الدولة العربية: السير عكس التيار

الدولة العربية: السير عكس التيار! https://www.alquds.co.uk/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%b1-%d8%b9%d9%83%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%8a%d8%a7%d8%b1/

الدولة العربية: السير عكس التيار
نزار بدران

عندما انتهى زمن الإمبراطوريات وأُقيمت الدول على أساس مبدأ الأمة، استثنى التاريخ – على ما يبدو – الأمة العربية. فنحن وحدنا من نعيش في دول عديدة تتجاوز العشرين، دونما أي سبب سوى أننا ما زلنا في زمن “ما قبل الدولة”، بينما وصلت شعوب أخرى إلى ما يُدعى مفهوم “ما بعد الدولة”، أي تجمع شعوب وأمم في كيان واحد.

إننا نمشي عكس التيار منذ انحسار الإمبراطورية العثمانية، التي كانت تجمع شملنا في إطار واحد. أدى تفتت ما كان ينبغي أن يكون موحدًا إلى تشتت الوسائل اللازمة لبناء هذه الدولة، مما أفضى إلى اختفاء أي دور عربي فعال في السياسات العالمية، بما فيها تلك التي تهمنا مباشرة كالقضية الفلسطينية، أو كما نرى حاليًا في حرب غزة.

لا يُفسر فشل الموقف العربي في منع حرب الإبادة الإسرائيلية بطبيعة الأنظمة فحسب، بل أيضًا بطبيعة الدول التي تحكمها هذه الأنظمة، وطبيعة الشعوب التي تظن أنها خُلقَت أممًا ناضجة منذ الأزل، بينما هي تفتقر حتى إلى وسائل الدفاع عن نفسها وعن حق مواطنيها بالحياه. كما رأينا في حرب لبنان الأخيرة، وخراب الدولة اللبنانية التي تحولت إلى كويكب يدور في فلك أمريكا وإسرائيل، حتى بعد اختفاء حزب الله وتوقفها عن الدوران حول إيران.

هذا ما رأيناه أيضًا مع الهجمات الإسرائيلية على سوريا ما بعد الأسد؛ فبرغم تحرر الشعب السوري من سلطة استبدادية، إلا أن سوريا الجديدة لا تملك أدوات حماية نفسها، لذا فهي تناور في كل الاتجاهات بحثًا عن وسيلة لتجنب المصائب. لقد أظهر الهجوم على قطر بوضوح أن حتى أقرب حلفاء أمريكا لن يكونوا بمنأى عن الخطر. فالتقدم الاقتصادي الظاهري لدول الخليج، بفضل النفط واليد العاملة الأجنبية، يبقى عرضة للخطر، ويقع تحت رحمة القوة العسكرية الإسرائيلية التي تستطيع أن تتركه متى شاءت وتدمره متى أرادت.

لا يوجد على أرض العرب الممتدة على 13 مليون كيلومتر مربع من يستطيع الوقوف في وجه إسرائيل التي لا تتجاوز مساحتها 20 ألف كيلومتر مربع. لقد دخلت القيادة الفلسطينية، منذ سنوات طويلة، بدورها في دائرة الدول العشائرية العربية، ولا تبحث إلا عن إقامة دولة لها، وكأن النماذج المجاورة تمثل رمزًا للنجاح الباهر. يكفي أن ننظر إلى فشل الدولة العربية القطرية في كل مكان وبلا استثناء، لندرك أن المشروع الفلسطيني بإقامة دولة لا يُبرره أي نموذج مجاور. ومع ذلك، فقد وُضِع لأجل هذه الدولة الموعودة، التي اعترف بها العالم قبل قيامها، أفق ضيق جدًا، فلا سيادة على الحدود والأجواء، ولا قوة عسكرية مستقلة لحمايتها.

على هذه الأمة أن تصحو من غفوتها، فنحن في طريق التشرذم والتفتيت بعد التجزئة التي فُرضت علينا من طرف الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى. الأشياء لا تبقى أبدًا على حالها؛ فإما أن نسير في الطريق السليم لجمع إمكانيات الأمة وقوتها، وإما أن ندخل في طريق الاختفاء الكامل. لن يكون غريبًا بعد سنوات أن لا يسمع أحد عن أمة عربية، بل عن أمم كردية وشيعية ومسيحية ودرزية، وقبائل وعشائر لينة في يد الأعداء، شديدة وقاتلة لجمهورها المغلوب على أمره.

يُستخدم تعبير “دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” (MENA) منذ سنوات من قبل الداني والقاصي، العربي والأجنبي، بديلًا عن تعبير “الدول العربية”. للأسف، كل المثقفين والكتاب والسياسيين يستعملونه وكأنه بديهي. هذا التعبير – ذو الأصل الأمريكي – يهدف إلى تهيئة الأذهان لاختفائنا كأمة ذات هوية تاريخية، ويفتح الباب لإدخال إسرائيل في هذه المجموعة الجديدة كطرف طبيعي.

لقد أظهرت حرب غزة، رغم مصائبها وكوارثها على سكان القطاع، هذه الحقيقة المرة: لا أحد منا في منأى عن الدمار والإبادة. من احتمى بأمريكا فهو مخطئ، وهذا واضح أمامنا في دول الخليج وغيرها. ومن انتظر القانون الدولي والأمم المتحدة فهو أكثر سذاجة، فلم تستطع أية منظمة أو قانون دولي منع السياسات التدميرية لإسرائيل وحماتها الغربيين. ومن احتمى بقيم الغرب فهو أعمى وأصم، فالغرب يقيس بمقياسين: له العدل ولنا قانون الغاب.

الأنظمة العربية خاطئة بدورها، حين تظن أن التطبيع مع إسرائيل والإذعان لأمريكا سيقيها خطر الثورات والانتفاضات العربية. فالدعم الخارجي للنظام السوري من دول قوية مثل روسيا وإيران، لم يمنع انهياره التام. إن حراك شباب جيل Z في دول عديدة من العالم، وإسقاطهم لأنظمة متجبرة كما حدث في النيبال مؤخرًا، بعد بنغلادش، والآن في جورجيا ومدغشقر، وأخيرًا الحراك المغربي، يعيد لنا تأكيد حقيقة أن الشعوب هي الوحيدة القادرة، بفعلها وتضامنها، على التصدي لدوامة التفكك، وتغيير أنظمة الشرعيات الإلهية والعائلية، ودول أنظمة أصحاب المليارات المكدسة في بنوك الغرب.

مستقبل شعوب هذه الأمة هو في يدها، ولا يمكن أن نقبل أن يبقى مرتهنًا لأمريكا وإسرائيل. علينا – شعوبًا وحكومات وأنظمة – أن نعي الخطر الذي نواجهه. علينا أن ننظر من جديد إلى مفهوم الدولة، وإلى وسائل ديمومتها، وما يجب أن تكون عليه حتى تحمي مواطنيها وتؤمن ازدهارهم، وهو الدور الأساسي لأي دولة في العالم.

ليس من الحكمة حصر تعريف الدولة في مفهومها القانوني البحت، أي قطعة أرض محددة ومجموعة بشر يسكنونها تجمعهم قوانين تنظم حياتهم وسلطة تحكمهم. فبدون امتلاك وسائل القوة لحماية الدولة، لن تكون لها سيادة حقيقية، وتصبح – كدولنا العربية – مرتعًا للغزاة من كل حدب وصوب، ونكبة حقيقية على مواطنيها.

تجميع قوى الأمة يعني وضع إمكاناتها تحت تصرفها ولحماية كل جزء منها، وهذا يتم بقبول جميع دولها لمبدأ التكامل في كل الميادين، ومبدأ التضامن والتعاضد ومواجهة الأخطار سوية. لن تكتمل سيادة أي دولة إلا إذا كانت جزءًا من الكل العربي، وليس مجرد كيان قائم بذاته، مستقلاً ومعزولاً عن واقعه القومي. هذا ما تسعى لفعله دول عديدة في العالم، حيث القانون الوحيد المطبق هو قانون الأقوى وليس الأكثر عدالة.



شقائق النعمان

نص: شقائق النعمان …
نــزار بــدران ـ كاتب فلسطيني
هذا الصباح، قد تهدَأ العاصفة، فيتوقّف الدم عن السقوط، والكلاب عن النباح، وتختفي الأجساد تحت الرماد، لتنبت أشجار الكرز والرمان.
عند المساء، يغمر الشفقُ الأحمر شاطئ المدينة، وتختفي الشمسُ وراء الغيوم البنفسجية.
في المدن المجاورة، سنسمع صراخ الأطفال وهم يلهون، وتعود روائح المأكولات الشهية إلى المطاعم، مختلطةً بدخان عوادم العربات، وأصوات أبواقها من جديد.
في المدن المجاورة، سيعود المؤذن للنداء للصلاة عند ظهور نجمة السماء الأولى، ويتوجه المؤمنون إلى الجوامع خاشعين.
صفحات الجرائد تمتلئ بأخبار الملوك الفاتحين، وتفاصيل رغد العيش في ظل المسيرات الأمريكية. سيتسابق المغنون إلى الإنشاد، والتغزل بسجن يسمونه وطنا.
سيبدأ الشعراء بنظم قصائد الغزل العذري، وحب ليلى المقدسية وقد أصبحت ذكرى.
سيكتب المؤرخون ـ وهم يأكلون قطائف رمضان ـ عن بطولاتٍ مات أصحابها جوعى.
سيعود المحللون والمطبلون ليوزعوا الأمل، فالأمر ما زال قيد الدرس في محافل الأمم المتحدة.
مجلس الأمن أقر بالإجماع إقامة مزارع لكل أنواع الفواكه الحمر، فهي تنمو دون عناء في تراب غزة.
سيقوم الذكاء الاصطناعي بإعادة تلوين مياه الشاطئ باللون الأزرق، لينعم بجماله عشاق الرمل الناعم من البلاد الباردة.
في صباح اليوم التالي، في المدن المجاورة، هبت العاصفة من جديد، وحملت معها رماد الأمس، فغطى كل شيء.
لوحة أعلقها داخل كهفي، جانب صورة شقائق النعمان الحمر، وهي تبكي.
سلام على من ذهبوا واقفين، وذل لمن ماتوا متخمين.
نــزار بــدران ـ كاتب فلسطيني
القدس العربي: الإثنين 8 سبتمبر 2025

إيران وهم القوة

إيران: وهم القوة  

 نزار بدران  

قد يكون من نافل القول التذكير بأن الأنظمة الاستبدادية لا تحمي بلدانها، وإنما فقط أنظمتها. عدوها الأول ليس الآخر المحتل أو المستعمر، وإنما شعبها نفسه.  

كما نرى في الحالة الإيرانية، فإن كل جهد المؤسسات الإيرانية منذ عشرات السنين وُجِّه فقط لقمع الحريات وإخفاء وشَنق المعارضين، ومراقبة طريقة لبس ومشي النساء. لهذا نرى اليوم مستوى الاختراق الاستخباري الإسرائيلي غير المسبوق في التاريخ نوعًا وحجمًا، متمثلًا بمقتل النخب العسكرية والعلمية، وما أسفر عنه من انهيار نظام الدفاع الجوي والاستيلاء الإسرائيلي عليه بالكامل، كما فعلت سابقًا مع لبنان وسوريا. هذه السيطرة سمحت بضرب كل الأهداف دون عائق، وإرباك وتدمير البنية النووية والصاروخية، فخر الدعاية الإيرانية منذ عقود.  

يدفع الشعب الإيراني اليوم جرائم النظام، فهو لم يحمِ البلاد من الغزو الصهيوني، بل قدَّمها له على طبق من ذهب.  

من يريد أن يبني وطنه، يبدأ بحماية أبناء هذا الوطن، وليس ملاحقتهم وقتلهم. لا يمكن لدولة أن تنتصر دون وجود وحدة وطنية، والتِفاف حقيقي حول السلطة.  

الصواريخ الإيرانية مهما كانت مؤثرة، فإنها لم تعوِّض خسارة السيطرة على أجواء البلاد. هي بدورها كانت هدفًا للطيران المعادي، وليس فقط المواقع المتهمة بتطوير مشروع إيران النووي. إضافة إلى أن الدول العربية التي تفصل إيران عن فلسطين المحتلة شكَّلت حاجزًا مفيدًا لإسرائيل، فهي لم تتصدَّ لأي طائرة أو مسيَّرة إسرائيلية، بينما هذه الدول نفسها كانت عائقًا حقيقيًا أمام المسيَّرات والصواريخ الإيرانية، حيث تنتشر القوات الأمريكية.  

لم تبن إيران خلال عقود جيشًا يحمل عقيدة قتالية تجاه دولة مثل إسرائيل، بل مجموعات من المليشيات المسلحة، تحت تسميات مختلفة، ذات بُعد أيديولوجي، تحمل مشروعًا سياسيًا دينيًا، يتعدى حدود إيران إلى الدول العربية، وصولًا إلى بيروت. ما كان يُسمى “محور المقاومة” هو في الحقيقة ترجمة لهذا الطموح.  

في إطار هذا المشروع التوسعي، تمكَّنت إيران من صياغة عقيدة قتالية مبنية على التحالفات مع دول استبدادية مثل روسيا والنظام السوري الأسدي. على مدار سنوات عديدة، قصف الطيران الروسي الحليف بالتعاون مع ميليشيات المحور المدن السورية، وحوَّلها إلى ركام، مهجِّرًا نصف الشعب السوري، قاتلًا مئات الآلاف من المواطنين العُزَّل، وسط صمت تام من إسرائيل والغرب. بينما لم نرَ أي شيء من روسيا لدعم إيران في المواجهة الأخيرة، التي بقيت وحيدة أمام الهجوم الإسرائيلي الأمريكي.  

تحالف إيران مع سوريا الأسدية وحزب الله وروسيا كان تحالفًا ضد الشعب السوري وثورته، وليس خدمة للقضية الفلسطينية أو دفاعًا عن دول تدَّعي لنفسها مقاومة إسرائيل (ما يفسر الصمت الغربي). انهيار التحالف المذكور أمام العدوان الإسرائيلي، الذي أكل أطرافه طرفًا طرفًا دون أن تتحرك، يظهر طبيعة هذا التحالف القائم فقط على مصالح آنية، وليس له علاقة باتفاق على المبادئ أو على قيم مشتركة.  

تراجُع إسرائيل عن قرار اغتيال رأس السلطة في إيران، تحت الضغط الأمريكي، لم يكن برأيي احترامًا لهيبته الدينية، بل لكونه الشخص الوحيد المؤهل لتقديم التنازلات المطلوبة، مثل التراجع عن المشروع النووي والصاروخي الباليستي، أو الموافقة على  إعادة  العلاقات مع إسرائيل، (كما اشترط السيناتور ليندسي جراهام). فهو الوحيد -حسب توازنات قوى النظام- من يملك الشرعية القانونية والدينية لفعل ذلك دون معارضة.  

تغيير النظام في إيران ليس أولوية لأمريكا، ما يهمها هو أن تبقى إسرائيل القوة الفاعلة الوحيدة. وقد نجحت إسرائيل في استرجاع دورها كشرطي قوي لخدمة مصالح أمريكا، مهمِّشةً دور دول عربية ظنَّت أنها تنافس إسرائيل على هذا الدور، خصوصًا بعد حربي الخليج الأولى والثانية، حيث حُرِمت إسرائيل في زمنهما من المشاركة بهما، حفاظًا على التحالفات الجديدة مع الدول العربية في المشرق.  

علينا أن نعي بعد هذه التجارب المريرة، التي يعيشها الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة المغلوب على أمرها، أن النصر يبدأ من الذات الحرة، والشعوب الواعية التي ترمي الأوهام جانبًا. تجربة حرب غزة وما تبعها من اعتداءات في لبنان واليمن وإيران، تعلمنا ترتيب الأولويات بشكل سليم. البداية في بناء المواطن الحر، وليس في بناء أجهزة المخابرات للتنصت عليه وقمعه وقتله، بينما نترك الباب مشرعًا أمام اختراقات أجهزة المخابرات المعادية، التي نخرت هذه الأنظمة حتى النخاع، وكانت سببًا في هزيمتها النكراء.  

بناء المواطن الحر هو أولًا استعادة حقه الطبيعي في تحديد خياراته الوطنية، ومَن يمثله ومَن يعبِّر عن طموحاته، ومَن يستلم مفاتيح قيادته. وحدها الشعوب الحرة من تصل إلى شط الأمان.  

التقدم والازدهار الاقتصادي، حتى ولو كان حقيقيًا، لن يدوم في ظل الحكومات الاستبدادية واستبعاد المواطن في أخذ القرار. الفساد السياسي والاقتصادي والمحسوبيات ستكون كفيلة بهدم أي صرح. من جهة أخرى، نرى الآن مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يمارس الابتزاز بشكل علني، ويجرد دول الخليج من ثرواتها وتريليوناتها، أن الحماية الوحيدة لأي انتعاش اقتصادي لن تكون ممكنة، إن لم نَمتلك وسائل الدفاع عنه أمام القوى الاستعمارية الطامعة في ثروات الأمة.  

الارتماء في أحضان أمريكا لحماية الأنظمة من تطلعات شعوبها هو خطأ منهجي قاتل، للنظام والشعوب. المستعمر الغربي لا يهتم ببقاء الأنظمة، إنما فقط ببقاء مصالحه. النظام الفاقد لغطاء شعبه الدافئ لن تحميه صواريخ وبارجات المحتل الإسرائيلي أو القادمين من وراء البحار. وحده الانفتاح على المجتمع وفتح باب الحريات من سيُعدِّل المعادلة لصالح النظام والشعب في آنٍ واحد.  

على أنظمتنا قراءة ذلك جيدًا، وأن تأخذ العبرة مما حدث في دول عدة. عليها أن تعلم أن المطالب الشعبية هي في استرداد الحريات العامة والكرامة. مطلب الربيع العربي بتغيير الأنظمة، لا يعني بالضرورة  تغييرا للأشخاص،  بل أسلوب الأنظمة في التعامل مع المجتمع والقوانين التي تحكم ذلك. ما حصل في سوريا قبل أشهر من سقوط النظام الذي حكمها لأكثر من ستين عامًا بالحديد والنار، والذي كان مدعومًا من أعتى قوى العالم، يجب أن يكون درسًا ومصدر عبرة وتفكُّر.  

بدورها، على المجتمعات العربية أن تبدأ أيضًا بتحديد مطالبها ورفع صوتها عاليًا، فلن يقدِّم لها أحد شيئًا مجانًا.  

على نخب الأمة أن تعمل وتجتهد في صياغة تطلعات المواطنين، وتدفع دون عنف نحو العمل لفرض الإصلاحات الضرورية. نحن الآن -أنظمةً وشعوبًا- أمام امتحان التاريخ، والسقوط فيه يعني مزيدًا من الفوضى والحروب والخراب ومزيدًا من التفكك، ولا أظن أن أحدًا يريد ذلك أو له مصلحة فيه.

النظر إلى ما وراء السياج   القدس العربي 13 أيار 25



النظر إلى ما وراء السياج 

د. نزار بدران

الناظر إلى الوضع العربي المُتهالك، الذي فشل تمامًا في تقديم أي دعم لضحايا العدوان الإسرائيلي، يُلقي باللوم على الأنظمة العربية. فهي، أولًا وأخيرًا، من تملك قرار التدخل، وتمتلك أيضًا وسائل هذا القرار، من قوة عسكرية واقتصادية وشبكة علاقات دولية واسعة، إضافة إلى ارتباطها بعلاقات مُميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية، الراعي والداعم الأول لإسرائيل.

فلماذا إذًا لا تُقدِم هذه الأنظمة على اتخاذ مواقف فاعلة؟ هل السبب فقط طبيعة هذه الأنظمة (انعدام الشرعية الشعبية)، أم هو الخوف من انتقال عدوى الحرب إلى عقر دارها؟

إسرائيل، من جانبها، لا تُعير أي اهتمام لهذه الأنظمة ولا تكترث بمشاكلها الداخلية. فهي تهاجم لبنان، وتحتل أجزاء جديدة من سوريا، وتُغيّر طبيعة الاتفاق مع مصر، بإقامة حواجز أرضية جديدة، تُلغي فعليًا جزءًا مهمًا من اتفاقيات كامب ديفيد.

إسرائيل لم تُقدّم للدول العربية المُطبّعة معها، شرقًا وغربًا، أي مكاسب تُذكر تُسكت بها شعوبها المغلوبة على أمرها. هذه الشعوب لا ترى في التطبيع سوى وسيلة للهيمنة الإسرائيلية ووصولها إلى أبعد نقطة في الوطن العربي، في الوقت الذي تؤكد فيه سلطات تلك البلاد اهتمامها بالقدس وبالشعب الفلسطيني وحقوقه.

كان من الممكن أن نتفهم هذه السياسات، لو تمكنت دول التطبيع من إجبار إسرائيل على فتح المعابر أمام المساعدات الإنسانية، وإدخال الماء والغذاء والدواء للمحاصرين الجوعى. كان يمكننا قبول التقارب مع إسرائيل، الدولة المحتلة لفلسطين، لو أوقف هذا التقارب حرب الإبادة. لكن، للأسف، العكس هو الحاصل؛ فالحرب تتصاعد، بينما يستمر التطبيع والعلاقات الودية والتجارية والسياسية، وكأن الشعب المحاصر يعيش على كوكب آخر، لا يربطه أي إرث مشترك مع شعوب هذه الدول.

كان بإمكاننا أيضًا النظر إلى تلك السياسات كأداة بيد الدول المُطبعة للدفاع عن مصالحها، لو سحبت سفراءها من تل أبيب، وطردت السفراء الإسرائيليين من عواصمها، أو حتى لو حصلت على دعم أمريكي لإقامة دولة فلسطينية. لكن شيئًا من هذا لم يحدث.

أما الدول العربية الأخرى، فلم تُقدّم بدورها شيئًا يُذكر لوقف المجازر والمجاعة اليومية. هي تُزيغ بنظرها وكأنها لا ترى، وتحاول تفادي غضب واشنطن. جلّ همّها هو إحكام قبضتها على شعوبها وخوض حروب داخلية لا طائل منها، سوى المزيد من الموت والانقسام.

لم يستعمل أحد البترول أو الغاز كسلاح ضغط على أوروبا وأمريكا، لا في المشرق ولا في المغرب.

الحدود والسيادة، هما عنوان الفشل العربي. فنحن لا نملك حقًا حدودًا تحمينا من عدونا، ولا سيادة تُخوّلنا فعل ما نريد من أجل ازدهار شعوبنا.

استفراد الأنظمة العربية بشعوبها، المتقوقعة داخل حدود دولها، ترجم واقعًا بغياب الدعم الشعبي العربي لأهالي غزة؛ فالمظاهرات بقيت خجولة، بلا وزن يُذكر. لم نرَ في عواصم العرب تلك الجماهير الهادرة التي جابت شوارع لندن أو واشنطن.

الأدهى من ذلك، أن حتى الحراك العربي المعارض، يدعم عمليًا مفهوم تكريس الحدود والسيادة، ويكتفي بالتحرك من داخلها. تلك الحدود التي رسمها الاستعمار أصبحت قيدًا فكريًا، فلا نكاد نجد بين الأحزاب أو المثقفين من يرى أبعد من أنفه، أو حدود دولته. بينما الواقع يُثبت أن أي نظام عربي، حتى وإن كان مُنتخبًا وقادمًا من إرادة شعبية، لن يستطيع بمفرده فعل شيء، فإسرائيل وأمريكا والغرب له بالمرصاد.

هل يُعقل أن نتخيل حكومة مُنتخبة في لبنان، قادرة على الدفاع عن أرضها بجيش يُطلب منه أن يضمن خلو الجنوب من أي تهديد لإسرائيل؟ وهل الدولة السورية الجديدة، القادمة من الثورة، ستكون قادرة وحدها على مواجهة التحديات؟

العمل ضمن قواعد رسمها لنا الاستعمار قبل قرن، لا يمكن أن يكون منطلقًا لتغيير حقيقي نافع للشعوب العربية.

لن نتمكن من دعم الشعب الفلسطيني، أو أي شعب عربي، إلا إذا جمعنا كل طاقاتنا في خدمة هذا الهدف. دول عديدة توحدت لتصبح أقوى، كما في الاتحاد الأوروبي، وأمريكا اللاتينية، وجنوب شرق آسيا. في هذا العالم لم يعد هناك مكان للدول المنعزلة.

إن أردنا الخروج من أزماتنا المتكررة منذ أكثر من قرن، فعلينا تجميع قوى التغيير على امتداد الوطن العربي. في هذه الحالة، قد تكون حرب غزة ذات فائدة ما، فهي تمنح المواطن العربي شعورًا جديدًا بالهشاشة، وإدراكًا متزايدًا بأن حدود دوله وجيوشها وأنظمتها لن تحميه من التوحش الإسرائيلي-الأمريكي-الغربي. بل أصبحت هذه الحدود أول تهديد له، بدل أن تكون حماية.

هنا تعود فلسطين لتكون، كما كانت، رمزًا لهذا التوجه الجديد، والالتفاف حولها وسيلة للنجاة.

طبيعة الأنظمة الحالية ليست عائقًا لا يُمكن تجاوزه، إنما كنا نأمل أن تُدرك هذه الأنظمة أن القمع والتنكيل بشعوبها لن يؤدي إلا لمزيد من التبعية لإسرائيل وأمريكا، التي ترى في ذلك ضعفًا بنيويًا تستغله لإحكام قبضتها على دولنا شعوبا وحكومات.

كنا نأمل أن تُقدم الحكومات العربية على الانفتاح على شعوبها، حفاظًا على وجودها هي نفسها، فالغرب الاستعماري لا يُمثّل ضمانة دائمة، بل العكس، يُغيرها متى شاء، وينهب ثرواتها كما يشاء. وما تصريحات ترامب عن “تريليونات” الاستثمارات الخليجية في أمريكا، إلا دلالة على انعدام السيادة الحقيقية لدى تلك الأنظمة، حتى في إدارة ميزانياتها وعائدات مواردها.

الانفتاح على الشعوب لا يتحقق إلا بفتح الحدود لحركة المواطنين والبضائع ورؤوس الأموال، وتوفير حرية الاستثمار والسفر، وبناء بنية تحتية مشتركة، من طرق وسكك حديد، ووضع سياسات موحدة للمياه والبيئة والتعليم، وسياسات خارجية مبنية على المصالح المتبادلة. كل ذلك ممكن، إن استوعبت الأنظمة أن هذا هو طوق نجاتها، وأن التسلّط والانفراد بالقرار مع غياب المعارضة الجادة، لم يعد الوسيلة المثلى للبقاء.

في زمن متقلب كهذا، لم تعد هناك تحالفات دائمة، ولا عداوات أبدية. أمريكا لم تعد أمريكا روزفلت أو كينيدي، بل أقرب إلى دولة مارقة، لا يُؤمَن جانبها، حتى من أقرب حلفائها. حتى الإسرائيليون يشككون اليوم بتحالفهم مع الإدارة الأمريكية. ونموذج العلاقة الأمريكية-الإيرانية خير دليل.

فهل ستصحو الأنظمة المُطبعة، وتلك على طريق التطبيع، أو التي بقيت لا في العير ولا في النفير، وتبدأ برحلة استعادة الوعي؟ أم أن قدر هذه الأمة هو الدمار والحروب؟

تاريخ شعوب الأرض يُرينا أن الأنظمة السياسية المُتحجرة، رغم قوتها، تظل هشّة وسهلة التحطيم، كما حدث في دول المعسكر الشيوعي، أو الأنظمة العسكرية بأمريكا اللاتينية. وحدها الأنظمة المرنة قادرة على التكيف، كما في جنوب أفريقيا بعد الأبارتايد، أو إسبانيا بعد فرانكو.

لكن، للأسف، سياسات الأنظمة العربية الحالية تتجه إلى الهروب الدائم إلى الأمام، مزيدًا من القمع ومزيدًا من التبعية. ما يضعها أمام احتمالات غير متوقعة، قد تنفجر هنا أو هناك. ونموذج نظام بشار الأسد البائد يجب أن يكون عبرة، فالدعم الخارجي، مهما كان، لن يحمي أحدًا.

هذا الطرح لا يعني العودة إلى القومية العربية القديمة، بل التوجه إلى براغماتية جديدة، هدفها تجميع القوة اللازمة لمواجهة قوى عظمى لم يعرف التاريخ لها مثيلًا من حيث التسلح والعنف. تجميع ثروات الأرض العربية، الممتدة على أكثر من 13 مليون كيلومتر مربع، وإرادة شعوبها التي تتجاوز الـ 400 مليون، ضرورة لا بد منها لمواجهة التحديات، وليس خيالًا أو وهمًا.

دون ذلك، ندرك جميعًا أن دولنا، كل على حدة، مهما بلغت من قوة وإرادة، لن تستطيع حماية حدودها ولا شعوبها ولا تحقيق ازدهارها.

حرب غزة، رغم مآسيها، تفتح أعيننا من الخليج إلى المحيط على هذه الحقيقة. وكما قال الشاعر:

تأبى الرماحُ إذا اجتمعن تكسُّرًا 
وإذا افترقن تكسّرت آحادا







غزة والتضامن العربي

القدس العربي ٤ تشرين ثاني ٢٠٢٣

غزة والتضامن العربي
نزار بدران

حتى لا نخلط بين الأمور، ونميز الصحيح من الخطأ، والمفيد من الضار، والصديق من العدو، علينا أن نفهم على ماذا تُبنى العلاقات الإنسانية. منذ القِدم والإنسان يُحارب أخاه الإنسان، ولكنه يبحث أيضاً في نفس الوقت، للعيش معه بسلام، بهدف الاتقاء من المخاطر المحيطة به. وهو ما دفعه إلى وضع قوانين عدة، تُحِد من حريته المطلقة، لصالح بناء علاقات أكثر سلمية وأقل عداوة.
منذ آلاف السنين، تعُم الحروب الأرض من قاصيها إلى دانيها، لكنها في النهاية، أدت إلى ما يُشبه توازناً، سمح بإيجاد مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة على علاتها. نحن لا نستطيع القول، أن الإنسانية وصلت لمرحلة بناء مجتمع إنساني واحد، ذي قواعد واحدة، بل نحن بعيدون جداً عن ذلك. إنما تبقى هذه الفكرة، التي دافع عنها، الفيلسوف كانط، الأفق الذي تسير عليه البشرية، بوعي أو بغير وعي.
في انتظار تجمع الإنسانية جميعها، شُكِلت الإمبراطوريات، ثم الدول ذات السيادة؛ حيث تعيش مجموعة من الناس في إطار قوانين جامعة لها. ثم انتقلت إلى تقارب مجموعات الدول أو ما أسميه (التقارب الثقافي)، فدول أوروبا تجمعت في الاتحاد الأوروبي. كذلك المجموعة الغربية، التي تضم كل من انتمى للثقافة الغربية (الولايات المتحدة، استراليا…الخ). وهناك محاولات لبناء مجموعات أخرى، مثل المجموعات الاقتصادية، كتجمع دول أمريكا الجنوبية، أو مجموعة البريكس، التي تضم الهند والصين وجنوب أفريقيا وروسيا، وحديثاً دول أخرى.
في هذا الاتجاه العام نحو التقارب والتعاون، تبقى الشعوب والدول العربية، الاستثناء الوحيد عن القاعدة. فبدل التضامن، نجد الخلافات، وبدل السلام، نجد الحرب، وبدل الوحدة، نجد التفرقة، وبدل التكامُل، نجد التنافس على التبعية لمجموعات أخرى. المثال بخلاف الجزائر والمغرب الدائم، أو حرب السودان الداخلية، والوضع المُضعضع لدول الخليج، وعدم فعالية الجامعة العربية، وسيطرة إسرائيل والغرب، على مُقدرات الأمة دون جُهد. تؤكد كلها هذه الحقيقة، وهو أن التضامن والتكامل والوحدة، هي الوسيلة الوحيدة للفاعلية، وهي الوسيلة الوحيدة للتقدم.
يكفي أن نأخذ حرب غزة الحالية، مُقارنة بحرب أوكرانيا، لنرى أن تضامن الدول الغربية القوي، أنقذ أوكرانيا من مخالب الروس، دعمهم لها ليس له حدود. بينما اختفاء أي دعم للشعب الفلسطيني من المجموعة العربية، أدى للمذابح التي نشهدها اليوم، دون أن يتحرك أي جندي عربي، ولا حتى هؤلاء في محور المقاومة الباسل، أو المتحاربين في شمال أفريقيا. على عكس ذلك، فالدول العربية تُطبع مع إسرائيل، وتتجاوز الشعب والقضية الفلسطينية كاملاً، ولم يجدوا حرجاً بالوقوف إلى جانب عدوه. ما يحدث حالياً في حرب غزة، رغم شجاعة الأبطال الفلسطينيين، يبقى حرب غير متكافئة. إسرائيل التي تنتمي إلى المجموعة الغربية، حصلت على دعم هؤلاء بكل سهولة، ودون أي اعتبار أخلاقي. بينما قطاع غزة الصغير، لم يجد أي دولة عربية، أو مسلمة، لتقف حقاً لجانبه.
نحن أمام مذابح حقيقية، لم تكن لتحدث لو انتمت فلسطين حقاً، إلى أُمة متضامنة ومتعاونة. نحن لا نتوقع مثلاً، أن تُهاجَمَ دولة أوروبية مثل البرتغال أو حتى لوكسمبورج على صغرها ويُقتل أهلها.
العودة إلى مفهوم الأمة المتضامنة بالنسبة لنا، أصبح بعد المثل الغزاوي، ضرورة وُجودية. فمن يستطيع أن يقف وحده، في وجه قوى الغرب المجتمعة؟؟؟. من ينتظر ميلاد محاور جديدة، مُقابل الغرب يُخطيء، فتضامن الصين مع روسيا، أو البرازيل مع الهند، وغير ذلك، هو فقط تضامن إعلامي، لا يوجد له أي حقيقة على الأرض، بل العكس، فالتنافس الهندي الصيني، أو الصيني الروسي، هو سيد العلاقات بين هذه الدول. التضامن يعني التضحية عند الضرورة، فهل هذه الدول مُستعدة، لتُضحي من أجل بعضها البعض؟. هذا ما يحدث في أوروبا والغرب، ولا نراه في أي مكان آخر.
التضامن العربي يعني العودة للربيع العربي، والدفع نحو أنظمة سياسية تُمثل الشعوب، وليس فقط سيطرة مجموعة من المُنتفعين، على خيرات الأمة دون وجه حق. التضامن هو أن تُفتح الحدود أمام المتطوعين، لدعم الشعب في غزة، وأن يُقطع النفط عن الغرب، إن لم يُسمح بدخوله إلى مستشفيات غزة، وأن تُقاطع البضائع الغربية كاملة، إن لم يصل الغذاء والدواء إلى أطفال غزة. هي رص الصفوف ووضع إمكانيات 400 مليون مواطن، في وجه دول الغرب المجتمعة، لدعم الظلم والعدوان.
نعيش الآن لحظات فاصلة، غزة صغيرة بمساحتها وعدد سكانها، لكنها قوية بإرادتها، وبسالة مقاتليها وصمود أهلها. لكن النصر حتى يأتي، بحاجة للتضامن العربي معها، وليس فقط للمظاهرات، في عواصم الدول الغربية.