الخيار السليم في زمن الخيارات الصعبة

الخيار السليم في زمن الخيارات الصعبة

نزار بدران

يقول إينشتاين، أنه من الأسهل تفجير نواة الذرة من تغيير أحكام مُسبقة عند البعض، هذه الأفكار المُسبقة، هي التي تُحضر لاعتبار الآخر، غريباً عجيباً، يجب التخلص منه، مثال ذلك، العُنصرية المُتفشية في كثير من الدول، والتي تعتبر الأفارقة مثلاً، أقل ذكاءً ومقدرة، حتى ولو وصل باراك أوباما، الإفريقي الأصل، لرئاسة أكبر دولة بالعالم مرتين. فهذا حكم لن يتغير عند هؤلاء، ذوي الأفكار المُسبقة.

في بلادنا تُعتبر المرأة، أقل مقدرة على إدارة الشأن العام، أو تسلم الوزارات والمهام الاستراتيجية، حتى ولو رأينا ما تقوم به أنجيلا ميركل، وما أوصلت إليه ألمانيا، من تقدم اقتصادي وحضاري مذهل، تجاوز كل الدول الأوروبية الأخرى، التي يحكمها رجال. في بلادنا هذا المثل، كما يقول أينشتاين، لن يُقنع أصحاب الأفكار المُسبقة عن المرأة، بتغيير رأيهم، ولا ألف غيره.

الأفكار المُسبقة، وما يردفها من اعتقادات بالحقائق المُطلقة، إذا استشرت في شعب أو أمة، فهي ستؤدي بدون أدنى شك إلى التخلف، والخروج من عالم التحضر، ومن عالمنا كله، هذا العالم الذي يبني نفسه على مفهوم البحث والعلم والمعرفة والتجربة، وليس على حقائق مُطلقة وأفكارٍ موروثةٍ من الآباء وآباء الآباء والأجداد.

تطوير الفكر والذات، بحاجة إذن، إلى التخلص مما ترسب من أفكار وأحكام مسبقة، على الأشياء والأفعال والناس. وكي يتم ذلك، لا توجد إلا وسيلة واحدة، وهي العلم واكتسابه، والاطلاع على ما يقول ويفعل الآخرون، وانفتاح الذهن على كل شيء جديد، وعدم الانغلاق وراء أبواب العادات والتقاليد المُغلقة، منذ قرون.

من ناحية أخرى، يقع كثير من الناس في فخ الاضطرار للاختيار بين المتضادات، وهو ما نلاحظه بشكل مستمر، هذه الأيام بالصحافة والإعلام. فالخلاف بين إيران والسعودية، أو النظام السوري وأطراف المعارضة بالثورة السورية، يدفع البعض بناءً على أحكامه المُسبقة، ضد هذا الطرف أو ذاك، فنحن مع إيران لأسباب مذهبية، أو مع السعودية إن كنا ضد السياسة الإيرانية وطائفية حكامها، فيجد الإنسان نفسه، إما مُدافعاً عن الحكم السعودي أو آيات الله الإيرانيين، مُتناسياً حقه بل واجبه، بأن يكون له موقف مستقل، للاختيار بين الأضداد. هذا ما حدث في القرن الماضي، عندما وقفت دول أوروبا الغربية في وجه النازية، فذلك لم يعن إرتماءها في أحضان الشيوعية، بل استمرت في خياراتها المستقلة وسيلة للحكم الأمثل، بانتهاجها الخيار الديمقراطي.

لنا الحق أن نختار خياراً ثالثاً، بين الاستبداد بالسلطة أو التطرف الديني، انحيازا لخيار الديمقراطية ودولة المواطنة، التي صدحت بها حناجر المتظاهرين بالملايين، في ساحة التحرير وشوارع وعواصم العرب.

الوقوف مع النظام السوري، بحُجة أن بعض أطراف المعارضة السورية، متهمة بالتعاون مع المجموعات المتطرفة الدينية، أو السكوت عن إسرائيل وامريكا، أو اندفاعها نحو العمل المُسلح، بديلا للاحتجاج السلمي، كل هذا، لا يجب أن يدفعنا إلى دعم ديكتاتورية النظام السوري والعمل لإبقائه، الحل هو الخيار الذي حمله أطفال درعا ومئات آلاف المتظاهرين في بداية الثورة، وتغنى بها إبراهيم القاشوش (سوريا بدا حرية)، والداعي للديمقراطية والدولة التعددية، والرافضة للتطرف الديني، والمنتمية للأمة العربية.

الهدف أن نستنير بآراء الآخرين وتجارب الشعوب، والعودة لتاريخنا وتاريخ غيرنا (فالمسلمون لم يختاروا بين الفرس والروم)، حتى نستطيع أن نفكر بأنفسنا ولأنفسنا، وكي لا نقع ضحية الاختيار الاضطراري، بين السيئ والأكثر سوءاً.

كمثال يوضح ذلك ويتفق عليه كل الناس، هو التناقض بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، رفضنا لسياسة التنسيق الأمني، والتعامل من طرف السلطة مع إسرائيل، أو رفضنا لسياسة حماس بقطاع غزة، من طرف الكثيرين، لم يدفعهم لدعم إسرائيل، والوقوف ضد الشعب الفلسطيني. لذلك فرفض البعض، لأطراف بالمعارضة السورية، أساءت للثورة من خلال مواقف دينية متطرفة، قادمة من العصور الوسطى، لا يجب أن يدفع باتجاه رفض مطالب الشعب السوري بالحرية والديمقراطية، وحقه بالثورة على الظلم، بل على العكس، يجب العمل لدعم الأطراف التي تقف مع الديمقراطية والتعددية، حتى لو كانت أقلية. فالوقوف مع الحق هو الأصل، حتى ولو كان هذا الحق ضعيفاً، ليس له سند من الدول الكبرى، أو دول المنطقة المؤثرة.

نحن نستطيع إذاً، أن نكون مع الشعب السوري بثورته ضد الظلم، وبنفس الوقت ضد القوى الدافعة لتأسيس نظام ديني متعصب أو ما يسمى 2″دولة الخلافة”. إن لم نفعل ذلك، فماذا سنقول للأطفال الجوعى بمضايا وغيرها، ولملايين المُهجرين والغارقين بالبحر؟.

من واجبنا إذن، أن نفكر دائماً، قبل الانصياع للمعادلات التي تُفرض علينا؛ النظام المُجرم أو المعارضة المُتخلفة؛ إيران آيات الله أو الحكم السعودي، وهذا ما نفعله تلقائياً، بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية او حماس، حيث لا أحد يختار إسرائيل، وينسى عذابات الشعب الفلسطيني ولاجئيه.

لا يمكن للكوليرا أو الطاعون، أن يكون خياراً مقبولاً من أي عاقل، بل الصحة والعافية فقط، هي الهدف، مهما كانت الكوليرا فتاكة وسريعة الانتشار، ومهما كان الطاعون رهيباً، ترتجف من خوفه الأبدان، ومهما تكن استعادة الصحة والعافية، صعبةً ومُكلفةً في كثير من الأحيان.

الخيار السليم في زمن الخيارات الصعبة DOWNLOAD LINK

المجتمع المدني بين الألم والأمل

المجتمع المدني بين الألم والأمل

نزار بدران

يقوم الناس بتنظيم أمور حياتهم اليومية عبر ما يسمى عادة بمنظومة المجتمع المدني، أي الهيئات، الجمعيات، النقابات، الاتحادات المهنية وغيرها، والتي هي بالضرورة مستقلة عن المجتمع السياسي، أحزابا ودولة وسلطة قائمة.

المجتمع المدني هو مجموع ملايين البشر أفراداً ومنظمات مقابل المجتمع السياسي المُشكل من السلطة والأحزاب.

باعتقادي هناك ثلاثة نماذج من المجتمعات المدنية: النمودج الأول يتجسّد في الدول الديمقراطية وفيه تُحَدد السلطة والأحزاب سياستها بناءً على متطلبات وتوجهات المجتمع المدني وذلك لأن هذا المجتمع السياسي مؤهل لاستلام السلطة وقياداتها وهو لا يُمثل أكثر من 1-2 % من مجموع السكان ( مثلاً لا يتعدى عدد أعضاء الحزب الاشتراكي في فرنسا، وهو الحزب الذي يتولى السلطة، أكثر من مئة ألف عضو في أحسن الأحوال). هذه الأحزاب لها آذان كبيره مفتوحة دائما وموجهة نحو المجتمع فهي تحاول فهمه واستباق رغباته، هدفها أن تحصل على رضاه وأصواته الانتخابية ، وبدون هذه العلاقة الجدلية بين المجتمع السياسي قليل العدد والمجتمع المدني متناهي الكبر لا يمكن وجود حضارة، أي مجتمع منظم متوازن القوى، يحل مشاكله بالقانون والدستور المُتفق عليه من الجميع.

أما النمودج الثاني فهو المُغيّب لهذه الجدلية والذي ينزع إلى الدكتاتورية والاستبداد.

المجتمع السياسي في هذه الحالة وحزبه المُتولي للسلطة، أطرش، يصمّ تماماً آذانه عن سماع  المجتمع المدني. هذا الانفصال بين القلة في السلطة والأغلبية بالمجتمع المدني يؤدي في النهاية لفقدان المجتمع السياسي بكل أشكاله سلطة أو معارضه; بوصلة العمل المُتحضر ويتحول المجتمع المدني في هذه الدول الاستبدادية إلى قطيع ضريبي أي مصدر رزق للسلطة، حياته تقتصر على دور المنهوب مقابل السلطة التي تلعب دور الناهب، بطرق مباشره عبر فرض  الضرائب أو غير مباشر بعدم وجود قوانين نافذة  تحمي حقوق العامل والمواطن. في النظام الديمقراطي السلطة في خدمة المجتمع، أما  في النظام الثاني فالمجتمع في خدمة السلطة.

النمودج الأخير مُرتبط بتوفر الخيرات المعدنية والطبيعية في كثير من الدول الاستبدادية كالنفط وغيره، وهو الذي أدى إلى خلق هذا النوع الثالث من المجتمعات، حيث فيه السلطة ناهبة لهذه الثروات الطبيعية، وبهذه المعادلة يكون وجود المجتمع المدني بملايينه العديدة ليس ذا فائده ويصبح بحق عبئاً عليها. ولكنها مُضطرة للحفاظ على السلم المدني قدر الإمكان بأن تُعطي جزءا من هذه الثروات له. يذهب أصلاً كدعم نقدي وليس للإستثمار وبناء وتطوير البنية التحتيه . اعتماد بعض الدول على الثروة النفطية بشكل هائل مثل الجزائر والذي تُشكل ما يقارب 98 % من الدخل القومي، هذا يعني بأن عمل المجتمع المدني لا يتعدى 2 % فقط من هذا الدخل. تُشكل بعض الدول الخليجية الصغيرة بعدد السكان، استثناءً لما ورد، ولكن لا يمكن القياس عليها بسبب حجمها السكاني القليل واستخدامها الكثيف لليد العامله الأجنبية والتي قد يتجاوز عددها عدد  السكان الأصليين اللذين يقومون بدور الضحية.

في هذا النموذج تصبح الثروة الوطنية نكبة للشعب، ومصدر للحروب التي لا تنتهي والسرقة الدائمة فيما هو يبقى فريسة الفقر والمرض،  ومثال ذلك ما يحدث في الكونجو بإفريقيا بلد الذهب والألماس أو العراق بلد النفط منذ عشرات السنين أو نموذج جنوب السودان وتشاد حديثاً، السلطة المستبده بكل أشكالها ليست بحاجة إلى رعاية قطيع ضريبي حتى يستمر بالعمل ولعب دور المنهوب.  وقد أظهرت الدراسات المتعلقة بتنمية القارة الأفريقية أن خارطة الثروات الطبيعية تتقاطع مع خارطة الحروب )الكونجو ، جنوب السودان وأنغولا( وأن أكثر الدول نمواً وسلاماً هي التي تفتقر للثروات الطبيعيه ( السنغال..).

هذه الثروة  النفطية ذاتها  في إطار المجتمع الديمقراطي (النموذج الأول) هي إغناء له، فالنرويج مثلاً البلد النفطي الأوروبي المهم الذي استطاع أن يحتل المرتبة الأولى حسب المعايير الدولية في مجال التنمية الإنسانيه والديمقراطية ومجال الأكثر سلميةً وأماناً بالعالم. تم اكتشاف النفط في هذه الدولة في أواسط الستينيات واستُعمل على مدى خمسة وعشرين عاماً في بناء الدولة والمجتمع لتصل إلى ما وصلت إليه، بعد ذلك، وفي عام  الف وتسعمئة وتسعين قرر النرويجيون وضع الموارد النفطيه  كافة في حساب خاص خارج وطنهم لا يتم استعماله ويُسمى حساب الأجيال القادمة. يهدف إلى وضع ريع احتياطي لما بعد انتهاء الثروة النفطية. يُقدر هذا الحساب في كانون الثاني من العام  الفين واربعة عشر  بستمئة وسبعة مليار يورو أي ما يُعادل مليون كرون أو 120000 يورو لكل مواطن، وعليه فكل نرويجي هو الآن مليونير بالعملة المحلية. يستمر النرويجيون في العمل وصيد السمك والتصنيع مما يُغنيهم عن البترول، ولا يتم استثمار ريع النفط في صناعة الأسلحة ولا السجائر. ويُستثمر فقط من طرف الشركات المسؤوله الصديقة للبيئة والبعيده عن السرقة (بمفهوم المال الحلال عند المسلمين).

هذا هو الحكم الرشيد الذي كان يجب أن يحدث في الدول ذات الثروات الطبيعية كافة، هذا فعلا رمز وعي المجتمع المدني النرويجي الذي أفرز أحزابه الديمقراطيه والذي حدد لها مسارها وسياساتها، فأين مجتمعاتنا من ذلك.

الغنى والفقر ليس نتاج فعل الطبيعة وثرواتها وإنما هو نتاج حيوية المجتمع المدني ومقدرته على فرز ومراقبة مجتمع سياسي يأتمر بأمره. الأصل بالأمم في هذا الزمن هو الشعب. هو مصدر السلطة ومصدر القانون.

المجتمعات المدنية الأوروبية بُنيت وترعرعت بعد قرون من النضال واستطاعت أن تفرض مجتمعا سياسيا مُكملا لها. استطاعت فرنسا وألمانيا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أن تبنيا معاً نواة التعاون بينهما في مجال الحديد والفحم لبناء ما دمرته الحرب بعد أن تخلصتا من وضع سياسي فاشي ونازي، كان متناقضاً تماماً مع مفهوم ومطالب المجتمعات في دولها.

بدأ البنيان الأوروبي الحديث فوراً بعد الحرب عن طريق فتح الحدود أمام حركة الطاقة (الفحم) ومواد البناء الأساسية ( الحديد) وكأن هاتين الدولتين لم تخوضا حرباً ضروسا  بينهما مُخلفة ملايين القتلى. أولوية التعاون بعد الحرب غلبت على أولوية الانتقام والمصالح الحزبية وهذا ما سمح ببناء أوروبا الحديثة، والتي تعرف منذ أكثر من ستين عاماً سلاماً بين دولها المشاركة لم تعرفه منطقة اخرى في العالم.

كما نرى فإن تقارب المصالح من فتح الحدود وبناء الجسور بين الشعوب، هو الذي يقود إلى الرخاء والاستقرار وإنهاء الحروب.

المجتمع الأوروبي قوي جداً، تُعبر عنه الاتحادات والنقابات وكذلك الجمعيات المختلفة في أمور شتى، والتي لا تترك صغيره ولا كبيره إلا وأبدت رأيها فيها، وتحركت ضدها حين الضرورة، يكون ذلك من خلال الانتخابات أو المظاهرات والاعتصامات. السلطة والأحزاب في أوروبا لا تستطيع أن تستعمل اللعبة الديمقراطية لتمرير ما لا يريده الناس أو ما يعتبرونه متناقضا مع مصالحهم وقيمهم.

لقد صوت البرلمان الفرنسي في سنة 1984 على مشروع قرار تطوير وإعانة المدارس الخاصة الدينية، وهو ما أدى إلى خروج الملايين الذين اعتبروا ذلك انتقاصاً للعلمانية وفصل الدولة عن الدين مما اضطر الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران وحكومته إلى التراجع عن هذا القانون رغم أنه كان مُقراً من قبل البرلمان. حدث ذلك أيضاً في 2006 عندما اضطرت الحكومة الفرنسية لسحب قانون العمل الذي عرضه دومينيك دوفيلبان، رئيس الوزراء، على البرلمان تحت ضغط المتظاهرين. أيضاً في سويسرا يصوت السكان مرات عدة  في السنة على القوانين كافة وهو ما يعتبر فعلا ديمقراطية مباشرة.

هذه نماذج تُعبر عن قوة المجتمع المدني المنظم في الدول الديمقراطية. النظام الديمقراطي يسمح بكل تأكيد بوجود هذه المعادله المتوازنه ويعطي للوسط السياسي حق التعبير عن مصلحة الناس وحق قيادة الدوله بناءً على فهمه لحاجات مجتمع مدني واع وقوي ومراقب لتصرفات السياسيين، وليس فقط مجموعة من الناس تذهب كل أربع أو خمس سنوات للتصويت لانتخاب ممثليها ثم تعود إلى سُباتها.

في وطننا العربي لا يوجد عملياً تعبير حقيقي على المجتمع المدني، النظام السلطوي الاستبدادي هو نتاج ذلك وليس سببه، وكما قال الرسول الكريم ” كما تكونوا يُولى عليكم”، فمن يقبل الانتقاص من حريته يتحمل مسؤولية ما يحدث له. في بلادنا ذات التاريخ المجيد نجد شبه انعدام للمجتمع المدني بمفهومه المنظم (النقابات، الاتحادات الحرة المستقلة …الخ) وانفراداً للأحزاب بالسطو على مقدرات الأمه، وهنا نحن لن نفرق بين الأحزاب والقوى المتواجده بالسلطة أو تلك الموجوده خارجها وحتى عندما تكون بالمعتقلات. في بلادنا إن استولت قوة معارضه على السلطه فهي لتستبدل سلطه انفرادية بسلطه أخرى  مشابهة  دون الالتفات للمجتمع المدني.

نرى هنا أن انعدام المجتمع المدني المنظم لا يستطيع أن يُفرز إلا أنظمة استبدادية.

انظر إلى الأنظمة العربية في دولنا منذ الخمسينيات ترى أن كل التغيرات السياسية بالسلطه كانت سلطوية، ولم يكن هناك أي نظام ديمقراطي على مدى أكثر من 60 عاماً. نؤكد هنا من جديد أن السبب الأساسي في ذلك هو انعدام الرقابة الشعبية على الأحزاب عن طريق الانتخابات مثلاً، وانعدام مفهوم تطوير المجتمع المدني، لدى هذه الأحزاب وانفرادها وترفعها على الاستماع للجمهور، وهذا ما قد نسميه بالطرش السياسي للأحزاب والذي قد نضيفه إلى عمى المجتمع المدني، أي عدم وجود مجتمع مدني منظم.

حتى نتمكن من تغييير شيء في واقعنا، أرى أن علينا أولاً نحن المواطنين العاديين، المهنيين، و المثقفين… كتاباً وصحفيين ومفكرين، أن نبدأ في وضع أسس لمجتمع مدني عربي قوي كأولوية وقبل أي شيء، وستكون السياسه والأحزاب بعد ذلك تحصيل حاصل. يتوجب لذلك الابتعاد عن الشعارات الحزبية والاقتراب من الشعارات الاجتماعية، كمثال واضح على ذلك هو الثورة التونسيه في كانون ثاني 2010، والتي بدأت ربيع المجتمعات المدنية العربية. لم يرفع التونسيون شعارات العداء للإمبرياليه والاستعمار كقوى السلطة والمعارضه منذ عشرات السنين، وإنما طالبوا بالعدالة الاجتماعية وكرامة المواطن. لم نر في هذه المظاهرات حرقا لأعلام فرنسا المُستعمر السابق أو أميركا امبراطورية العصر وداعمة إسرائيل، هذه حقاً هي روح المجتمع المدني، تبقى تونس لنا مدرسة مند البداية وحتى الآن، حيث تراجعت الأحزاب (مثلاً حزب النهضه) أمام مطلب الناس بقانون مدني اجتماعي، وأفرز الحراك التونسي عن وجه جديد فيه الأولوية للمواطن وحقوقه وخصوصاً حقه في تحديد سياسة الدوله وأيضاً مراقبتها بكل الوسائل، بما فيها التجمعات، الاعتصامات والمظاهرات.

في الدول الديمقراطية تُقابل مطالب المجتمع المدني دائما من السلطه بالنقاش والأخد والرد. وتُحل المشاكل المطروحه بناءاً على مطالب الناس. في دولنا لسوء حظنا قوبلت مطالب المتظاهرين في دول الربيع العربي بالقنابل والرصاص والبراميل المتفجره، هذا العنف المُفرط أمام مطالب الكرامة والحرية من مجتمع يدل على مدى مصداقية هذه المطالب وحاجتنا لها.

قتل الآلاف وتشريد الملايين هو جواب السلطه الطرشاء على حراك المجتمع بعد أن رفع عن عينيه الغشاوة وبدأ بالنظر باتجاه آخر غير اتجاه ما تريده السلطة الناهبه أو الأحزاب له من شعارات فضفاضه لتحييده عن الحراك لاستعادة دوره الطبيعي كأساس تُبنى له وعليه ومن أجله كل الشعارات.

 

 

باريس 28/1/2015

 

 

 

الهجرة الى الغرب البحث عن النعيم ام الهروب من العذاب

الهجرة إلى الغرب

البحث عن النعيم أم الهروب من العذاب

نزار بدران

 

الهجرة وشغف البحث عن كل ما هو جديد واكتشاف عوالم مجهولة ذو معنى إنساني جميل، فلولا ذلك ما وُجدت الإنسانية، فأول المهاجرين هم أجداد أجدادنا من آلاف السنين والذين وُلدوا في أدغال أثيوبيا أو صحاري تشاد ليعمروا الأرض كلها وصولاً إلى آخر الدنيا.

بدأ المسلمون تقويمهم الزمني بالهجرة وأسموه بالتقويم الهجري، تيمناً بهجرة الرسول الكريم من مكة إلى المدينة، حلم المسلمين القلة المظلومة بدأ يتحقق بهذه الخطوة. لنصل إلى ما عرفه العالم من عظمة الحضاره الإسلامية أيام مجدها.

الحق في الهجرة والتنقل حق شرعي لكل انسان مهما كان سببه؛ فأرض الله للجميع، إلا أن قوانين الدول الوطنية تحُد من ذلك وتضع شروطاً للهجرة تحصرها فقط في مجال استيراد المعرفة والمهارات النادرة أو في إطار اللجوء السياسي إذا اكتملت شروطه. الهجرة إذا هي دائماً شرعية بالمفهوم الإنساني حتى لو كانت غير قانونية بمفهوم الدول.

اليوم يأخذ مفهوم الهجرة معنى مناقضاً في هذا االزمن، هو عذاب دائم وموت محتمل في أعماق البحر.

الوصول إلى سواحل أوروبا أصبح لدى كثير من الشباب هدفاً يستهينون بالموت من أجله، علماً بأن كتابنا ومفكرينا لا يألون جهداً في تفسير أوضاع المهاجرين وخصوصاً المسلمين في أوروبا، فهم يذكروننا دائماً بالعنصرية المتنامية والاعتداءات حتى القتل في بعض الأحيان. ناهيك عن منع المسلمين من ممارسة شعائرهم الدينية بحرية في هذه البلاد.

يذكرنا هؤلاء المثقفون دائماً باستعمارية الغرب وكيف وكيف….. الخ، مع ذلك فإن الآلاف بل مئات الآلاف يركوب البحر للذهاب إلى هذا العذاب المُنتظر، الذي تحول إلى مقبرة مائية.

أليس ذلك عجيباً  … ولكن كما قال المتنبي: “السيف أصدق إنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب”، وبكل تأكيد فإن هؤلاء الشباب والشابات، وهم في كثير من الأحيان، قرؤوا هذه التحاليل والمقالات عن الغرب، وازنوا بين نار أوطانهم والجنة الموعودة بالغرب الذين يسمعون ويقرِؤون عنها في أماكن أخرى غير صفحات هؤلاء الكتاب الأفاضل، استخلصوا أن من حقوق الإنسان الأساسية حق التنقل والسفر بحرية والعوده إلى أوطانهم متى شاؤوا يمارسونه بوسائل وبأوضاع غير عادية.

نرى هنا خمسة من أشكال هذه الهجرة مرتبطة بالعوامل الاقتصادية والسياسية، الشكل الأول هو  اللجوء الاقتصادي : اختفاء الاقتصاد الوطني في الغرب لصالح اقتصاد العولمة، لم ينعكس فقط على تنقل أو صناعة البضائع بل شمل أيضاً  العمالة،

فقانون العرض والطلب والسوق الحر المميز للاقتصاد الرأسمالي ينطبق بحذافيره على سوق العمل. أصبحت الوظيفة الشاغرة في مكان ما في هذا الاقتصاد الرأسمالي الغربي مفتوحة أمام أفضل من يستطيع أن يشغلها، خصوصاً عندما تشح الموارد الإنسانية الكافية لاشغال هذه الوظائف. مما أدى إلى وجود عدد كبير من الأطباء والمهندسين وغيرهم من ذوي الكفاءات العالية في مستشفيات ومصانع الغرب ، قدموا من بلادهم بشكل مُمنهج وعادي وبدون عوائق، وتُعرض عليهم في بعض الأحيان محفزات كتسهيل تعلُم اللغة والحصول بعد فترة معينة على الجنسية. هذا النوع الأول يسير بكل الاتجاهات بين الدول وحتى الغربية منها، فكثير من الفرنسيين مقيمون في بريطانيا (250 ألف  فقط في لندن) أو أمريكا. وكثير من الأوروبيين ذوي الكفاءات يعملون في دول الخليج العربي.

هذا الوضع العولمي الطبيعي أدى في بعض الأحيان إلى إفقار الدول النامية من الكفاءات وهو ما يُسمى بسرقة العقول. هذه المُعضله لا يمكن معالجتها إلا اذا قُدم للمواطن العربي المُتعلم نفس الإمكانيات التي يحصل عليها في الغرب، وفُتح له باب التطور العلمي والحرية في الإبداع والتي يجدها بسهولة في بلاد المهجر.

الشكل الثاني من الهجره هي الهروب من الفقر والحاجة للبحث عن مصدر رزق ولو كان قليلا في بلاد الآخرين، سببه الأساسي الفساد وغياب الحقوق في بلادنا، فالعامل وإن وجد عملاً فهو بأجر قليل، ويُحرم تقريباً من الحقوق المرتبطة بالعمل كافة كالضمان الاجتماعي والصحي له ولعائلته، التقاعد، العطله والتكوين المهني، الانضمام للنقابات المستقلة للدفاع عن حقوقه والتعويض في حالة البطالة.

هذه حقوق منهوبة يأخذها أصحاب العمل لتحقيق أكبر قدر من الربح دون أي رادع قانوني، فالفساد يعُم البلاد والعباد والقوي يأكل الضعيف، وهو الذي يضع قوانين هذا الغبن لصالحه دائماً، هذه الوضعية ليست مرتبطة بفقر الدولة أوغناها.بل بمقدار احتكامها لقوانين عادله.

لا تُحل هذه الإشكالية إلا عندما يصبح العامل مواطن بحقوق كاملة، كما هو الوضع في الغرب. الحاجة أو الفقر مضاف إليها ضمان الحقوق المأمولة في أوروبا هي إذن السبب الأول في ذلك النوع من الهجرة.

الشكل الثالث وهي هجرة جديدة خاصة بنا هذه الأيام ؛ وهم الهاربون من الموت و الذين يعيشون وعائلاتهم تحت القصف اليومي والبراميل المتفجرة والرصاص هم الضحايا المباشرون لهمجية مغول العرب.

هؤلاء يهربون ولا يهاجرون، إنقاذ النفس والأهل هو هدفهم، هم اللاجئون وقد تقطعت بهم السبل من يجدون الأبواب الموصده في وجوههم من يموتون جوعاً وبردا. وصولهم لأوروبا هو عرضاً وليس هدفاً بذاته، فهم يقعون فريسة تجار الهجرة بعد هروبهم من الموت ليلقوه في كثير من الأحيان من جديد وسط البحر، وهذا أيضاً مصير جزء كبير من الفارين من الفقر وانعدام الأمل من الشكل الثاني للهجرة.

الشكل الرابع هو اللجوء السياسي المميز بقمع المعارضين والهادف إلى تكميم الأفواه ، هجرة قليلة … ولكنها ترمزالى رفض السلطه لأي شكل من أشكال التعبير والنقد. بشكل عام تذهب تلك الهجره إلى بلاد الغرب ولا نراها إلا في الدول الكاملة الديمقراطية، وإن دل على شيء فإنه يدل على أهمية الديمقراطية كوسيلة لحماية المُضطهدين فكرا، وجزء أكبر من المعارضين العرب الإسلاميين لجؤوا إلى أوروبا وبشكل خاص إلى بريطانيا ولم نرهم متوجهين إلى الباكستان أو السودان. ولا ننسى أن جزءا من كتابنا ومن الصحافة الحرة ومواقع التواصل الاجتماعي لا تستطيع ممارسة مهنتهم كما يشاؤون إلا في العواصم الغربية وهو ما يُفسر نجاح هذا الإعلام المهاجر عند المواطن والقارىء العربي، ورُغم انتقاداتهم  اللاذعة  والمحقة في أغلب الأحيان للسياسات الغربية فإنهم لا يشعرون بالقلق على حرية عملهم. وإن كان هناك تدخلات فهي في مُعظم الأحيان تحت ضغط الأنظمة العربية لإسكات الأقلام الحرة.

الشكل الخامس التهجير الطائفي المُرتبط بالتخلف، وتلاعب السلطه الاستبدادية بمكونات المجتمع المُتعايشة منذ مئات السنين، لتحويل تناقض المجتمع مع السلطه إلى تناقض المجتمع مع نفسه، وتعطي السلطه نفسها دور حامي الأقليات والديار، مما يمكنها من الاستمرار بالحكم مطبقة المثل المشهور (فرّق تسُد).

غناء الأمه في تنوعها، التنوع الديني والعرقي والثقافي،إن الصفاء العرقي أو الديني هو مفهوم عنصري، لا يؤدي إلا للحروب والدمار. مثال الولايات المتحدة الأمريكية يؤكد هذا المبدأ، فهم تقريباً كلهم مهاجرون أتو من كل حدب وصوب، وما زالوا يستجلبون الناس من كل مكان.

الكثير من الدول انتقلت من موضع الدول المهجرة لأهلها إلى دول تستقطب الآخرين، مثال ذلك في اليابان في الخمسينات والتي كانت مُصدره للفقراء الذاهبين إلى الحُلم الأمريكي، وفي السبعينات والثمانينات كوريا الجنوبية بعد تحولها من الحكم العسكري إلى دولة كاملة الديمقراطية.

لن تنتهي معاناة هذه الأمة إلا إذا توحدت جهودها لإنهاء الظلم والاستبداد، وإقامة العدل والديمقراطية والتي ستسمح ببناء صرح الوطن بأيدي أبنائه جميعاً وبمساعدة موارده الطبيعية الهائلة واحترام حقوق الإنسان ووضع قوانين عمل توفر فرص عمل كريم وتحترم حقوق العامل.

أسئله كبيرة يجب أن نطرحها على أنفسنا، نحن أبناء هذه الأمة  ونجيب عنها من أوطاننا وأحوالنا. الظلم السياسي والديني والاجتماعي المُستشري عندنا هو الذي يجب أن يكون محل تحليل ودراسة الكتاب والمثقفين والمتعلمين.

بناء اقتصاد إنتاجي (مبني على عمل الناس) وليس ريعي (مبني على بيع ثروات الوطن)، هو الذي سيسمح بوجود فرص عمل واقتصاد متقدم حتى ننهي معاناة اللجوء والهجرة وتنقلنا من منظومة الرعايا عند السلطان إلى مفهوم المواطن مصدر السلطة.

مساحة الأرض العربية بثرواتها الضخمة وإمكانيات أبنائها الأوفياء ستصبح يوما ان شاء الله أندلساً يأتي إليها ولأجلها الآخرون مُهاجرون لأوطاننا بحثاً عن العمل والعيش الكريم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حقوق المرأة معيار الحضارة

حقوق المرأة معيار الحضارة

إن كل عمل انساني بحاجة للتقيم والتقدير ,والحضارة هي أرقى أشكال الفعل الانساني مند القدم ؛ نقلته من عالم الغاب إلى نورالعلم والمعرفة, ورسّخت علاقات أفراد المجتمع على أساس التعاون واحترام قوانين العيش المشترك لا على القوة, فبعدنا او قربنا من التحضر يُقاس بمقدار التزامنا بمعاييرها.

لعل أهم هذه المعايير هو:  كيفيه تعامل الدوله والمجتمع مع الضعفاء فيه؛ كيف نحمي المريض والطفل واليتيم وكبار السن والعجزه وذوي الاحتياجات الخاصة والعاطلين عن العمل والمهجرين واللاجئين . هل نقدم لهم الضمان الصحي والعناية اللازمة وتعويض فقدان العمل ووسائل العيش الكريم التي تناسب حالاتهم.

الانسانيه هي فينا كلنا نساء ورجالا صغارا وكبارا, اقوياء وضعفاء.  وهي متساوية لا توجد انسانية اقل او أكثرمن الأخرى.

لم اكن لأضع المرأة في خانة الضعفاء ابدا  فالمرأة قوية تستطيع ان تعمل وتنتج وتبني, هي نصف المجتمع وعموده الأساسي ، لكن ضياع حقوقها في مجتمعاتنا, واستغلال البعد الديني والقبلي لهضم تلك  الحقوق لهو دليل على التخلف والجهل فنحن في مجتمعاتنا نقطع احدى يدينا الاثنتين عندما نضع المرأة في هذه الخانة .

الإضعاف لدور المرأة يتم عن طريق منعها من العمل وهو اساس استقلاليتها وحريتها, ومنعها من التنقل كما تشاء, وحقها بالارث وحقوقها العائلية بالزواج المختار والإنجاب وحضانة الاطفال عند الطلاق وغيره.  هذا الإضعاف هو بفعل المجتمع لا لكون المرأة ضعيفة في الأصل.

أنظمة الاستبداد في بلادنا والتي تتحكم فيها قلة مستغلة لحياة الملايين، حارمة  إياهم حقوقهم ، سارقة ثمرات أعمالهم, هادرة حقوق المرأة والرجل على حد سواء, هم فقط رعايا عند السلطان او مصفقين للقائد الملهم .

الكفاح من اجل تحرر المجتمع ومطالبة الجميع بالحرية والكرامة والمواطنة هي الوسيلة الأجدى كي تستطيع المرأة ان تبدأ نضالا فاعلا للحصول على حقوقها المدنية والاجتماعية والسباسيه,   فمجتمع المستعبدين لا يمكنه ان يهب أحدا  شيئا ؛  أثمنها وأغلاها …… الحرية

احترام حقوق المرأة في العالم  مبدأ أقرته الامم المتحدة في اتفاقية بكين عام 1995, ووضعت لذلك اثني عشر بندا تتناول كل مناحي الحياة , وقعت على تلك المعاهده 189 دوله وفيها طبعا جُلّ الدول العربيه والاسلاميه.

ينتظر الامين العام للامم المتحده أول تقرير عن تقدم تنفيذ هذه  الحقوق هذا العام 2015, وقد استلم حتى الان تقارير العشرات من الدول. ونتساءل ….    أين نحن من هذه الالتزامات وماذا فعلت حكوماتنا ودولنا مند عشرين عاما, وهل هناك من مطالب لتنفيذ هذه الالتزامات ؟

الاحتفال بفرنسا بالثامن من اذار هو بالاساس للتذكير بالنساء اللواتي ناضلن لتحصل المرأة الفرنسية على حقها في المساواة, وتذكرنا الصحافه بالفيلسوفه سيمون دو بوفوار والكاتبة فرانسواز ساجان والوزيره سيمون فيل, وبنضالهن في منتصف القرن الماضي لوضع قوانين تحمي حقوق المواطنه الفرنسيه وتساويها بالرجل.  تقوم موسسات المجتمع المدني بمراقبة تنفيذ واحترام هذه القواعد والقوانين وتعمل على تطويرها ومنع عودتها الى الوراء.

في بلادنا يأتي هذا اليوم للتذكير بالوضع المأساوي الذي تعيشه نساؤنا , والذي هو جزء من الوضع الماساوي الذي تعيشه مجتمعاتنا برجاله ونسائه . نضال المرأة لا يتجزأ ولا ينفصل في هذه المرحله  عن نضال الرجل وان كان أكثر صعوبة ومشقة. فالمرأة تناضل كالرجل للحصول على حقها بالمواطنة والخروج من تحت عباءة السلطان او القائد الملهم. كذلك تناضل من اجل مساواتها بالرجل والخروج من عباءة ولي الامر المفروض عليها قسرا بحجة الموروث من  القيم والعادات للمجتمع.

المرأة باحتلالها موقع الأكثر مظلوميه في المجتمعات الفاقده للحرية مؤهله  لتقود حقا هذه المجتمعات الى واحة الحرية. وأظن بان دورها المستقبلي في عالمنا العربي والإسلامي هو دور محوري.

لاحرية للرجل  ولا لغيره  دون حرية المرأة . فلندافع  جميعا عن حرياتنا حتى نستطيع ان نبني معا مجتمعا عادلا قويا لا مكان فيه لقانون الغاب والذئاب.

نزار بدران

8/3/ 2015

للمزيد ابحث على الانتيرنت  : تقرير الامم المتحده  للموتمر العالمي الرابع للمراة ببكين  المنعقد من 4 الى 15 ايلول 1995

العلمنة الاجتماعية أساس الدولة العلمانية

 

 

العلمنة الاجتماعية أساس الدولة العلمانية

نزار بدران

هناك نوع من الاضطراب حول مفهوم العلمانية، داخل محافل الإعلام والنقاشات الدائرة حوله منذ عدة سنوات، وخصوصاً منذ بدء الثورات العربية. وهذا عائد لإرث قديم يعود لزمن الاستعمار، والذي وُوجه بتأكيد “الهوية الإسلامية” كأحد وسائل المقاومة، بينما جرى إقصاء، الترابط بين العلمانية والتحرر والحداثة.

ومن ناحية أخرى، بُلينا لعشرات السنين، بحكومات ديكتاتورية شرسة، في العديد من الدول العربية (مثل سوريا والعراق)، والتي كانت تُعلن انتماءها المُزيف، للعلمانية السياسية، ولكنها لا تستعمل هذا التعبير إلا لإبعاد كل أنواع المُعارضة السياسية الإسلامية، حتى لو كانت ديمقراطية، وتقبل مبدأ التبادُل السلمي للسلطة، كما رأينا حديثاً بمصر.

يوجد للعلمانية مفهومان متكاملان، أحدهما وهي العلمانية السياسية، المعروفة عند الناس، أي مبدأ فصل الدين عن السلطة. والأخرى أقل معرفة، وهي العلمنة الاجتماعية (وليس العلمانية) والتي ترتبط بالحداثة.

المفهوم الأول أي فصل الدين عن السلطة، هو مبدأ قديم، تبلور في خِضم التغييرات الثورية، التي حصلت في أوروبا خلال مرحلة الثورة الصناعية، وما تبعها من تغييرات سياسية وفكرية، خصوصاً ما جادت به قرائح مُفكري عصر الأنوار والثورة الفرنسية، وتبنته كثير من أنظمة الحكم الديمقراطية وكذلك الديكتاتورية.

هنا يكمن أول شرخ في مفهوم هذا النوع من العلمانية السياسية، ما يؤدي بدوره إلى نوعين جديدين، الأول العلمانية في إطار الحكم الديمقراطي، وهو ما أسميه “العلمانية المُسالمة” أو الإيجابية، وهذا النوع هو المُنتشر في أوروبا وكافة الدول الديمقراطية، بما فيها تركيا المُسلمة. العلمانية هنا تعني حيادية السلطة أمام الأديان، واحترامها لجميع أبنائها، ومعاملتهم بقوانين تساوي بينهم وتحترم عقائدهم، الفرد هو مواطن أولاً. ولكنها ترفض أن تُسن القوانين للدولة، بناءً على تشريعات خارج إرادة ممثلي الشعب (البرلمانات), وبدون أي ارتباط بأي قوانين غيبية، تضع حرية الإنسان بالفكر قبل أي اعتبار.

هي إذاً تفصل الدين عن مُمارسة السلطات الثلاثة، التنفيذية والتشريعية والقضائية، هذه القطاعات المؤسسة للدول. لا يمكن فيها أن يُنطق بحكمٍ، أو تُسن سياسة، أو يوضع تشريع، من دون أن يكون الإنسان مُمثلاً بالشعب، مصدره الوحيد (هذا لا يمنع الاستلهام بالفكر الديني). لا مكان في الدولة العلمانية للتشريع الديني، لأن الأديان فيها مُتعددة، والدولة تضع نفسها كحامية لكل الأديان، ولا تُنصب ديناً للدولة، أو تفضله على دين آخر.

الدين في هذه الدول (كما في تركيا المسلمة العلمانية) والمجتمعات، هو مرجعية أخلاقية وتقليدية فقط، لأن هذه هي وظيفته الحقيقية، وتضع الأديان كلها في مصاف الدفاع عن السلم الاجتماعي، بدل تدخلها بالتشريع، والذي يضع المجتمعات في مهب التناقضات والحروب الطائفية.

الأخلاقيات والقيم وتهذيب النفس، هو الدور المُناط بالمرجعيات الدينية، هذا ما يحدث بالفاتيكان بالعالم الكاثوليكي وبرضاه، وما أعتقد أنه سيكون عليه الوضع بالعالم الإسلامي. من درس أعمال إصلاحيي الدين الإسلامي، بنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين (أمثال الشيخين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده) قد يجدُ في حينه، انفتاح أكبر على مفهوم العلمانية منه الآن، بين دُعاة الدين والتدين. هذه هي العلمانية الإيجابية، والتي بدونها، قد لا يوجد سلم اجتماعي ممكن.

النوع الآخر من العلمانية السياسية، هي تلك السلبية أو العنيفة أو الكافرة، كما كان الحال في الاتحاد السوفيتي أو الدول الشيوعية الأخرى، والتي كانت تعتبر “الدين أفيون الشعوب”، وتمنع ممارسته والقيام بشعائره، وتُغلق الكنائس قبل الجوامع، وتحرم الناس من العيش في كنف المعتقدات الدينية التي يودونها، أو الاحتفال بأعيادها. هذه العلمانية لا تستطيع أن تبني السلم الاجتماعي، وإنما هدفها فرض دين جديد، وفي حالة الاتحاد السوفيتي، هو “الدين الشيوعي”، كباقي الأديان، يتصور أنه يمتلك الحقيقة المُطلقة.

العلمانية إذن هي أسلوب عمل سياسي، يفصل مؤسسات الدولة عن المُحتوى الديني، وهو نتاج نضال سياسي ونقاشات طويلة وثورات ثقافية، كما حدث بأوروبا خلال القرون الأخيرة الماضية، وأُقر هذا القانون بفرنسا مثلاً في العام 1905.

من ناحية أخرى، ومقابل علمانية الدولة، يوجد ما يمكن تسميته (بالعلمنة الاجتماعية)، وهو مفهوم اجتماعي للعلمانية، حين تتحول المُمارسات الاجتماعية، من أُطرها الدينية إلى أُطر علمانية، هذه الأوضاع موجودة في كل البلاد، بما فيها البلاد العربية والإسلامية، وهي برأيي من طوّر الأوضاع خلال الثلاثين السنة الأخيرة في بلادنا, وحضّر لانفجار الربيع العربي.

وهي تعني الخروج التدريجي والبطيء لكل نواحي الحياة، من الكنف الديني، هذا واضح جداً بالتعليم الذي انتشر بشكل واسع، فالمدارس والجامعات لم تعُد مرجعياتها المؤسسات الدينية إلا ما ندر، التعليم لم يعد يتم بالكتاتيب القرآنية والزوايا، والجامعات والمعاهد لم تعد مُلحقة بالجوامع، أو كما بالحالة الغربية بالكنائس. هذا لا يعني أنه لا توجد مدارس ذات مرجعية دينية، ولكنها أقل بكثير من الماضي، نذكر كمثال جامعة الأزهر والمدارس الدينية الحرة بالغرب، ولكنها تطبق مناهج معظمها مُعلمنة اجتماعياً، فالعلمانية السياسية الإيجابية، لا تمنع ذلك قطعاً.

العلمنة تمتد أيضاً، إلى كل نواحي الحياة، من اقتصاد وفن وصحة، فالطب مثلاً لا يوجد له أي ارتباط حالياً، إلا بالمعطيات العلمية، كذلك الاقتصاد والمعاملات التجارية، والتي تحكمها حالياً قواعد الاقتصاد العالمي، وما محاولات البعض لإدخال مفهوم الاقتصاد الإسلامي، كوسيلة ناجعة لبناء اقتصاد حديث، إلا كلام نظري، وما نسمعه بالإعلام بشكل دوري، عن “الاقتصاد الإسلامي”، لا يوجد له حقيقة أي تطبيق بأي تشريع وبأي دولة، بشكل واسع، بما فيها الدول الإسلامية، والبنوك المسماة إسلامية، تُطبق حقيقة قواعد الاقتصاد الأكاديمي مع بعض التعديلات الشكلية.

ويمكن ملاحظة هذه العلمنة الاجتماعية، بحياة المرأة العربية والمسلمة، والتي لم تعد تقبل بالبقاء بالبيت، والقيام بالدور الذي يعدها به “الإسلاميون” بكل أطيافهم، وهو الإنجاب وتربية الأولاد. الواقع الديمغرافي منذ عشرين عاماً، والانخفاض الشديد للخصوبة، بالدول العربية والإسلامية، (والذي انتقل من 6 أطفال لكل امرأة في نهاية الثمانينات، إلى طفلين لكل امرأة حالياً، بحسب الإحصائيات العالمية). واتجاه المرأة نحو التحرر، والانعتاق من سيطرة الرجل، والدخول إلى عالم العلم والعمل، هو أكبر دليل على هذه العلمنة الاجتماعية، حيث تبتعد المرأة بممارساتها اليومية الحياتية، عن المعايير الدينية التقليدية، حتى في الدول الإسلامية العريقة.

العلمنة إذاً هي واقع حداثي، يتطور تدريجياً منذ عشرات السنين، بكل مناحي الحياة، وهو بموازاة العلمانية السياسية، يضع المجتمعات على طريق التقدم والسلم الاجتماعي. علمنة الواقع الاجتماعي إذاً، هو من يفرض التغيرات الاجتماعية، والتي تضع هذه الدول، على حافة الانفجار، بسبب التناقض المتزايد بين الأطر السياسية الاستبدادية، والمفاهيم الدينية الاجتماعية التقليدية من جهة، وبين حقيقة الحياة الاجتماعية المُمارسة حقيقة على الأرض من جهة أخرى.

الربيع العربي والحراك الشبابي، خصوصاً، هو نتاج هذا التناقض، وهو يشبه الزلازل، التي تحدث بعد تجمع قدر كبير من الطاقة الضاغطة بين طبقات سطح الأرض، تتجمع تدريجياً على مدار عشرات السنين، لتنفجر في بضع دقائق.

الانفجار الشبابي إذاً، هو نتاج هذا التراكم الحداثي، في ظل الاستبداد والتخلف الاجتماعي، وليس نتيجة مؤامرة، وهو ما يحاول دُعاة وداعمي الأنظمة ترويجه بين الناس، بمن فيهم بعض مُدعي اليسارية والعلمانية المُزيفة.

العلمنة الاجتماعية هي واقع يتطور ببطء، ولكنه يتقدم باستمرار، سيؤدي عاجلاً أم آجلاً، للتغيرات الديمقراطية المرجوة، والوصول للعلمانية كوسيلة حكم، وعندها تجد الأديان في مجتمعاتنا وضعها الطبيعي، أي الداعية للسلم الاجتماعي والتآخي بين الناس، بدل الدخول في جعجعة السياسة، وإشعال الخلافات الطائفية، التي لا يمكن حلها، لأن العقائد الدينية متناقضة، حتى داخل نفس الدين أو المذهب، وكل طرف يعتقد امتلاكه الحقيقة الأزلية، وينفي بالتالي وجود الآخر، الذي يحمل هو أيضاً نفس التصور عن دينه.

إن عودة الديانات إلى مفهومها الأصلي، وهو التآخي والمساواة، في مجتمع متنوع بأجناسه وآرائه ومُعتقداته، وترك السياسة للناس في أُطر الديمقراطية، هو من سينقذ مستقبل الأديان في مجتمعاتنا السائرة والطامحة نحو الحداثة والتحضر، والتجربة التركية وأيضاً التونسية جديرتان بالدراسة، واستنباط العبر، لأنهما تجربتان رائدتان أثبتتا نجاحهما ونجاعتهما.