مفاتيح لفهم اشكاليات مؤتمر المناخ في باريس

مفاتيح لفهم إشكاليات مؤتمر المناخ في باريس

نزار بدران

 

لم يكن يدري العالم الأمريكي الكيميائي، تُوماس ميجلي، ببداية القرن الماضي أنه باكتشافه لاستعمال الرصاص لتحسين مردودية البنزين بالمحركات، واستعمال غاز السي أف سي، للثلاجات وأدوات منزلية أخرى، والتي كانت من أهم اختراعات القرن العشرين، لم يكن يدري بأنه قد وضع الحجر الأساسي للانحباس الحراري.

“لقد فتحنا باب ثلاجة الأرض”، هذا ما قاله المُكتشف والطبيب الفرنسي، جان لويس إيتين، والذي قام برحلات عديدة، منذ أكثر من عشرين عاماً، للقطب الشمالي، وحده وجاراً عربته بنفسه. وهو يعني أن فتح باب الثلاجة سيؤدي إلى ازدياد حرارتها، وفساد ما بها من أطعمة.

في مؤتمر باريس للمناخ، تُحاول 195 دولة أن تُغلق هذا الباب، هو مؤتمر مفصلي لأنه سيُحدد بنجاحه أو فشله مُستقبل الإنسانية على الأرض، وأشكال أخرى من الحياة.

الإنحباس الحراري المُتولد من الانبعاثات الغازية، مثل ثاني أكسيد الكربون وغاز السي أف سي، الناتج عن التصنيع في القرنين الماضيين، بسبب استعمال وسائل الطاقة الأُحفورية (البترول الفحم والغاز)، مسؤول عن تزايد درجة حرارة سطح الكرة الأرضية. لا يمكن إيقاف ذلك إلا بالحد من استعمال هذه المصادر للطاقة المُسيئة للمناخ، واستبدالها بالطاقة المُتجددة النظيفة كالطاقة الشمسية أو الهوائية أو حتى البحرية، استعمال الطاقة النووية هو ظاهرياً أقل خطراً على الانحباس الحراري، ولكنه تهديد آخر بتلوثه الإشعاعي للبيئة، كما حدث مؤخراً باليابان (حادث مُفاعل فوكوشيما 2011) أو بالاتحاد السوفيتي في العام 1985 في انفجار مُفاعل شرنوبيل النووي. لذلك فهذه الطاقة هي محط انتقادات كل الحركات المُدافعة عن البيئة ولا يمكن الاعتماد عليه بنظرهم كبديل للطاقة الأحفورية.

الدول الصناعية، خصوصاً أوروبا وأمريكا، هي الأكثر مسؤولية عن الانحباس الحراري، لسبب تركز الصناعة فيها لعقود طويلة. دخول دول عديدة أخرى، خصوصاً الصين حديثاً، بالإضافة لعولمة الصناعة، وانتقال كم كبير من المصانع المُلوثة للبيئه إلى العالم الثالث (صناعة النسيج…الخ) أدى إلى انتشار مصادر الانبعاث الكربوني بالفضاء وتطوره بشكل كبير. التقديرات العلمية تؤكد أن حرارة سطح الأرض، ستزداد بأربع درجات تقريباً بنهاية القرن الواحد والعشرين. كانت الزيادة في بداية هذا القرن هي 0.8 درجة عن الحرارة في منتصف القرن التاسع عشر، ومع ذلك فقد شهدنا بشكل ملحوظ تغيير مناخي واسع الانتشار فما بالك بأربع درجات.

يعتقد العلماء أن استمرار التزايد الحراري، سيؤدي إلى كوارث طبيعية، قد تُهدد حياة الإنسان إن تجاوز الدرجتين في نهاية القرن الحالي (أمطار غزيرة بشمال أوروبا والهند، وجفاف في جنوب البحر المتوسط ودول الساحل الإفريقي، ارتفاع مستوى البحار بسبب تمدد الماء وذوبان الجليد بالقطبين وتهجير ملايين البشر، وغرق جزر كامله وتهديد وجود دول مثل بنغلادش والاضرار بالزراعه لتداخل الفصول).

الدول المُبثة للكربون في الجو هي أساساً الدول المُصنعة، آخر الإحصاءات تُعطي الصين 22.5%، أي حوالي رُبع التلوث، يليه الولايات المتحدة بنسبة 12.0%، وأوروبا 8.0%.

مشكلة الوصول لاتفاقية دولية، للحد من الطاقة المُلوثة، تصطدم برغبة دول مثل الهند بالتطور الاقتصادي، وهي التي ستمتلك بعد بضع سنوات قليلة، أكبر عدد سكان بالعالم، متجاوزاً 1.5 مليار إنسان بحاجاتهم الهائلة المُستقبلية للطاقة للخروج من التخلف الاقتصادي.

السؤال المطروح على هذا المؤتمر إذن، هو كيفية الحد من استعمال مصادر الطاقة المسيئة للمناخ، بدون إعاقة التطور الاقتصادي لباقي دول العالم، الباحثة عن حقها الطبيعي بالرفاهية.

عُقد أول مؤتمر للمناخ بمدينة كيوتو باليابان عام 1997، ولكن قراراته لم تُحترم من العديد من الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا في زمن الرئيس جورج بوش (2001 /2009)، والذي كان يُشكك بحقيقة الانحباس الحراري.  تلى ذلك فشل مؤتمر كوبنهاجن عام 2009، والذي كان بسبب عدم قبول دولة مثل الصين، بالتزامات إجبارية التنفيذ، تبعها دول عديدة أخرى. يُضاف إلى ذلك أن المُعطيات العلمية، في عام 1997 وما تلاه، لم تكن كافية لإسكات كل الأصوات المُشككة بحقيقة الانحباس الحراري، الناتج عن النشاط الإنساني، واعتباره فقط ظاهرة طبيعية عادية. هذا العام لم يعد هناك أدنى شك أو صوت، يحتج على هذه المُعطيات العلمية المؤكدة، وأصبح تزايد حرارة سطح الأرض، لأربعة درجات نهاية القرن، شيء مؤكد، إن لم نفعل شيئاً.

في هذا المؤتمر تم اعتماد الحد الأعلى لزيادة الحرارة بنهاية القرن بدرجتان وهو سقف واطي ، وللحصول على هذا الهدف تُرك للدول المجتمعة أن تُحدد هي بنفسها التزاماتها، ثم تتحاور فيما بينها، لتصل إلى اتفاق مُلزم للجميع. يعاد تقييم هده الالتزامات كل خمسة سنوات لرفع سقفها في محاوله للوصول الى ارتفاع حراري لا يتجاوز الدرجة والنصف في نهاية المطاف.

الخلاف الرئيسي بباريس، يكمن في كلفة الانتقال التدريجي من مصادر الطاقة التقليدية المُلوثة إلى مصادر طاقة نظيفة، وقد تم الاتفاق على أن تُقدم الدول الغنية ما قيمته 100 مليار دولار سنوياً ابتداءً من عام 2020 إلى الدول النامية أو التي في طريقها للنمو، وبانتظار ذلك تعمل حالياً على جمع رؤوس أموال بلغت حوالي 10 مليار دولار، لمساعدة الدول الفقيرة، لاعتماد الطاقة البديلة النظيفة لتطورها الاقتصادي. من ناحية أخرى سيبدأ الاستغناء التدريجي عن النفط والغاز والفحم ليتوقف استخراجه نهائيا عام 2050.

الخلاف يتمحور (خصوصاً بين الهند والغرب) على قيمة التعويضات التي يجب أن تدفعها الدول الغنية (والتي كانت صناعاتها السبب الرئيسي للانحباس الحراري)، للدول النامية او التي في طريقها للنمو، لا تقبل هذه الدول أن يُحد من نموها، لذلك وجب على الدول المُصنعة الغربية، دفع كلفة عالية لمساعدة الدول الأخرى، على استعمال الطاقة النظيفة والصديقة للبيئة، لبناء اقتصادها الحديث.

إعادة النظر في مصادر الطاقة يتوازى إذن مع إعادة النظر في توزيع الثروة على المستوى العالمي.

الصين وأمريكا، واللتان كانتا حجر العثرة باجتماع المناخ بكوبنهاجن، العاصمة الدانيماركية لعام 2009، واللتان كانتا السبب الأساسي لإفشاله، بسبب تحميل كل منهما الأخرى المسؤولية الأولى بالتلوث، قد غيرتا موقفاهما واتفقتا على المشاركة بشكل أكثر فعالية، بالحد من الانحباس الحراري، وذلك بدوافع داخلية أساساً للصين بسبب شدة التلوث الحالي للمدن الصينية، والتي أصبحت مُظلمة ليلاً نهاراً وما قد يؤدي الى احتجاجات المجتمع المدني الصيني، وذلك لاستعمال الصين الفحم كمصدر طاقة رئيسي. الولايات المتحدة بدورها غيرت من سياساتها، بعد وصول باراك أوباما للسلطة، والحامل لمشروع مناخي، مُغاير تماماً لسبقه الجمهوري جورج بوش.

الاتفاق الأمريكي الصيني والذي سبق افتتاح اجتماع باريس، فتح أبواب الأمل لنجاح المؤتمر، لكونهما الدولتان المسؤولتان حالياً، عن أكبر كميات بث غازات ذات تأثير على الانحباس الحراري.

تقدر الاستثمارات الضرورية بعد 2020، حتى تستطيع الدول النامية الجديدة والأخرى بطريق النمو، للخروج من استعمال الطاقة المسيئة للمناخ لطاقة صديقة له، ب 1400 مليار دولار سنوياً، وهي حقيقة ثورة صناعية جديدة، ستُعيد حركة الاقتصاد العالمي على قواعد أكثر احتراماً للبيئة ولتوزيع الثروة.

أين هي الدول العربية من هذه المُحادثات والتحديات، ونحن دول مصدرة للطاقة ذات الأثر السلبي على الانحباس الحراري (بترول وغاز)، ظاهرياً سنكون متضررين من هكذا سياسة، لأنها ستنهي الاعتماد على البترول والغاز لصالح مصادر أخرى، ولكن لا ننسى أننا جزء من الإنسانية، ولا يمكن أن نمنع التغير المناخي المنتظر من تزايد الجفاف في بلادنا.

دول الخليج العربي وإيران، حسب الدراسات العلمية الحديثة والمؤكده، مهددة بارتفاع حراري مع رطوبه عاليه لا يطيقه الإنسان، إن لم يُحد من إنبعاث الغازات المسيئه. وصلت الحرارة المحسوسة هذا الصيف في بعض مناطق الخليج العربي وبإيران إلى 74 درجة مئوية، هذا الجو اللاهب الموعود لم يمنع السعودية ودول الخليج، من أخذ موقف معارض في اجتماع باريس مع محاولات اعاقته، حيث تُفضل هذه الدول الاستمرار ببيع النفط بأكبر كمية ممكنه (قبل إيقافه حسب مقترح الأمم المتحدة المطروح لعام 2050)، حتى لو دمر ذلك مستقبل بلادهم، متذرعة بدعم التطور الاقتصادي للدول الفقيرة. السعودية هي الوحيدة من دول مجموعة العشرين الأغنى بالعالم، التي لم تقدم قائمة التزاماتها المناخية، معها قطر وإيران والكويت والعراق، وحدها دولة الإمارات المتحدة، هي التي قدمت قائمة بالتزاماتها بتاريخ 22 أكتوبر، أي بضعة أيام قبل انتهاء المدة المحددة من الأمم المتحدة، لمعرفة التزامات دول العالم. دول الخليج بذلك تكون تقريباً هي الوحيدة بالعالم التي لم تقدم أي التزام، مع أنها ستكون حتماً، حسب كل الدراسات العلمية الأكثر تضرراً بالمستقبل القريب، مع أجواء جهنمية بانتظارها، علماً بأنها أيضاً تملك الطاقة النظيفة الأكثر بالعالم أي الطاقة الشمسية والتي ستصبح احد اهم المصادر المستقبلية.

في المجتمعات الغربية يقوم المجتمع المدني والهيئات المختصة المستقلة، بالدفاع عن البيئة، دافعاً الحكومات المنتخبه لاتخاذ مواقف وقرارات لصالح مكافحة الانحباس الحراري، بدونها قد يكون من الصعب مواجهة اللوبيات الاقتصادية.

في بلادنا  حيث الحكومات غير منتخبة، والمصالح الفئوية فوق كل اعتبار، فان المجتمع المدني سيصبح له أهمية أكبر، في الدفاع عن المستقبل المناخي للأمة. على المتعلمين والمثقفين والهيئات الاجتماعية المستقلة، أن تدفع الحكومات باتجاه العمل على احترام التطور الاقتصادي المبني على الطاقة الغير مسيئة لمستقبل الإنسان، هذه وسيلتنا للمشاركة في إغلاق باب ثلاجة الأرض.

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s