https://www.humanite.fr/en-debat/colonies-israeliennes/reconnaitre-letat-de-la-palestine-et-apres
Palestine
النظر إلى ما وراء السياج القدس العربي 13 أيار 25
النظر إلى ما وراء السياج
د. نزار بدران
الناظر إلى الوضع العربي المُتهالك، الذي فشل تمامًا في تقديم أي دعم لضحايا العدوان الإسرائيلي، يُلقي باللوم على الأنظمة العربية. فهي، أولًا وأخيرًا، من تملك قرار التدخل، وتمتلك أيضًا وسائل هذا القرار، من قوة عسكرية واقتصادية وشبكة علاقات دولية واسعة، إضافة إلى ارتباطها بعلاقات مُميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية، الراعي والداعم الأول لإسرائيل.
فلماذا إذًا لا تُقدِم هذه الأنظمة على اتخاذ مواقف فاعلة؟ هل السبب فقط طبيعة هذه الأنظمة (انعدام الشرعية الشعبية)، أم هو الخوف من انتقال عدوى الحرب إلى عقر دارها؟
إسرائيل، من جانبها، لا تُعير أي اهتمام لهذه الأنظمة ولا تكترث بمشاكلها الداخلية. فهي تهاجم لبنان، وتحتل أجزاء جديدة من سوريا، وتُغيّر طبيعة الاتفاق مع مصر، بإقامة حواجز أرضية جديدة، تُلغي فعليًا جزءًا مهمًا من اتفاقيات كامب ديفيد.
إسرائيل لم تُقدّم للدول العربية المُطبّعة معها، شرقًا وغربًا، أي مكاسب تُذكر تُسكت بها شعوبها المغلوبة على أمرها. هذه الشعوب لا ترى في التطبيع سوى وسيلة للهيمنة الإسرائيلية ووصولها إلى أبعد نقطة في الوطن العربي، في الوقت الذي تؤكد فيه سلطات تلك البلاد اهتمامها بالقدس وبالشعب الفلسطيني وحقوقه.
كان من الممكن أن نتفهم هذه السياسات، لو تمكنت دول التطبيع من إجبار إسرائيل على فتح المعابر أمام المساعدات الإنسانية، وإدخال الماء والغذاء والدواء للمحاصرين الجوعى. كان يمكننا قبول التقارب مع إسرائيل، الدولة المحتلة لفلسطين، لو أوقف هذا التقارب حرب الإبادة. لكن، للأسف، العكس هو الحاصل؛ فالحرب تتصاعد، بينما يستمر التطبيع والعلاقات الودية والتجارية والسياسية، وكأن الشعب المحاصر يعيش على كوكب آخر، لا يربطه أي إرث مشترك مع شعوب هذه الدول.
كان بإمكاننا أيضًا النظر إلى تلك السياسات كأداة بيد الدول المُطبعة للدفاع عن مصالحها، لو سحبت سفراءها من تل أبيب، وطردت السفراء الإسرائيليين من عواصمها، أو حتى لو حصلت على دعم أمريكي لإقامة دولة فلسطينية. لكن شيئًا من هذا لم يحدث.
أما الدول العربية الأخرى، فلم تُقدّم بدورها شيئًا يُذكر لوقف المجازر والمجاعة اليومية. هي تُزيغ بنظرها وكأنها لا ترى، وتحاول تفادي غضب واشنطن. جلّ همّها هو إحكام قبضتها على شعوبها وخوض حروب داخلية لا طائل منها، سوى المزيد من الموت والانقسام.
لم يستعمل أحد البترول أو الغاز كسلاح ضغط على أوروبا وأمريكا، لا في المشرق ولا في المغرب.
الحدود والسيادة، هما عنوان الفشل العربي. فنحن لا نملك حقًا حدودًا تحمينا من عدونا، ولا سيادة تُخوّلنا فعل ما نريد من أجل ازدهار شعوبنا.
استفراد الأنظمة العربية بشعوبها، المتقوقعة داخل حدود دولها، ترجم واقعًا بغياب الدعم الشعبي العربي لأهالي غزة؛ فالمظاهرات بقيت خجولة، بلا وزن يُذكر. لم نرَ في عواصم العرب تلك الجماهير الهادرة التي جابت شوارع لندن أو واشنطن.
الأدهى من ذلك، أن حتى الحراك العربي المعارض، يدعم عمليًا مفهوم تكريس الحدود والسيادة، ويكتفي بالتحرك من داخلها. تلك الحدود التي رسمها الاستعمار أصبحت قيدًا فكريًا، فلا نكاد نجد بين الأحزاب أو المثقفين من يرى أبعد من أنفه، أو حدود دولته. بينما الواقع يُثبت أن أي نظام عربي، حتى وإن كان مُنتخبًا وقادمًا من إرادة شعبية، لن يستطيع بمفرده فعل شيء، فإسرائيل وأمريكا والغرب له بالمرصاد.
هل يُعقل أن نتخيل حكومة مُنتخبة في لبنان، قادرة على الدفاع عن أرضها بجيش يُطلب منه أن يضمن خلو الجنوب من أي تهديد لإسرائيل؟ وهل الدولة السورية الجديدة، القادمة من الثورة، ستكون قادرة وحدها على مواجهة التحديات؟
العمل ضمن قواعد رسمها لنا الاستعمار قبل قرن، لا يمكن أن يكون منطلقًا لتغيير حقيقي نافع للشعوب العربية.
لن نتمكن من دعم الشعب الفلسطيني، أو أي شعب عربي، إلا إذا جمعنا كل طاقاتنا في خدمة هذا الهدف. دول عديدة توحدت لتصبح أقوى، كما في الاتحاد الأوروبي، وأمريكا اللاتينية، وجنوب شرق آسيا. في هذا العالم لم يعد هناك مكان للدول المنعزلة.
إن أردنا الخروج من أزماتنا المتكررة منذ أكثر من قرن، فعلينا تجميع قوى التغيير على امتداد الوطن العربي. في هذه الحالة، قد تكون حرب غزة ذات فائدة ما، فهي تمنح المواطن العربي شعورًا جديدًا بالهشاشة، وإدراكًا متزايدًا بأن حدود دوله وجيوشها وأنظمتها لن تحميه من التوحش الإسرائيلي-الأمريكي-الغربي. بل أصبحت هذه الحدود أول تهديد له، بدل أن تكون حماية.
هنا تعود فلسطين لتكون، كما كانت، رمزًا لهذا التوجه الجديد، والالتفاف حولها وسيلة للنجاة.
طبيعة الأنظمة الحالية ليست عائقًا لا يُمكن تجاوزه، إنما كنا نأمل أن تُدرك هذه الأنظمة أن القمع والتنكيل بشعوبها لن يؤدي إلا لمزيد من التبعية لإسرائيل وأمريكا، التي ترى في ذلك ضعفًا بنيويًا تستغله لإحكام قبضتها على دولنا شعوبا وحكومات.
كنا نأمل أن تُقدم الحكومات العربية على الانفتاح على شعوبها، حفاظًا على وجودها هي نفسها، فالغرب الاستعماري لا يُمثّل ضمانة دائمة، بل العكس، يُغيرها متى شاء، وينهب ثرواتها كما يشاء. وما تصريحات ترامب عن “تريليونات” الاستثمارات الخليجية في أمريكا، إلا دلالة على انعدام السيادة الحقيقية لدى تلك الأنظمة، حتى في إدارة ميزانياتها وعائدات مواردها.
الانفتاح على الشعوب لا يتحقق إلا بفتح الحدود لحركة المواطنين والبضائع ورؤوس الأموال، وتوفير حرية الاستثمار والسفر، وبناء بنية تحتية مشتركة، من طرق وسكك حديد، ووضع سياسات موحدة للمياه والبيئة والتعليم، وسياسات خارجية مبنية على المصالح المتبادلة. كل ذلك ممكن، إن استوعبت الأنظمة أن هذا هو طوق نجاتها، وأن التسلّط والانفراد بالقرار مع غياب المعارضة الجادة، لم يعد الوسيلة المثلى للبقاء.
في زمن متقلب كهذا، لم تعد هناك تحالفات دائمة، ولا عداوات أبدية. أمريكا لم تعد أمريكا روزفلت أو كينيدي، بل أقرب إلى دولة مارقة، لا يُؤمَن جانبها، حتى من أقرب حلفائها. حتى الإسرائيليون يشككون اليوم بتحالفهم مع الإدارة الأمريكية. ونموذج العلاقة الأمريكية-الإيرانية خير دليل.
فهل ستصحو الأنظمة المُطبعة، وتلك على طريق التطبيع، أو التي بقيت لا في العير ولا في النفير، وتبدأ برحلة استعادة الوعي؟ أم أن قدر هذه الأمة هو الدمار والحروب؟
تاريخ شعوب الأرض يُرينا أن الأنظمة السياسية المُتحجرة، رغم قوتها، تظل هشّة وسهلة التحطيم، كما حدث في دول المعسكر الشيوعي، أو الأنظمة العسكرية بأمريكا اللاتينية. وحدها الأنظمة المرنة قادرة على التكيف، كما في جنوب أفريقيا بعد الأبارتايد، أو إسبانيا بعد فرانكو.
لكن، للأسف، سياسات الأنظمة العربية الحالية تتجه إلى الهروب الدائم إلى الأمام، مزيدًا من القمع ومزيدًا من التبعية. ما يضعها أمام احتمالات غير متوقعة، قد تنفجر هنا أو هناك. ونموذج نظام بشار الأسد البائد يجب أن يكون عبرة، فالدعم الخارجي، مهما كان، لن يحمي أحدًا.
هذا الطرح لا يعني العودة إلى القومية العربية القديمة، بل التوجه إلى براغماتية جديدة، هدفها تجميع القوة اللازمة لمواجهة قوى عظمى لم يعرف التاريخ لها مثيلًا من حيث التسلح والعنف. تجميع ثروات الأرض العربية، الممتدة على أكثر من 13 مليون كيلومتر مربع، وإرادة شعوبها التي تتجاوز الـ 400 مليون، ضرورة لا بد منها لمواجهة التحديات، وليس خيالًا أو وهمًا.
دون ذلك، ندرك جميعًا أن دولنا، كل على حدة، مهما بلغت من قوة وإرادة، لن تستطيع حماية حدودها ولا شعوبها ولا تحقيق ازدهارها.
حرب غزة، رغم مآسيها، تفتح أعيننا من الخليج إلى المحيط على هذه الحقيقة. وكما قال الشاعر:
تأبى الرماحُ إذا اجتمعن تكسُّرًا
وإذا افترقن تكسّرت آحادا
مفهوم المنتصر والمُنهَزم في الحروب الحديثة
مفهوم المنتصر والمُنهَزم في الحروب الحديثة

لم تعد القوة العسكرية تُحَدد مفهوم المنتصر والمُنهَزم في الحروب الحديثة، بل العامل الأساسي هو الصمود والإرادة.
نحن في حرب غزة، رغم فارق القوة، وعدم قدرتنا على معرفة ما ستسير إليه الأمور على الأرض، وقد اجتمع الغرب كله خلف إسرائيل، وبقي الفلسطينيون وحدهم، نرى بوضوح أن المنهزمين، ليسوا أبناء غزة وأطفالها ونساءها، وإنما القوة العسكرية الإسرائيلية التي لم تستعد وعيها بعد صدمة السابع من تشرين الأول/ أكتوبر.
خسارة الجيش
هي تعني خسارة الجيش، لخصوصية الردع، التي بنى عليها سمعته. تعبير الجيش الذي لا يُقهر، كان الوصف الطبيعي له، الذي يؤمن به الجميع. تضعضع ثقة المواطن بجيشه، يُعتبر من مفهوم إسرائيلي، كارثة كاملة الأركان.
هؤلاء لا يشعرون بالأمان، بسبب حسن علاقاتهم مع جيرانهم، أو بسبب معاهدات السلام مع الدول العربية، أو ضعف أعدائهم، بل قوة وبأس هذا الجيش.
الهدف الوحيد للحملة العسكرية الحالية، وقتل الفلسطينيين، هو إعادة الهدوء والطمأنينة إلى المواطن المرعوب في تل أبيب والمستوطنات، قبل هدف كي الوعي الفلسطيني، كما يدعون.
بدأ الإسرائيلي يتحسس رأسه وجواز سفره، بحثاً عن مكان أكثر أمناً، بينما ساكن غزة لا يفعل ذلك، فلن يجد مكاناً آمناً له على هذه الأرض.
إسراع الولايات المتحدة لنجدة إسرائيل، ثم بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، ومعظم الدول الأوروبية صغيرها وكبيرها، ما عدا القليل، هو أيضاً هزيمة لهم. فليس هؤلاء من وضع قواعد الصدام الجديد.
عودة القضية الفلسطينية، إلى صُلب الاهتمام العالمي، التراجع عن التطبيع، إظهار ازدواجية المعايير الغربية الواضح، والاصطفاف وراء آلة القتل الإسرائيلية، التي لا تميز الحجر عن البشر، أنهى بالنسبة للأمة العربية، مفهوم الصداقة بين الغرب والشرق، وكل محاولات إقامة الجسور، فنحن لا يفصلنا، إلا هذا البحر المتوسط.
زمن الاستعمار
عدنا من جديد إلى زمن الاستعمار الغربي الفج، والذي يستعمل القتل كوسيلة للسيطرة. انتهى برأيي شهر العسل الذي كان بيننا، ولن يستطيع أي وقف لإطلاق النار، أو طرح هدنات إنسانية، وإدخال المؤن والمساعدات، مسح عار الوقوف وراء المعتدين.
هزم الغرب مستقبله العربي، بل حطمه وهشمه. فلن تجد فرنسا أو بريطانيا وألمانيا، في السنوات المقبلة، من سيقبل منها التوسط لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط، ولن تجد أحداً ليفتح لها الأسواق العربية، أو يقبل الاستثمارات الغربية.
أنظمة التطبيع العربي، هي مهزومة أيضاً. كل مشاريعها التي بنتها لتجاوز القضية الفلسطينية، باءت بالفشل. صمتها عن الظلم والعدوان، وضحالة رؤية المشاركين في مؤتمر الرياض، سيُعطي للربيع العربي، دُفعة جديدة ونفساً آخر.
نحن نسير لا محالة، نحو جمع قوانا الشعبية خلف فلسطين، وخلف مطالبنا بالحرية والديمقراطية. لن تجد هذه الأنظمة، في إسرائيل الحامي القوي، فهي بحاجة للبارجات الأمريكية، لحماية نفسها، من مجموعة من المُجاهدين.
لن تجد دعماً غربياً، فهم لا يتعاملون معها، إلا بلغة التبعية، يُؤمرون ولا يُقررون.
الدول العربية الأخرى، دعاة الثورة، ليسوا أحسن حالاً، رغم شعارات دعم فلسطين ظالمة او مظلومة، فهم منعوا أي تعبير حر للمواطنين، وبعضهم ألغى حتى المقابلات الرياضية، وكأن الهتافات أصبحت خطراً على أنظمتهم.
لم أكن أتوقع من دعاة من يُسمون أنفسهم محور المقاومة، العمل يوماً لفلسطين أو لشعبها، فهم يرتكزون على مفاهيم طائفية، مرتبطة بالمذهب الشيعي، وليس ببُعد عربي حقيقي، فمرجعيتهم الفكرية والقيادية، هي في إيران، وفي شخص المرشد الخامنئي بالتحديد. لكن ملايين العرب وكثير من المثقفين، كانوا يتناسون هذا البُعد، ويؤمنون بشكل أعمى، بما قاله ويقوله، قادة هذا المحور، غير آبهين بما يفعلون، فهم من دمر الثورة والشعب السوري، وأغرقوا ثورة اليمن في الوحل، وعلقوا الآلاف على المشانق في إيران.
من يُمارس هكذا أشياء بحق شعبه، لن يُنتَظر منه دعم شعب آخر. بعد ستة أسابيع، لم يُنفذ قائد حزب الله، ما وعد به منذ سنين، ولا حتى من التدخل في حالة حصول هجوم بري، وعاد الكثير من مؤيديه إلى بيوتهم وهم يتحسرون.
هناك طبعاً ألف سبب وسبب، لعدم التدخل، فلبنان بلد هش، لكن أن يُمضي هذا الحزب أكثر من ثلاثين عاماً، في قمع أية معارضة، وتكديس الصواريخ، من أجل تحرير فلسطين، والصراخ الدائم بالوعد الإلهي، هو من رفع مستوى الأمل عند الناس البسطاء، وأغلق بصيرة مجموعة كبيرة من المثقفين.
حرب غزة أخرجت محور إيران، بكل أطرافه، من المعادلة العربية الإسرائيلية، ولا أظنه سيعود يوماً. الأصعب على هذا المحور، هو خروجه من قلوب المواطنين، على امتداد الساحة العربية، فمن يقرأ تعليقات القراء والمتابعين، على صفحات الجرائد ووسائل التواصل الاجتماعي، يرى ذلك بوضوح، لم يعد أحد ينتظر خطاب وإطلالات سماحة السيد، فلم يعد لها معنى.
تركيا اردوغان، ليست أفضل حالاً، حتى ولو لم تكن قد وعدت بإرسال جيوشها إلى فلسطين، أو صواريخها إلى غزة. إلا أن مستوى الصوت العالي لرئيسها، زاد من تعلق الجمهور العربي والإسلامي بشخصه وبتركيا، كدولة وبضائع. رغم ما رأيناه من المعاملة اللا أخلاقية للاجئين الذين يمرون من تركيا، واستعمالهم كورقه لسياسة اردوغان الأوروبية.
وعي الجمهور العربي
أسقطت غزة، من وعي الجمهور العربي والإسلامي، أوهام الجري وراء الظواهر الصوتية، وأعادها إلى حقيقة أن الأصل، هي هذه الجماهير نفسها، وقد استعادت نوعا من الوعي الجماعي بوحدتها خلف فلسطين، التي عادت من جديد لتتصدر مطالبنا المشتركة. وما عليها إلا أن تعمل بنفسها ولنفسها. شوارع المدن العربية بدأت بالامتلاء بالمتظاهرين، الذين يزيدون يوماً بعد يوم، هو الحل الوحيد لخذلانهم من هؤلاء المهزومين، بكل أنواعهم، أنظمة ومنظمات، ودول عربية أو إسلامية. هم وحيدون الآن في مواجهة الغرب ومؤسساته التي تدعي الانتماء للإنسانية، ولا تفعل شيئاً، بل يقوم قادتها، بدعم عدوهم. أن نرفع صوتنا ونعمل بأيدينا، هذا ما تبقى بعد زوال الوهم.
كاتب فلسطيني
الغرب وراء إسرائيل، فأين العرب
الغرب وراء إسرائيل… فأين العرب؟ /نزار بدران/ القدس العربي 18 اكتوبر 2023

المواقف الغربية من الحرب الدائرة حاليا في غزة، لا تمثل فقط كما يدعون، دعما لإسرائيل في حربها ضد الإرهاب، معتمدة ومتبنية الصور التي نشرتها وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية، بالإضافة لتصريحات بنيامين نتنياهو وعدد من كبار مسؤولي الدولة، بل أيضا تأييدا لسياسات إسرائيل في تهجير السكان الفلسطينيين للقطاع، وسفك دماء أطفالهم وأبنائهم؛ نساء ورجالا، لغسل عار هزيمتهم المدوية أمام المقاتلين الفلسطينيين، وجبن جنودهم وهربهم مذعورين من ساحة المعركة، تاركين قواعدهم وأسلحتهم ودباباتهم وراءهم.
لم يحارب الجندي الإسرائيلي كما كان متوقعا منه، ولم يدافع عن السكان المدنيين والمستوطنات والكيبوتسات. هذه صورة غريبة، تتناقض تماما مع تلك التي عودتنا إسرائيل عليها من الجندي المنتظم، الذي لم يعرف يوما الهزيمة. هذه هي المرة الأولى التي ينهزم فيها حقا على ما يعتبرها ارضه.
الإصرار الإسرائيلي والغربي على نعت ما حدث بالإرهاب، هي محاولة لإبعاد صورة الهزيمة العسكرية الحقيقية، وتحويل الأنظار إلى وهم الصورة النمطية للإرهابيين؛ قاطعي الرؤوس وحارقي الأطفال، كما رأينا سابقا مع القاعدة وداعش وكأن الجيش الإسرائيلي لم يكن موجودا على الحدود وكأن هؤلاء “الإرهابيين” لم يواجهوا أكثر جنود العالم تقنية وذكاء، لسوء حظهم فكل الصور التي تسربت من طرف المقاتلين الفلسطينيين في عملياتهم؛ وهم يدخلون الدبابات ويأسرون الجنود، لا يمكن محوها من الذاكرة الجماعية للإسرائيليين ولا الفلسطينيين أو العالم.
عمليات القتل الجماعي للمدنيين الفلسطينيين؛ الموثقة بالصوت والصورة، على عكس ادعاءاتهم فيما يخص ضحاياهم المدنيين، لن تمحي عار الهزيمة. لكن نتنياهو وقيادته العسكرية يظنون أن الدم الفلسطيني السائل دون انقطاع، مثل النهر، سيغطي هذا العار، ويشفي غليل المواطن الإسرائيلي، ويعيد له كبريائه المحطمة وثقته في جيشه “الذي لا يقهر”.
هذه القيادة المصدومة بهزيمتها ستدفع- إن بقيت في الحكم- إسرائيل إلى هزائم جديدة. هم لم يكونوا أكفاء بمواجهة هجوم مباغت من بضعة مئات من المقاتلين فكيف لهم أن يتمتعوا بتلك الكفاءة في مواجهة حرب على الأرض قد تمتد لأسابيع طويلة.
لم يطرح الإسرائيليون على أنفسهم السؤال الوحيد الذي يجب عليهم طرحه؛ وهو لماذا حدث بنا ذلك؛ وكيف هزمنا، بدل التغني بجرائم الإرهاب والتعطش للانتقام. هم يعرفون الإجابة؛ فهي سهلة جدا؛ تتلخص في تناسيهم لكل القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة، واحتلالهم أرض فلسطين وتهجير سكانها، وعشرات المجازر والجرائم المرتكبة منذ أكثر من خمسة وسبعين عاما. هي ستة عشر عاما من حصار خانق على أهل غزة. لكنهم يفضلون الاستمرار في نكران ذلك؛ والغوص في كابوس الإرهاب؛ لأنه أهون على أنفسهم وأكثر تناغما مع سياسات أمريكا والغرب.
القضية الفلسطينية
اصطف العالم الغربي بشكل واضح خلف إسرائيل، وتبنى روايتها؛ مجرما أي عمل أو صوت لصالح القضية الفلسطينية؛ أو حتى رفع علم فلسطين. نكتشف فجأة أن أوروبا بمعظم دولها، تجري وراء أمريكا لاحتضان الجيش الإسرائيلي وتبرير جرائمه.
نكتشف أن إسرائيل هي كما كانت دائما؛ جزء من الكل الغربي وليست جزءا من الشرق، رغم محاولات التطبيع الحثيثة مع عديد من الدول العربية.
الغرب هو الآن من يقاتل إلى جانب إسرائيل، وللهدف نفسه، أي إعادة ثقة المواطن الإسرائيلي بقدرته على الانتصار. تصريحات الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته بتوفير الحماية لإسرائيل حتى ولو كان جيشها منهمكا في حربه على غزة، وإرسال حاملتين للطائرات لشاطئ فلسطين المحتلة، هو لهذا السبب.
هي تطمينات واضحة لهذا المواطن المذعور الخائف، قبل أن تكون موجهة لإيران أو حزب الله (المنشغلين في حروبهم ضد الشعب السوري) حتى لا يبدأ التفكير خارج الصندوق؛ واستعمال ازدواجية الجنسية التي يحملها معظمهم؛ للبحث عن مكان أكثر أمنا.
المعسكر العربي
مقابل هذا المعسكر الغربي الإسرائيلي الموحد، هل هناك معسكر عربي شبيه؟
للأسف لا شيء من هذا القبيل. لكنا ندرك كفلسطينيين؛ أن التضامن الشعبي العربي مع أبناء غزة هي وسيلتهم الوحيدة المتبقية للصمود. فلا يمكن انتظار أي دعم ذي جدوى من حكومات الدول العربية والتي في معظمها؛ إما منهمكة في حروب داخلية؛ أو لا يهمها إلا البقاء في السلطة وسرقة ثروات بلادها.
تضامن المواطن العربي من المحيط إلى الخليج؛ يعني أن نخرج من جديد لنندد بهذه الحرب غير المتكافئة؛ حرب شعب محاصر صغير، ضد أقوى دول العالم؛ بجنودها وأساطيلها. هو التظاهر بلا كلل وبمئات الآلاف في عواصمنا. هو الاحتجاج المستمر أمام سفارات الدول الغربية، والمطالبة بطرد السفراء الإسرائيليين، وإلغاء اتفاقيات التطبيع. هي تحريك كل منظمات المجتمع المدني؛ لتخفيف آثار الحرب على شعبنا في غزة.
وحدها الشعوب العربية من يستطيع أن يضع حدا للعربدة الإسرائيلية والأمريكية، ومن يظهر للرأي العام الغربي أن الفلسطيني ليس وحيدا، وليس إرهابيا، بل مناضل عن حقه يموت من أجله، مدعوما من قوة الملايين؛ الذين لن يسكتوا طويلا على فشل حكوماتهم وتواطئها، ونسيان دول الغرب لواجباتها الإنسانية.
لن يعود هذا الغرب إلى رشده؛ إلا إذا رأى ميلاد هذا التوجه القوي؛ فهو يعلم أن الشعوب وحدها هي التي تحمل وتعطي الشرعية؛ وتحدد أهدافها وليس منابر الإعلام المأجورة والكاذبة.
كاتب فلسطيني
كلمات مفتاحية
فلسطين الهدف والوسيلة
فلسطين الهدف والوسيلة

في حياتنا اليومية، نحاول دائما التوفيق بين أهدافنا ووسائل تحقيقها. إن قَلَّت قدراتنا وإمكانياتنا، خفضنا سقف أهدافنا وأحلامنا. على عكس ذلك إن تَحسَّنت تلك الإمكانيات نقوم برفع ذلك السقف.
هذا سليم في الأشياء المادية البسيطة مثل تحضير حفل أو السفر في عطلة استجمام، فكلا طرفي المعادلة خاضع للزيادة أو النقصان. أما في الأمور غير التقنية مثل النجاح في امتحانات نهاية العام فنحن بحاجة للتعب وسهر الليالي، الهدف هنا ثابت، أما المتغير فهو الوسيلة. قد ينقلب الهدف بدوره إلى وسيلة، فالنجاح في شهادة جامعية والذي كان هدفا، ينقلب إلى وسيلة للبحث عن عمل.
المعادلة الغائية
ما أريد ايصاله للقارئ العزيز هي أن هذه المعادلة الغائية عندما نطبقها على المجال الإنساني الاجتماعي، تصطدم دائما بعلو مستوى الهدف وضعف مستوى الوسيلة المتاحة. العدالة الاجتماعية، الحرية، حقوق المرأة، حقوق العمال وحق الشعوب بتقرير المصير، هي أهداف لا يمكن تخفيض سقفها، فلا توجد نصف عدالة أو نصف حرية. الحقوق لا تتجزأ وحقوق الشعوب ثابتة. لذلك لا محالة من تطوير الوسائط والوسائل حتى نصل إلى الهدف. وحدها الوسيلة في هذه المعادلة من يشكل الجزء المتحرك والقابل للتغيير.
لو انتقلنا إلى تطبيق هذه النظرية على القضية الفلسطينية، وكيفية تعامل الفلسطينيين أنفسهم والعرب والعالم مع قضيتهم العادلة، لرأينا بوضوح أن الجميع يحاولون تخفيض سقف الهدف، أي المطالب الوطنية، بدل تحسين وإيجاد الوسائل المناسبة، فيما يشبه عملية احتيال متعددة الأطراف.
لمزيد من التوضيح فإننا لو قارنا ذلك مع الثورة الجزائرية أو حرب فيتنام، سنرى بوضوح مستوى الخلل الفلسطيني، فلا الشعب الجزائري أو الفيتنامي أو الشعوب الأخرى رضيت بتخفيض سقف حقوقها، والقبول بأجزاء من الوطن وبأجزاء من الحقوق، ولكان الجزائريون ما زالوا لليوم يماطلون الفرنسيين على حقوقهم، ويبحثون عن دويلة في الصحراء.
تشريد الشعب الفلسطيني وضعفه، لا يعني التفريط بحق هذا الشعب بتقرير المصير، والعودة إلى مدنه وقراه. هي حقوق أكيدة معترف بها في القانون الدولي، ومسجلة في لائحة حقوق الإنسان. هي حقوق ثابتة وليست الجزء المتغير في المعادلة.
التعَذُّر بعدم المقدرة، مقارنة بقوة إسرائيل مدعومة من أمريكا والغرب وجزء من العالم، لا يعني خفض سقف مطالبنا، وقبول ما يُدْعى أنه حل وسط عن طريق إقامة دويلة فلسطينية على حدود 67. تخفيض الحقوق في مفهوم توازن القوى يعني التخلي عنها، هذا ما فهمه على الأقل الإسرائيليون من اتفاقيات أوسلو، وهم مستمرون كما نرى ويرى العالم والأمم المتحدة، بالاستيطان في كل مكان داخل حدود الدولة الموعودة، مع محاولات متكررة للتضييق على الناس وتهجيرهم.
أتفق تماما مع مفهوم عدم تكافؤ القوى المعنية، فالشعب الفلسطيني حتى ولو تَجَمَّع، وتَوحَّدت قياداته، وهذا بعيد المنال، لن يستطيع الوصول إلى تحقيق حقوقه كاملة، وإلا لكنا رأينا ذلك منذ ثلاثة أرباع قرن، عمر النكبة.
ما العمل إذا، هل هو التخلي عن الحقوق، واستبدال الهدف الأساسي بهدف أصغر (اتفاقيات أوسلو نموذجا)، أم العمل على ايجاد الوسائل المناسبة (نيلسون منديلا نموذجا). هدف إحقاق الحقوق الفلسطينية لا يقبل الانتقاص، كونه هدفا اجتماعيا مرتبطا بمفهوم العدالة والتي لا تقبل التجزيء، وليس هدفا ماديا نود الحصول عليه، هذا يعني أما استرداد الحقوق كاملة وإلا فهو هزيمة للعدالة وتصفية للقضية.
الانتصار على قوة المحتل وداعميه لن تتم إلا بِتوحُّد معسكر هؤلاء العاملين في الاتجاه المعاكس، أو المفترض بهم فعل ذلك. فلسطين التاريخية عندما اُنتُزعَت بإرادة بريطانية مع وعد بلفور، كانت جزءا من الأمة العربية الوليدة من أحشاء الامبراطورية العثمانية المنهزمة والمُقطَّعَة كغنيمة للقوى المنتصرة.
لم يكن الهدف من عزل فلسطين إلا السيطرة على مقدرات الأمة الجديدة، عن طريق الإمعان في تقسيمها إرَبًا تدعى دول، رُسِمَت حدودها دون أي اعتبار للحقائق الاجتماعية والثقافية للشعوب المكونة لها.
لم يكن لبريطانيا وفرنسا النجاح في مشروعهم إلا عن طريق فرض أنظمة زبائنية وعائلية، وإقامة دولة دخيلة على المنطقة. يجب على طرف المعادلة الفلسطيني إذن أن يعي ذلك، عليه أن يبحث أولا عن نصفه العربي الضائع أو المغيب حاليا تماما، وكل محاولات إنعاش هذا النصف عن طريق هَبَّات الربيع العربي، وُجِهَت بعنف الأنظمة، مدعومة من إسرائيل واصدقاء إسرائيل كانوا عربا أو غربا، لوعيهم هم بهذه الحقيقة.
المعادلة الاستعمارية
هل سيستمر القبول بتلك المعادلة الاستعمارية والرضوخ لأجندتها. من الواضح أن استمرار الوضع العربي على حالته، هو ليس فقط انتقاصا لحقوق الشعوب العربية في الحرية والديمقراطية وحكم نفسها بنفسها، لكن أيضا انتقاصا لحقها في لعب دورها الطبيعي في معادلة فلسطين/ إسرائيل. وهذا الغياب هو لصالح إسرائيل فقط.
لا مجال لنا كشعب فلسطيني أن نغَيِّر الأمة، لكن علينا على الأقل أن نفهم أن عدم تَغَيُّرِهَا نحو الديمقراطية وإزالة الاستبداد عن شعوبها، يعني بالنسبة لنا أن نبقى تحت الاحتلال إلى ما نهاية، فهي وسيلتنا الوحيدة لرفع مستوى الوسيلة إلى مستوى الهدف، والذي هو بدوره سيصبح وسيلة من وسائل الأمة للوصول لهدفها، مظهرا العلاقة الجدلية بين الطرفين العربي والفلسطيني.
علينا على الأقل أيضا ألا نقف في وجهها كما تفعل قيادات الشعب الفلسطيني حاليا في كل أماكن تواجدها مع حساباتها الآنية الضيقة، والتي تضيع المستقبل لصالح بقاء أحزابها وحكمها. لا يمكن لمن يَدَّعِي قيادة وتمثيل الشعب الفلسطيني، تدمير تلك الأداة الجديدة الناشئة؛ ان يقف في وجه الشعب السوري ويتضامن مع نظامه القاتل، أو مع نظام الملالي وهو يعلق شبابه على المشانق، أو نتضامن مع حروب بوتين ونحن نرى مقدار الدمار والخراب الذي جَرُّه على مدن سوريا وشعبها ومناطق أخرى، وملايين المستوطنين الذين أرسلهم الروس لإسرائيل.
القضية الفلسطينية بحاجة للشعوب وليس للأنظمة فهي الوحيدة التي ستبقى والتي ستحاسبنا فيما بعد.
هؤلاء الذين يدعون لحل الدولة الواحدة الديمقراطية عن حسن نية كهدف، ينسون أن الإشكالية هي ليست في الهدف فكلنا نعرفه منذ أن شُرِّدنا، ولكن هي إيجاد الوسائل، ووسيلتنا الوحيدة هي صحوة الأمة والتي بدأت ولن تتوقف.
تجارب شعوب العالم من آسيا وأوروبا الشرقية وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تثبت أن الشعوب تصحو دائما حتى ولو طال سباتها.
كاتب فلسطيني
ديمقراطية إسرائيل العرجاء.. القدس العربي ١٧ آذار ٢٠٢٣…نزار بدران
أول من وضع أسس الدولة الديمقراطية الحديثة وحدد آلياتها هو الفيلسوف الفرنسي توكفيل بعد أن أقام في أمريكا لبضع سنين واصفا عام 1835 من خلال تجربته الشخصية هذه الديمقراطية الناشئة، في وقت لم يكن شكل السلطة قد حُدِّد لصالح النظام الديمقراطي بشكل نهائي في أوروبا.
كان الفلاسفة ومنهم الكبار أمثال«هيغل» ما زالوا يُنظِّرُون آن ذاك إمكانية التوفيق بين النظام الارستقراطي الوراثي والنظام البرلماني في الوقت نفسه.
المجتمع المدني
الديمقراطية التي يدافع عنها توكفيل ويريدها لوطنه فرنسا، تكفل للجميع المساواة وتكافؤ الفرص، ولا تعامل مواطنيها حسب أعراقهم وأديانهم.
تُبْنى على أساس الفصل بين السياسة والحكم من جهة وبين الدين من جهة أخرى، مع إيجاد مجتمع مدني قوي، لتبقى الديمقراطية حية دائما، وليس فقط في لحظات الانتخابات ويزول منها خطر التحكم بالأقليات.
نسمع منذ أسابيع عن حراك إسرائيلي شعبي دفاعا عن ديمقراطية هذه الدولة، وخروج الآلاف في شوارع تل أبيب. وهم على حق في رفض المساس باستقلالية القضاء، هذا طبيعي ومقبول. لكن المستهجن هو تطبيل جزء من المثقفين والمحللين العرب لهذا الحراك، وكأن الخطر الذي تواجهه الديمقراطية الإسرائيلية على أيدي الطرف الأكثر تشددا فيها، سيؤدي إلى نتائج سلبية على حياة الفلسطينيين، وكأننا نعيش الآن في نعيم الاحتلال
.
حق تقرير المصير
الشعب الفلسطيني في الداخل وغزة والضفة، والذي حرم من حق تقرير المصير والاستقلال بعد خروج الانتداب البريطاني، لصالح إقامة دولة أخرى هي إسرائيل، وتُرِك تحت احتلالها وسطوتها، يعاني من استثنائه بالكامل، ومنذ عقود طويلة من الديمقراطية الإسرائيلية يمينها ويسارها. نحن لا نرى أي مساواة بين اليهود والعرب، ولا تكافؤ الفرص، بل على العكس نحن محرومون من كل أشكال ومحاسن الديمقراطية عندما تهدم جرافات الجيش الإسرائيلي البيوت الفلسطينية في القدس وتطرد عائلات بأكملها، وذلك بقرار من القضاء الذي يتظاهر الإسرائيليون من أجل المحافظة عليه. رغم تناقضه مع القانون الدولي، لا يرى اليسار ولا المتظاهرون المحتجون على نتنياهو حرجا في ذلك.
لم يكن أحدا يعتبر النظام الأبيض في جنوب أفريقيا نظاما ديمقراطيا، بل نظام أبارتايد وذلك بسبب عنصريته. لم يتمكن هذا النظام الحفاظ على علاقات مع الغرب ليستمر بالازدهار لصالح البيض فقط، وهو ما أدى فيما بعد إلى سقوطه المدوي، واستبداله بالديمقراطية الوحيدة الممكنة أي التي تساوي بين الجميع.
المحاسبة القضائية
الانتقاص من الديمقراطية الإسرائيلية بسبب قوانين نتنياهو الجديدة للحفاظ على نفسه من المحاسبة القضائية، لا تهمنا نحن العرب في شيء إلا من ناحية « انظروا فقد بدأوا يتعرَّبون.»
أن يخرج الآلاف في شوارع تل أبيب لا يعني أن إسرائيل تملك ديمقراطية ناضجة، تلك التي لا تقبل أبدا كقاعدة دائمة أساسية غير المساواة بين الجميع، وإحقاق الحقوق.
لَخَّص توكفيل مُنظِّر الديمقراطية الغربية وجميع الأنظمة الحديثة في العالم فكره في كتابه عن الديمقراطية قائلا:
« من الواضح أن هناك حدًا لقوة الأغلبية. لنفترض مثلا أنه من بين جنسين يعيشان معًا – السلت والسكسونيون ، على سبيل المثال – قرر الأكثر عددًا جعل الأفراد من العرق الآخر عبيدًا لهم. هل سلطة الأكبر عددا ، في مثل هذه الحالة ، هي صحيحة؟
إذا لم يكن كذلك ، فهناك شيء يجب أن تخضع سلطته له، يجب الاعتراف بقانون يذعن له الصوت الشعبي (الأغلبية والأقلية).
ما هو إذن هذا القانون ، إن لم يكن قانون الإنصاف الكامل – قانون الحرية المتساوية؟ هذه القيود ، التي يرغب الجميع في وضعها بإرادة الأغلبية ، هي بالضبط القيود التي منعها هذا القانون. نحن ننكر حق الأغلبية في القتل أو الاستعباد أو السرقة ، لمجرد أن القتل والاستعباد والسرقة هي انتهاكات لهذا القانون – انتهاكات صارخة للغاية لا يمكن التغاضي عنها. ولكن إذا كانت الانتهاكات الكبيرة لهذا القانون غير عادلة ، فإن الانتهاكات الأصغر تكون كذلك.
إذا لم تستطع إرادة الكثيرين إلغاء المبدأ الأول للأخلاق في هذه الحالات ، فلن يمكنها فعل ذلك في أي حالة أخرى. لذلك ، مهما كانت الأقلية غير ذات أهمية ، ومهما كان صغر التعدي على حقوقها التي يُقترح تحقيقها ، فلا يجوز السماح بمثل هذا الانتهاك.»(نهاية الاقتباس)
العدالة الدولية
الديمقراطية الإسرائيلية لن تحمل بجدارة إسمها الا إذا اذعنت لهذا المنطق ومحت من كيانها كل أشكال الظلم والتمييز. واعترفت بحق كل إنسان وكل لاجئ فلسطيني العودة إلى وطنه، واسترداد ما يملك، والتعويض الكامل عما حدث، وتقديم كل من أجرم للعدالة الدولية والحق في تقرير المصير، غير ذلك تبقى ديمقراطية عرجاء، لا تتطابق مع قواعد توكفيل، ولن تحمي المحتلين ولا الشعب الفلسطيني.
نزار بنات شهيد الحق بالمعارضة
نزار بنات شهيد الحق بالمعارضة 26 حزيران 2021
نزار بدران
مقتل الناشط السياسي نزار بنات بأيدي تخضع لأوامر السلطة الفلسطينية لدليل على انفصال تلك الأخيرة وانعزالها عن الشعب، الدور الأهم لأي سلطة هو ضمان أمن المواطنين وحياتهم أولا وحقوقهم ثانياً. هل هناك أسباب وجيهة من منظار السلطة لعمل كهذا؟ ، هل يشكل نزار بنات خطرا داهما على سلامة الوطن والمواطنين، مثلا كما نرى مع المستوطنين، ام هي بوادر فزع رجال السلطة بأن الزمن قد تغير، وهو ما رأينا بوادره مع إلغاء الانتخابات.
إسكات النشطاء السياسيين بكل الوسائل بما فيها القتل يذكرنا بما تفعله مليشيات الحشد الشعبي التابعة لإيران مع الحراك الديموقراطي بالعراق، مئات الاغتيالات دون أن تجد الحكومة أو القضاء والشرطة أي مجرم. هل السلطة هي بطريقها إلى التحول إلى حشد فلسطيني؟
مقدار عنف أي سلطة هي بمقدار شرعيتها وقوة وتعاضد المنظومة الحقوقية التي تُبْنَى عليها. السلطة القوية متسامحة مع معارضيها لأنها لا تستشعر الخطر من الشعب الذي نَصَّبَهَا، وإنما من الأعداء، السلطة الشرعية لا تخاف النقد بل تبحث عنه. هذا هو عكس السلطة الضعيفة التي لا تستقي شرعيتها من المواطن بل من الداعم الخارجي لوجودها، مختبئة خلف العنف وكأنه سيحميها ممن تعتقد أنهم لم يعودوا أداة تجديد شرعيتها. الشرعية حتى ولو كانت حقيقية لا تعني أن تفعل ما تشاء وانما ان تفعل ما يريده هؤلاء الذين خوَّلوكَ بتنفيذ إرادتهم.
ممن تخاف السلطة الفلسطينية، من خطر الاستيطان الداهم والذي قَطَّع أوصال مشروع دولة أوسلو العتيدة، ام من انتفاضة القدس والأقصى والتي لا تقع تحت نفوذها؟. ممن تخاف السلطة الفلسطينية من إسرائيل ومشاريعها بتهجير بقية الشعب الفلسطيني أم من حراك أهلنا داخل الخط الأخضر وهم يُغَيِّرُون قواعد اللعبة لصالح الشعب الفلسطيني؟ ممن تخاف تلك السلطة، من دول التطبيع أم من فقدان الدعم المادي الخليجي والأمريكي؟ ممن تخاف من نتائج حصار وحروب غزة على معذبو القطاع أم من تقوية قبضة منافسها عليهم؟
ها نحن بفلسطين ندخل مع هذه الجريمة بعالم الربيع العربي، فمن يطالب بالحرية والديمقراطية يحصل على البراميل المتفجرة بسوريا والتدمير بليبيا أو اليمن، من يطالب حتى ولو بالخبز يحصل على السجون المظلمة، ومن يتجرأ على النقد الموضوعي والمطالبة بالحقوق يحصل على الإغتيالات كما نرى بالعراق ولبنان وسابقا بالسودان. لا أمل ممكن مع هذا النظام العربي بكل أشكاله. كنا نعتقد بفلسطين أن الاحتلال يحمينا من هذا المطب، فكلنا ضحايا محتلون حكاما ورعايا، وكما لا يستطيع المواطن التنقل إلا بإذن سلطات الاحتلال كذلك المسؤول مهما علا شأنه.
لماذا إذا هذا الهراء وفقدان الصواب من كلمة هنا ورسمة كاريكاتير هناك.
الكلمة الفصل تبقى ملك الشعب الفلسطيني، فتحالف قواه الشبابية الديمقراطية بكل مكان مهما كانت ضعيفة ستفرض بالنهاية رؤيتها، فلا أحد يستطيع أن يهزم تحالف الضعفاء مهما امتلك من قوة. يجب إعادة بناء حركة وطنية على قواعد استرداد الحقوق وأولها الحق بحرية الكلمة والتعبير، واحترام الشعب الفلسطيني بكل أماكن تجمعه ورفض مصادرة حقه الأصيل بالاختيار ممن ظنوا أنهم أوصياء عليه، الشرعية هي فقط تلك التي تأتي من المواطن وليس من غياهب ذكريات الماضي وبطولاته الخيالية. نحن لا نوافق نزار بنات كل ما يقول خصوصاً وقوفه على ما يبدوا مع سفاحي الشعب السوري، لكنا هنا ندافع عن حق الجميع بالمعارضة والتعبير الحر. سياسة التخويف تعكس عدم إدراك بطبيعة المرحلة وتنم عن فزع من يمارسها ضد معارضيه، وتخلف واضح بالقيم التي يحملها، ويحكم على نفسه بالخروج من مستقبل الشعب الفلسطيني، أي مستقبل حر دون خوف.
كاتب ومحلل سياسي فلسطيني