع الأزمة الاقتصادية، وانخفاض سعر النفط، وتكاليف حرب أوكرانيا.

بمعنى من المعاني، يشكل تدخل بوتين وبقوة عسكرية كبيرة، نوعا من الهروب إلى الأمام، حيث المخاطر تحدق وتحف بهذا التدخل من كل الجهات؛ الانتصار فيه يعني إنقاذ بشار الأسد وإنهاء الثورة، بينما الهزيمة فيه تحتم زوال بشار ونظامه. ولسوء حظ بوتين، فسوريا ليست الشيشان الصغيرة، ولن يستطيع أن ينجح في ما فشل فيه الإيرانيون، بكل قوتهم وقوة حلفائهم.

الصديق الوحيد للسياسة الروسية في هذه المرحلة هو إسرائيل، ونحن نرى ذلك كل يوم، فهي الوحيدة في العالم التي لها مصلحة حقيقية بإبقاء النظام السوري، لأنها تُدرك أن انتصار الربيع العربي، الذي سيتبع انهيار الحكم السوري، سيشكل خطراً على وجودها، فشعوب ربيع الأمة لن تقبل انتهاك حقوق جزء منها وهو الشعب الفلسطيني، وسرقة قطعة من أراضيها وهي فلسطين.

من هنا يمكن رؤية أن المشترك ونقطة الالتقاء في السياسة الدولية تجاه سوريا، هي مصلحة إسرائيل والأمن الإسرائيلي، وليس مُحاربة الإرهاب، كما يدعون ويخلقون لها الفزاعات، فالغرب بتخبطه الظاهري وفشله في دعم الثورة، يُترجم واقعياً، سياسات تتناقض مع مبادئ الديمقراطية المؤسسة له، وحتى لمصالحه المستقبلية، وذلك تحت تأثير ولصالح اللوبي الصهيوني، الذي ما زال مسيطراً على كثير من مواقع القرار ووسائل الإعلام. وروسيا من ناحيتها تتدخل كما تشاء، مداً وجزراً، وتتحالف عسكريا مع من كانوا يعتبرون ألد أعداء إسرائيل، أي إيران وحزب الله، بدون أي احتجاج إسرائيلي، بل على العكس، أُعطيت لها كل المباركة والتأييد.

لنفهم بوتين، علينا أن نُدرك مدى خوفه من الشعب الروسي ومطالبه الديمقراطية، ولنفهم الغرب علينا أن نُدرك الدور الإسرائيلي، في صياغة سياسات دوله.

قد يكون مستقبل سوريا والربيع العربي، مرتبط بشكل أو بآخر، بإرساء الديمقراطية الحقيقية في روسيا، وحينها لن تدافع إلا عن مصالح شعبها، وتتضامن مع حراك كل الشعوب، وتدعم حقوقهم بالديمقراطية والعيش الكريم. وقد يكون هروب بوتين الى الأمام “غلطة الشاطر” التي ستُعيد الصحوة والحراك إلى ملايين المقهورين في روسيا، حيث صادر بوتين حقهم بالحياة الكريمة، لصالح إمبراطوريته الوهمية. ورُب ضارة نافعة.

انتفاضة ثالثة ام ربيع فلسطيني؟

 

انتفاضة ثالثة أم ربيع فلسطيني؟

نزار بدران

تعم الأراضي الفلسطينية حالياً موجة من الاحتجاجات العارمة، يقودها شباب وفتية فلسطينيون، كما كان ذلك دائماً، فالشباب كانوا دوماً سباقون للعطاء دفاعاً عن الوطن، ذلك صحيح الآن، وصحيح أيضاً في أيام الثورة الفلسطينية الأولى، بقيادة الشيخ عز الدين القسام وما تلاها.

هؤلاء الشباب لا يتطلعون لتحقيق هدف مرسوم لهم، من قِبل القيادات والمختصون بالسياسة والمفاوضات الاستراتيجية، وإنما يؤكدون بعفوية، ولكن بإصرار، ثوابت الشعب الفلسطيني، وثوابت الفكر الإنساني. الحق أولاً والدفاع عنه حتى الموت؛ الحق بحياة كريمة عادية، والتنقل والعمل والدراسة، الحق بالخروج والدخول من وطنهم، الحق بالتعبير عن رأيهم، الحق بتملك أراضيهم وأراضي آبائهم من قبلهم، الحق بان لا تُمارس ضدهم العنصرية المقيتة ولا توضع حولهم الأسوار لعزلهم عن بعضهم البعض وعن العالم.

الشاب الفلسطيني له الحق بدخول القدس والصلاة بالأقصى وكنيسة القيامة متى شاء، الحق بالبناء والتعمير وتعليم لغته وتاريخه لأولاده وليس الخضوع لتاريخ مزور. الحق لابن اللاجئ المُهجر من أكثر من ستين عاماً بالعودة إلى قرية أبيه وزرع أرض جده. الحق بانتخاب قياداته ومراقبتها وتغييرها متى شاء, الحق بالعيش بدون احتلال ومكافحته.

هؤلاء يريدون ان يكونوا أناساً لهم كامل الحقوق المُعترف بها ككل شباب العالم، وتؤكدها كل المنابر الدولية والهيئات الأممية، وليست قابلة للنقاش والمناقصات.

شبابنا لا تهمهم المحادثات العبثية الدائرة منذ عشرات السنين مع العدو، ولا يريدون أن يستجدوا دويلة صغيرة مُقسمة مليئة بالمستوطنين كقطعة الخبز العفنة.

قيادات الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده، لم تعد تفهم هؤلاء الشباب، وما زالت تصر على نقاش تحسين شروط الاستسلام، المفروضة من إسرائيل وحُماتها الغربيون.

الشباب الفلسطيني يريد أن يربط الحق الفلسطيني ببوصلة الربيع العربي، الهادف إلى بناء أمة جديدة، لا تقبل الضيم والاستبداد، والتي ترفع شعارات الحرية والكرامة عالياً، وتسعى لبناء دول تضع حق المواطن العربي في المقدمة، وتبني بناءاً عليه سياساتها الداخلية والخارجية. دول تُكرس مواردها وثرواتها لخدمته ونموه، دول تسعى جميعاً لبناء صرح الأمة على أسس الديمقراطية, وتعامل الآخر تعامل الند للند.

شعارات شبابنا في القدس وغزة واللد أو المدن الفلسطينية الأخرى، تلتحق بنفس الشعارات التي رُفعت بتونس أو ساحة التحرير أو مدارس درعا وساحات صنعاء، وحدة الهدف ستخلُق وحدة الوسيلة وتجميع القوى لتحقيقها.

ستعود القضية الفلسطينية الهم الأول للأمة، وتحرير فلسطين هدفها، بعد أن تتخلص من براثن الاستبداد وحكم القلة المُستغلة، النضال من أجل الحرية وإزالة الظلم ودحر الاستبداد، لا يتناقض مع هدف إزالة الاحتلال وتحرير الوطن، بل على العكس هو شرطه الأول، لذلك فإن تفاعل شباب فلسطين مع شباب الأمة، ومواءمة شعاراتهم وتوحيد أهدافهم، هو الجديد على الحركة الوطنية الفلسطينية، والتي للأسف عزلت نفسها منذ أكثر من خمسين عاماً عن بُنيتها العربية الشعبية وحاضنتها الطبيعية، برفع شعارات انعزالية، تدعي ظاهرياً حماية القرار الفلسطيني، ولكنها بالحقيقة قزمت القضية ووضعتها في مهب الريح.

نأمل أن تكون الأحداث الجارية بداية الربيع الفلسطيني العربي، وليس فقط هبة جديدة لبعض الوقت، توقفها عجلة السياسة ودهاء الحكام.

 

أردغان والنصف الأخر من الشعب التركي

 

أردوغان والنصف الآخر من الشعب التركي

 

نزار بدران

 

في الانتخابات البرلمانية التي جرت قبل أيام، أعطى الشعب التركي من جديد السلطة كاملة لحزب العدالة والتنمية، وتشير التقديرات إلى أن البرلمان المُنتخب، سيتمكن من تمرير مطالب الرئيس، رجب طيب اردوغان، بتغيير الدستور، وتحويل الحكم إلى نظام رئاسي.

للأسف فإن المؤشرات التي سبقت هذه الانتخابات، أظهرت جلياً تعنت الرئيس أردوغان، وبُعده التدريجي عن الالتزام بالمفاهيم الديمقراطية، وواجب احترام الجميع اغلبية ومعارضة، وهو الذي استعمل القمع في ساحة تقسيم وغيرها ضد المتظاهرين، وحاول إلصاق تهمة التحالف مع “إرهابيي” حزب الشعب الكردستاني بحزب الشعوب الديمقراطي، ومؤججاً النزعة القومية الكردية والتركية، محاولاً بذلك إنزال هذا الحزب المعارض إلى أقل من عشرة بالمئة، الضرورية له للمشاركة بالبرلمان.

وإذا كان الشعب التركي قد صوت بأقل بقليل من خمسين بالمئة، لصالح سياسة الحزب الحاكم، وجدد له الثقة، إلا أننا لا يجب أن ننسى أن أكثر بقليل من خمسين بالمئة، قد صوتوا لأحزاب أخرى لا تقبل هذه السياسة.

على الرئيس أردوغان، كرئيس لكل الأتراك، وليس لجزء منه فقط، ان ينظر لهذا الانقسام بالتناصف بين الشعب التركي، فضعف المعارضة وعدم قدرتها على صياغة مشتركة لبرنامج حكم، هو  في الحقيقة الذي سمح له بتحقيق أهدافه. فالديمقراطية الحقة لا تكتفي بحكم نصف الشعب لنصفه الآخر، ولكنها تأخذ بالحسبان آراء جميع الناس، خصوصاً الأقليات، العرقية منها كالأكراد، أو المطالب الاجتماعية والسياسية. ومحك نجاح حكومة أردوغان الجديدة، هو برأيي بمقدار ما سيحترم المنتصر بالانتخابات مطالب الآخرين.

إن تراجع هامش الحريات العامة والفردية، والاستمرار بانتهاك حرية الصحافة والصحفيين، كما رأينا خلال الفترة القليلة الماضية، من إيقاف الصحفيين أو إرهابهم، مما أدى لهرب بعضهم للخارج، واغلاق قنوات معارضة ومقاضاتها, بشهادة المراقبين الأمميين، والمضايقات الأمنية والقضائية للمعارضين، يتنافى تماماً مع مفهوم الحكم الديمقراطي، يُضاف إليه عدم تمكن حزب الشعوب الديمقراطي من الاستمرار الطبيعي بحملته الانتخابية، واضطراره لإلغائها، بسبب التفجيرات التي أصابت تجمعه باسطنبول.

نأمل من القيادة التركية في برلمانها الجديد، أن تعود إلى القواعد العادية للحكم الديمقراطي، الذي يفتح المجال واسعاً أمام حرية الصحافة، مهما كانت انتقاداتها، وإلى احترام حقوق المواطن بالتعبير. وسترينا الأيام والأسابيع القادمة إن كان انتصار أردوغان هو حقاً انتصار للديمقراطية، وليس انتخابا لديكتاتور من طراز جديد. فالشعب التركي بإعطائه نصف الأصوات للحزب الحاكم، أفهمه في نفس الوقت أن عليه احترام الجميع، عندما أعطى النصف الآخر أو أكثر بقليل من الأصوات للمعارضين.

وإذ تراقب شعوب الأمة العربية والإسلامية التجربة التركية منذ سنوات، فلكونها نموذج ديمقراطي ناجح في كل المجالات، ويكذب ادعاءات كثير من المثقفين ووسائل الإعلام الغربية، بكون هذه الشعوب، ليست مؤهلة لدخول الديمقراطية الحقة. وما التراجعات الأخيرة في مجال احترام الحريات العامة، والموثقة من طرف المؤسسات الدولية المختصة، إلا إعادة إحياء لهذه المخاوف، وضربة موجهة لمن يرى في النموذج التركي الطريق التي يجب أن نسير عليها.

أملنا ألا تكون تجربة السنوات الثلاث عشرة الأخيرة، ونتائج انتخابات حزيران الماضي، بمثابة الممحاة الماسحة لعبر ودروس الانتخابات الجديدة. وإنما الحكمة الحقة تقتضي ليس استخلاص الدروس من الانتصارات، ولكن أيضاً وكذلك استخلاصها من الهزائم. فالشعب التركي قال كلمته بكل حرية، وعلى الجميع احترامها، ويبقى على الحكم الجديد أن لا يُخطىء فهم هذه الكلمة، حتى يُبعد شبح الصدام العنيف بين نصفي المجتمع التركي.