Month: أكتوبر 2023
المباغتة الفلسطينية. القدس العربي 26/10/2023. نزار بدران

لم يكن أحد ينتظر الهجوم الفلسطيني على إسرائيل، وإدخالها حربا لم تخطط لها. كان هناك من يتوقع الحرب بين الصين وتايوان، أو بين روسيا وبولندا، أو بين النيجر ودول الواكس، والمحللون اشبعونا بتفاصيل هذه المعارك المقبلة.
من هنا أهمية هذا الحدث في التاريخ الفلسطيني والعربي: مباغتة بكل المقاييس، ذات نتائج عالمية واسعة؛ بدأ بقلب مشوار التطبيع مع إسرائيل؛ ثم الإعلان الواضح عن انتماء إسرائيل للمجموعة الغربية؛ مظهرا حقيقة الدعم الغربي للدولة العبرية، الذي تصورنا يوما أنه قد تحول قليلا لصالحنا.
الأساطيل إلى الشرق الأوسط
أرسلت أمريكا أساطيلها إلى الشرق الأوسط، واحتضنت إسرائيل أكثر ألف مرة مما فعلته مع أوكرانيا، معلنة على الملأ أنها ستحارب عنها حتى ولو لم تحتج لذلك.
عادت بريطانيا إلى زمن الانتداب، لكن دون الدهاء السياسي الذي عرف عنها؛ فرئيس الوزراء ريشي سوناك، لا يهمه إلا سلامة إسرائيل؛ فخر الصناعة البريطانية. فرنسا لم تكن أحسن حالا؛ حتى ولو تراجعت قليلا، هذه الأيام؛ مع بعض التردد والسماح من جديد بالتظاهر؛ إلا أن تصريحات وزيرة الخارجية من القاهرة، وإعلان زيارة ماكرون، أعادانا لزمن الغطرسة. لكن هذه المرة، دون أي إمكانيات، فهي تتبع أمريكا مغمضة عينيها؛ ولا ترى أنه لا يفصلها عن العرب إلا هذا البحر الضيق.
ألمانيا تستحضر الماضي لتفسير الحاضر. لم يبق إلا قليل من دول جنوب أوروبا وشمالها لتظهر بعض الحيطة في ردود افعالها.
المنظمات الإرهابية
في الشرق الوضع ليس افضل حالا؛ فمحور المقاومة تبخر كالماء يوم قيظ في صحراء النقب. لكن أظن أن أعضاءه معذورون؛ فهم غارقون حتى أذانهم في تنظيف سوريا من المنظمات الإرهابية؛ التي تعيق مسيرتهم نحو القدس؛ بوصلتهم الدائمة وهدفهم النهائي، ونصرهم الإلهي المنتظر.
هم أيضا مشغولون في إسكات المعارضة، وتغطية رؤوس النساء الإيرانيات؛ والتأكد من عدم رؤية أي خصلة شعر من تحت النقاب.
تركيا أردوغان اكتشفت فجأة أهمية السلام بين الشعوب وهي التي تحارب الأكراد دون هوادة؛ ذلك الجزء المؤسس من شعبها، وتشارك إسرائيل دعمها العسكري لأذربيجان؛ لطرد الأرمن من أراضيهم التاريخية، في حملة تطهير عرقي تذكرنا بتهجير الفلسطينين.
شوحل أوكرانيا
روسيا الواحلة في حربها على أوكرانيا، ليس لها ما تفعله أو تقوله؛ سوى الترحم على أرواح الضحايا وقصف القرى السورية.
أما الصين فهي الطرف الوحيد الذي ينتظر من سيفوز؛ لتقرر ما ستفعله؛ فهي ليست طرفا فاعلا في النزاع، ولم تهتم يوما به.
إسرائيل تكذب على نفسها وعلى العالم، وتريد تغطية هزيمتها المدوية، وتحويلها إلى حدث إرهابي إسلامي تقليدي؛ لن يكون له نتائج إلا تدمير الإرهاب كما حدث مع القاعدة أو داعش.
هو حدث عرضي وعلى سكانها الاطمئنان؛ فلم يتمكن الإرهاب يوما من هزيمة دولة ديمقراطية. بينما التحقيق بأسباب هزيمة عسكرية؛ ولماذا فشلت القيادة السياسية والعسكرية والاستخباراتية؛ سيلحق بها ضررا دائما لن تمحوه الشهور والسنوات المقبلة.
الرأى العام الدولي يتحرك وبقوة لصالح غزة رغم التعتيم والكذب الإعلامي الغربي. الآلاف في لندن ونيويورك وباريس ومدن كثيرة أخرى، لكن أهم شيء هو تحرك المدن العربية؛ لتقول كلمة المواطن للغرب ولكن أيضا لحكوماتها.
ما رأيناه لحد الآن بدا خجولا؛ لكنه تمكن من تحقيق انتصار أول: وهو إلغاء زيارة الرئيس الأمريكي لعمان. وحده الدعم العربي والعالمي الشعبي من سيوقف آلة الحرب الإسرائيلية.
إلى أين نحن ذاهبون الآن؟
غزة تحت القصف وكلنا نعد الموتى والأطفال الشهداء، منتظرين زحف الجيش الإسرائيلي.
تبدو الصورة غامضة، لكن ذلك جزء من مغامرة السابع من أكتوبر/ تشرين الأول؛ فهي حبلى بالمفاجآت.
آسف نسيت أن أذكر الدول العربية وجامعتها. سقطت سهوا من قلمي الذي لم يجد شيئا يكتبه.
الغرب وراء إسرائيل، فأين العرب
الغرب وراء إسرائيل… فأين العرب؟ /نزار بدران/ القدس العربي 18 اكتوبر 2023

المواقف الغربية من الحرب الدائرة حاليا في غزة، لا تمثل فقط كما يدعون، دعما لإسرائيل في حربها ضد الإرهاب، معتمدة ومتبنية الصور التي نشرتها وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية، بالإضافة لتصريحات بنيامين نتنياهو وعدد من كبار مسؤولي الدولة، بل أيضا تأييدا لسياسات إسرائيل في تهجير السكان الفلسطينيين للقطاع، وسفك دماء أطفالهم وأبنائهم؛ نساء ورجالا، لغسل عار هزيمتهم المدوية أمام المقاتلين الفلسطينيين، وجبن جنودهم وهربهم مذعورين من ساحة المعركة، تاركين قواعدهم وأسلحتهم ودباباتهم وراءهم.
لم يحارب الجندي الإسرائيلي كما كان متوقعا منه، ولم يدافع عن السكان المدنيين والمستوطنات والكيبوتسات. هذه صورة غريبة، تتناقض تماما مع تلك التي عودتنا إسرائيل عليها من الجندي المنتظم، الذي لم يعرف يوما الهزيمة. هذه هي المرة الأولى التي ينهزم فيها حقا على ما يعتبرها ارضه.
الإصرار الإسرائيلي والغربي على نعت ما حدث بالإرهاب، هي محاولة لإبعاد صورة الهزيمة العسكرية الحقيقية، وتحويل الأنظار إلى وهم الصورة النمطية للإرهابيين؛ قاطعي الرؤوس وحارقي الأطفال، كما رأينا سابقا مع القاعدة وداعش وكأن الجيش الإسرائيلي لم يكن موجودا على الحدود وكأن هؤلاء “الإرهابيين” لم يواجهوا أكثر جنود العالم تقنية وذكاء، لسوء حظهم فكل الصور التي تسربت من طرف المقاتلين الفلسطينيين في عملياتهم؛ وهم يدخلون الدبابات ويأسرون الجنود، لا يمكن محوها من الذاكرة الجماعية للإسرائيليين ولا الفلسطينيين أو العالم.
عمليات القتل الجماعي للمدنيين الفلسطينيين؛ الموثقة بالصوت والصورة، على عكس ادعاءاتهم فيما يخص ضحاياهم المدنيين، لن تمحي عار الهزيمة. لكن نتنياهو وقيادته العسكرية يظنون أن الدم الفلسطيني السائل دون انقطاع، مثل النهر، سيغطي هذا العار، ويشفي غليل المواطن الإسرائيلي، ويعيد له كبريائه المحطمة وثقته في جيشه “الذي لا يقهر”.
هذه القيادة المصدومة بهزيمتها ستدفع- إن بقيت في الحكم- إسرائيل إلى هزائم جديدة. هم لم يكونوا أكفاء بمواجهة هجوم مباغت من بضعة مئات من المقاتلين فكيف لهم أن يتمتعوا بتلك الكفاءة في مواجهة حرب على الأرض قد تمتد لأسابيع طويلة.
لم يطرح الإسرائيليون على أنفسهم السؤال الوحيد الذي يجب عليهم طرحه؛ وهو لماذا حدث بنا ذلك؛ وكيف هزمنا، بدل التغني بجرائم الإرهاب والتعطش للانتقام. هم يعرفون الإجابة؛ فهي سهلة جدا؛ تتلخص في تناسيهم لكل القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة، واحتلالهم أرض فلسطين وتهجير سكانها، وعشرات المجازر والجرائم المرتكبة منذ أكثر من خمسة وسبعين عاما. هي ستة عشر عاما من حصار خانق على أهل غزة. لكنهم يفضلون الاستمرار في نكران ذلك؛ والغوص في كابوس الإرهاب؛ لأنه أهون على أنفسهم وأكثر تناغما مع سياسات أمريكا والغرب.
القضية الفلسطينية
اصطف العالم الغربي بشكل واضح خلف إسرائيل، وتبنى روايتها؛ مجرما أي عمل أو صوت لصالح القضية الفلسطينية؛ أو حتى رفع علم فلسطين. نكتشف فجأة أن أوروبا بمعظم دولها، تجري وراء أمريكا لاحتضان الجيش الإسرائيلي وتبرير جرائمه.
نكتشف أن إسرائيل هي كما كانت دائما؛ جزء من الكل الغربي وليست جزءا من الشرق، رغم محاولات التطبيع الحثيثة مع عديد من الدول العربية.
الغرب هو الآن من يقاتل إلى جانب إسرائيل، وللهدف نفسه، أي إعادة ثقة المواطن الإسرائيلي بقدرته على الانتصار. تصريحات الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته بتوفير الحماية لإسرائيل حتى ولو كان جيشها منهمكا في حربه على غزة، وإرسال حاملتين للطائرات لشاطئ فلسطين المحتلة، هو لهذا السبب.
هي تطمينات واضحة لهذا المواطن المذعور الخائف، قبل أن تكون موجهة لإيران أو حزب الله (المنشغلين في حروبهم ضد الشعب السوري) حتى لا يبدأ التفكير خارج الصندوق؛ واستعمال ازدواجية الجنسية التي يحملها معظمهم؛ للبحث عن مكان أكثر أمنا.
المعسكر العربي
مقابل هذا المعسكر الغربي الإسرائيلي الموحد، هل هناك معسكر عربي شبيه؟
للأسف لا شيء من هذا القبيل. لكنا ندرك كفلسطينيين؛ أن التضامن الشعبي العربي مع أبناء غزة هي وسيلتهم الوحيدة المتبقية للصمود. فلا يمكن انتظار أي دعم ذي جدوى من حكومات الدول العربية والتي في معظمها؛ إما منهمكة في حروب داخلية؛ أو لا يهمها إلا البقاء في السلطة وسرقة ثروات بلادها.
تضامن المواطن العربي من المحيط إلى الخليج؛ يعني أن نخرج من جديد لنندد بهذه الحرب غير المتكافئة؛ حرب شعب محاصر صغير، ضد أقوى دول العالم؛ بجنودها وأساطيلها. هو التظاهر بلا كلل وبمئات الآلاف في عواصمنا. هو الاحتجاج المستمر أمام سفارات الدول الغربية، والمطالبة بطرد السفراء الإسرائيليين، وإلغاء اتفاقيات التطبيع. هي تحريك كل منظمات المجتمع المدني؛ لتخفيف آثار الحرب على شعبنا في غزة.
وحدها الشعوب العربية من يستطيع أن يضع حدا للعربدة الإسرائيلية والأمريكية، ومن يظهر للرأي العام الغربي أن الفلسطيني ليس وحيدا، وليس إرهابيا، بل مناضل عن حقه يموت من أجله، مدعوما من قوة الملايين؛ الذين لن يسكتوا طويلا على فشل حكوماتهم وتواطئها، ونسيان دول الغرب لواجباتها الإنسانية.
لن يعود هذا الغرب إلى رشده؛ إلا إذا رأى ميلاد هذا التوجه القوي؛ فهو يعلم أن الشعوب وحدها هي التي تحمل وتعطي الشرعية؛ وتحدد أهدافها وليس منابر الإعلام المأجورة والكاذبة.
كاتب فلسطيني