البشير والحكم الرشيد. من اين لك هذا . نزار بدران

البشير والحكم الرشيد: «من أين لك هذا»؟ نزار بدران

القدس العربي 21/01/2019

ونحن نعيش في خضم تغييرات سياسية واجتماعية جمة في الدول العربية، وآخرها احداث السودان والثورة على حكم البشير، يطالب هذا الأخير الجماهير العودة كل إلى بيته، وانتظار سياساته الجديدة لإنهاء الأزمة الاقتصادية والسياسية في البلاد خلال بضعة أسابيع، وهو الذي حكم السودان بعد انقلاب عسكري منذ ثلاثين عاما.

وسائل الحكم
هل حقا يملك البشير وحكومته وسائل الحكم الرشيد، وما هي هذه الوسائل.
تأتي كلمة governance من اللغة اليونانية القديمة kobernan وكانت تعني قيادة المراكب والعربات التي تجرها الخيل، افلاطون الفيلسوف اليوناني الشهير كان أول من استعملها لتعريف حكم الناس والدول. وقد تفرع عن هذا التعبير مفاهيم فرعية جديدة مثل الحكم الاقتصادي (اول استعمال بأمريكا عام 1939) ومفهوم الحكم الرشيد عام 1981 من طرف الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران.
تعريف الحكم الرشيد حسب المؤسسات الدولية، أبعد ما يكون عن سياسات ونهج الرئيس السوداني عمر البشير، وهو يعني إقامة دولة القانون وحقوق الانسان والمساواة بين الرجال والنساء، والتوزيع المناسب للسلطات، والثبات الاقتصادي بخطوطه العريضة Macro economy .
وهو يعني أيضا وبشكل أكثر تفصيلا، أن يتمتع المجتمع بدولة مثل السودان، بنظام تمثيلي عادل، ومؤسسات وأدوات التقييم، وبروتوكولات عمل لمختلف قطاعات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، تكون قادرة على الحكم وتوجيه العلاقات فيما بينها بطريقة سليمة وسلمية.

النمو الاقتصادي

الحكم الرشيد يربط النمو الاقتصادي بالنمو المستدام، بأبعاده الاجتماعية وتأثيراته البيئية، هادفا الحفاظ على مصادر الثروة الطبيعية. وفي بلد كالسودان هنالك ثلاثة أنواع من الثروات، الأولى تلك التي تستنزف وتنتهي يوما مثل البترول ،هي بحاجة لإدارة جماعية لترشيد استغلالها واستهلاكها، الثانية هي تلك التي تتجدد ويجب تقاسمها كالثروة المائية، وهي بحاجة لكفاءة وجودة إدارة المصادر الطبيعية وعدالة توزيعها. والثروة الأخيرة هي تلك التي تتضاعف وهي المعرفة والتعليم وزيادة الوعي. وكل شكل من اشكال هذه الثروات بحاجة لإدارة خاصة بحسب خصوصيات استعماله.

فصل الجنوب الغني

أين البشير من كل هذا، فصل الجنوب الغني بالنفط أفقر الشمال وأشعل الحرب الأهلية في الجنوب. الاستصلاح الزراعي واستغلال المصادر المائية الضخمة لم يملأ سلة خضار العالم، ولم يعد المواطن قادرا على توفير كفايته من الخبز، مشروع مراقبة واستغلال مياه النيل بأثيوبيا مع بناء سد النهضة العملاق ستكون له انعكاسات على الأمن المائي والغذائي للسكان، ولم نر لحد الآن أي سياسة لاحتواء الآثار السلبية لهذا السد على السودان.
هل تطورت الثروة الثالثة، أي التكوين العلمي والمعرفة في الثلاثين سنة الأخيرة، ونحن نرى أن على رأس المتظاهرين الأساتذة والمعلمين والطلاب، وقد شحت امكانيات جامعاتهم ومدارسهم، في حين تصل الأمية بحسب الاحصائيات الدولية إلى أكثر من 24 بالمئة،لا شيء تحت الشمس، وأي سياسة تعليمية يمكن أن تتبع في ظل حصار خارجي ناتج عن سياساته الهوجاء؟.

قطاع الخدمات

هل قطاع الخدمات خصوصا الصحة بوضع أفضل، ونحن نرى شح الأدوية والأدوات الطبية مهددا صحة المواطنين، فيما نسبة الوفيات لدى الاطفال عند الولادة تبلغ ثلاثين بالألف مقابل أقل من واحد بالألف في أوروبا بحسب المنظمات الدولية، وهي من أواخر الدول في هذا المجال.
هذا حكم أبعد ما يكون عن وصف الرشيد، فقد دمر كل منابع الثروة بالسودان، وافقر البلاد و العباد، دافعا الناس إلى الثورة التي نراها اليوم.
وإن حاولنا ترجمة مثل هذه التعاريف على واقع بلادنا، فنحن نحتاج للوصول للحكم الرشيد الى ارساء قواعد أربع، هي أولا الديمقراطية بمفهوم مشاركة الجميع بالعمل والسلطة وتبادلها السلمي، الشرعية هي الشرط الثاني وتعني ارتباط السلطة بارادة الشعب، وهي المصدر الوحيد والأوحد لهذه الشرعية. حسن الإدارة، الشرط الثالث، هي كفاءة المسؤولين والمعينين لإدارة البلاد على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. والشرط الأخير هو الشفافية، وهو يعني مراقبة الجمهور بوسائله المختلفة لكل نشاطات وأعمال السلطة التي تمثله أو الأشخاص المكلفين بأدارة البلاد ومحاسبتهم عند الحاجة.

من أين لك هذا؟

تعبير «من أين لك هذا» المعروف بالثقافة العربية والاسلامية، يلخص هذه النقاط، فهي تعني للمستبد كيفية وشرعية وصوله للسلطة وبقائه فيها، وتعني لناهبي الثروات بالسلطة ومن حولها كيفية الحصول عليها وتبذير أموال الفقراء، وتعني لمنظومة الفساد التي تحكم، شفافية النشاطات الاقتصادية.
عندما نرى أن أنظمتنا هي أبعد ما يكون عن قواعد الحكم الرشيد، فإن ثورة أهل السودان وباقي الشعوب المنهوبة، ليست فقط مشروعة، وإنما هي واجب على كل مواطن.

٭ كاتب ومراقب سياسي مقيم في باريس

السودان والربيع العربي الثاني أين الغرب ؟

السودان والربيع العربي الثاني
أين الغرب ؟ euronews 12/01/2019

د. نزار بدران

تجتاح السودان هذه الأيام، موجة من الاحتجاجات الشعبية العارمة، المُطالبة بإسقاط النظام منذ ثلاثة أسابيع، وتتزايد يوماً بعد يوم آخذة شكلاً أكثر تنظيماً.
بالمقابل يزداد عنف النظام، ويتساقط القتلى من بين المتظاهرين، الرئيس عمر البشير، لا يملك إلا حل العنف للبقاء بالسلطة، فالحل الآخر، وهو التنحي، سيؤدي به إلى محكمة الجنايات الدولية، بتهمة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بسبب حرب دارفور.
الأنظمة العربية، بالإضافة لإيران وروسيا وتركيا والصين، وقفت كلها مع نظام البشير، رغم خلافاتهم الداخلية، فهؤلاء الحكام، قد يتصارعون، ولكنهم دائماً يتضامنون ضد ثورات شعوبهم، وتفسير ذلك، بمصالح اقتصادية وجيو استراتيجية، وإن كان ممكناً، ليس هو السبب الرئيسي لبقاء هذا الدعم، لنظام ثبت فشله منذ ثلاثين عاماً، وأدى بالسودان إلى التقسيم والحروب الداخلية والخارجية، وفقدان مواردها النفطية، وحصارها من الدول الغربية، وقمع الحريات الفردية، وتدمير الاقتصاد وإفقار الناس.
السؤال الذي أطرحه بهذا المقال، هو عن موقف الدول الغربية، والتي تحمل دائماً، شعارات دعم الحرية والديمقراطية والحكم الرشيد. هذه الدول، لا يظهر أنها ستُغير من أسلوب عملها، مع ثورات الربيع العربي، حيث اصطفت بشكل واضح، رغم التصريحات الشكلية، مع الأنظمة ضد الشعوب، وها نحن الآن، نواجه بداية ربيع عربي ثان، قد يكون برأيي أكثر قوة وعمقاً من السابق، وقد تعلمت الجماهير، وخصوصاً طبقة الشباب الواعي المتعلم، من تجربة الربيع الأول.
هل تنظر الدول الأوروبية ورأيها العام، إلى مستقبل العلاقات بين جنوب وشمال المتوسط، أم هي لا ترى بالجنوب إلا مصدراً للإرهاب، والهجرة الغير شرعية، وسوقاً للأسلحة، ومرتعاً لتجار الحروب، وأرضاً لحل مشاكلها مع الدول الكبرى الأخرى، عن طريق حروب باردة صغيرة محلية.
الموقف الغربي، الأوروبي والأمريكي، من دول جنوب المتوسط وشرقه، مبنية بشكل أساسي على مبدأ الحصول على البترول والثروات والأسواق، مقابل رفاهية وبقاء الأنظمة الاستبدادية، وليس مقابل رفاهية وحقوق الشعوب المظلومة.
هذه نظرة قصيرة المدى، لأنها ترى بالأنظمة حليفاً دائما، متناسية أن الشيء الدائم الوحيد، هو الشعوب، وستذهب الأنظمة إلى زوال مهما طال الزمن.
عندها قد لا تجد الدول الغربية، ما تأمله من السوق العربي، لا على مستوى الثروات الطبيعية، والتي ستُكرس للإنماء، وليس لإثراء الحكام، كما نرى اليوم، ولا على مستوى السوق الاستهلاكي، مع حوالي أربع مائة مليون مواطن مستهلك، ولا على المستوى الاستثماري، والذي يُؤمل منه تحسين هامش النمو بالدول الغربية.
دول الربيع العربي،القادمة لا محالة، قد لا تتعامل مع من دعم أنظمتها القمعية، والتي دمرت دولاً كاملة، كسوريا أو اليمن مثلاً.
كثير من المفكرين والساسة الغربيين، كانوا يتهمون دوماً الأمة العربية، بعدم قابليتها للتغيير والإصلاح، أو قبول الأنظمة الديمقراطية، ويبنون سياستهم على هذا الأساس، أي التعامل مع الموجود والممكن، وهم لا يدركون أنهم حقيقة من لم يفهم هذه الأمة، ورغبتها العارمة بالإنتماء للقيم الإنسانية الحديثة، والمعايير الديمقراطية والانفتاح على الآخر.
جيل الأمة الجديد، الشاب المُتعلم، الباحث عن مستقبل أفضل، يُطالب صباح مساء، ليلاً ونهاراً، بكل مظاهراته، من شمال المغرب بالحسيمة و جرادة، إلى شوارع القاهرة وأزقة البصرة، ومدن وقرى سوريا، وساحات اليمن أو عمان أو البحرين، أو طرقات وساحات ومساجد السودان، يُطالبون بالحرية والعدالة والديمقراطية وإسقاط النظام.
إن أرادت الدول الغربية، استباق الأحداث، واللحاق بركب التغيير، والحفاظ على مصالحها المُستقبلية، فعليها أن تتفادى خطأ عام 2011، بعد انطلاق الثورة التونسية، حيث تدافعت لتسليح البوليس التونسي للنظام السابق، بدل الوقوف مع مطالب الناس، وتفتح آذانها من الآن، لصرخات المظلومين والداعين للتغيير.
التطورات الاجتماعية البنيوية بالشعوب العربية، وإزالة الفوارق والحواجز، بين الشعوب مع العولمة، وتقنيات التواصل الحديث، ستؤدي لا محالة، عاجلاً أم آجلاُ، إلى تغيير الأنظمة، والسير نحو الديمقراطية، وإعادة بناء الأمة على أسس جديدة. نأمل أن تكون الدول الغربية، داعماً لإنجاحها، وليس حاجزاً أمامها. مبينة بنفس الوقت، عن وعي وفهم، للأحداث والثورات التاريخية التي تجري بجنوب المتوسط وشرقه، والتي إن فشلت، لن تزيد الهجرة والإرهاب إلا عُنفاً، وإن نجحت، فإنها ستؤدي إلى العكس تماماً، وهو ما يصب بكل تأكيد، بمصلحة الجميع، بجنوب وشمال بحرنا المتوسط المُشترك.

العمل المؤسساتي والمجتمع المدني ، القدس العربي 02/10/2018

العمل المؤسساتي والمجتمع المدني
الدكتور نزار بدران

منظمات المجتمع المدني هي معيار حيوية المجتمعات والشعوب, فتعددها ووصولها لمجالات مختلفة يُعطي المجتمع نوع من ألحصانة ضد أطماع مجموعات المصالح ألضيقة أو الأحزاب السياسية, والتي بطبيعتها تُحاول الوصول للسلطة وتوجيه العمل المجتمعي بالاتجاه الذي يناسبها.
أُعيد الاهتمام بالمجتمع المدني، ووصل إلى العالم أجمع خصوصاً بالدول التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي بأوروبا الشرقية ، بعد انهيار ذلك ألأخير ووصول دول عدة إلى الحرية والديمقراطية، وقد حل هذه الخطاب المجتمعي ألمدني ,بدل الخطاب السابق والذي كان مسيساً وذا توجهات يسارية.
كتب فاكلاف هافل الاديب وأول رئيس لتشيكوسلوفاكيا ألديمقراطية ,كتابه الشهير (السلطة لمن لا سلطة لهم) عندما كان مُنشقاً عن الشيوعية ويُناضل من أجل الديمقراطية ببلاده ببداية ألسبعينيات ,داعياً لتطور العمل الاجتماعي ألمدني حتى ولو تحت الأرض وبالخفاء، رافضاً استعمال العنف.
المجتمع المدني هو مجموعة العلاقات ألفردية والتركيبات العائلية والاجتماعية، والاقتصادية والثقافية والدينية ,المتواجدة داخل مجتمع مُعين , خارج أُطر وتدخل ألدولة, كما عرفها الحقوقي الفرنسي جان لوي كيرمون. ويختلفُ عن الأحزاب السياسية، بكونه متنوع في أعضائه, ولا يبحث للوصول للسلطة كهدف نهائي، بل إلى مراقبة تلك ألأخيرة , والدفع باتجاه ربط المصالح بالقيم.
الأحزاب السياسية في الدول ألديمقراطية تدافع عن مصالح طبقة اجتماعيه ,ولا تضع القيم الإنسانية كأساس عملها ،وهي عندما تصل للسلطة تعمل للدفاع عن مصلحة بلادها أولاً وأخيرا بدون الاكتراث كثيراً بالقيم الأخلاقية رغم اعلان العكس ,هذا هو فرق جوهري بين مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحزبية.
تسعى الديمقراطيات لتأمين مساواة الفرص لأبناء ألوطن, وكذلك الحد الأدنى من الاحتياجات (ألأمن, الحياة ألكريمة, ألصحة, العمل والبطالة….. الخ). قد يُؤدي الدفع باتجاه المساواة إلى الإخلال بالحرية ,وقد يدفع تأمين شروط الحياة الأساسية، إلى تفسيخ النسيج ألاجتماعي ,كما يقول الفيلسوف ألفرنسي توكفيل بالقرن التاسع عشر بنقده البناء للنظام الديمقراطي.
تكمن في هذه البقعة وبالتحديد الدور الأساسي للمجتمع ألمدني, والذي يعمل للدفاع عن الحرية (ألعمل, ألتنظيم, التعبير…. الخ)، وإلى ربط أبناء المجتمع بعضهم ببعض من خلال منظماته ,وهو ما يُعيد ترميم النسيج الاجتماعي, ويسمح بتجنب استبداد الاغلبية واستمرار سماع صوت الاقليات وعدم اغلاق النقاش الاجتماعي كما استدرك توكفيل.
ألنظام الديمقراطي وحده لا يكفى إذا لإيجاد هذا المجتمع المثالي الذي ندعو له، بل هو بحاجة إلى المُراقب والطرف ألفاعل لتصحيح المظاهر السلبية للديمقراطية.
في المجتمعات ألحديثة تقوم منظمات المجتمع ألمدني باستكمال العمل الحكومي بمجالات عدة (ألصحة, مقاومة ألفقر, السكن…. الخ)، أو الدفع الدائم بالضغط على أصحاب ألقرار للوصول إلى تحقيق المصلحة العامة (مظاهرات، احتجاجات…. ألخ).
في المجتمعات الغير ديمقراطيه ,حيث يُعشعش ألفساد وانعدام الدراية والخبرة لأصحاب ألقرار ,فإن منظمات المجتمع ألمدني تضطر في بعض ألأحيان إن استطاعت أصلاً أن توجد بشكل علني ,إلى الحل محل العمل الرسمي (حملات تطعيم الأطفال ,توزيع المواد الغذائية على الفقراء…. الخ) . ولكن هذه الأنظمة ألفاسدة تجابه المؤسسات المدنية دائماً عن طريق حلها ومنعها، وكذلك عن طريق ملء ألفراغ بمؤسسات مجتمع مدني وهمي ,هو بالحقيقة بوق للسلطة ليس ألا ,ولا يحمل من المدني إلا ألاسم, حتى انا نرى في هذه الدول، منظمات حقوق ألإنسان التي تُدافع عن الحاكم ألظالم لقمعه للحريات العامة !.
بالإضافة لمنظمات المجتمع المدني ألتقليدية ,فإننا نجد الآن وبشكل يزداد توسعاً ، منظمات مجتمع مدني عابرة للحدود ,تهدف في أكثر الأحيان القيام بالدور الذي لا تقوم به الدول في العالم ألثالث ,مثال ذلك منظمة أطباء بدون حدود في مجال الصحة أو الصليب الأحمر الدولي ….الخ.
انتشار وتوسع المنظمات ألدولية ,يطرح إشكالية جديدة، وهي ولوج الفساد المالي والإداري فيها، ولكننا هنا قد نطمئن إلى مقدرة أعضاء هذه الهيئات وداعميها من اجل مراقبتها ,فمعظمهم يعملون بشكل تطوعي وللدفاع عن قيم يؤمنون بها. الوجه السلبي الاخر هو ظهور منظمات ضغط ذات طابع لوبوي، تدافع عن مصالح خاصة بدون الاهتمام بالمصلحة العامة (الضغط ألاقتصادي… الخ).
تطور المجتمع المدني ببلادنا السائرة باتجاه التعددية والتخلص من الطغيان والاستبداد هي الوسيلة الأمثل للوصول لأهدافنا وحقوقنا، وخصوصاً في أجواء أحزاب سياسية ومفكرين غلب عليهم الطابع الفكري الشمولي ، والذين قد لا يكونوا على مستوى آمال الأمة بألانعتاق.
بنفس الوقت يجب علينا أن ننتبه إلى خصوصية المجتمع المدني وخصوصاً بالغرب، فالعمل معه سيدفع باتجاه الضغط على الحكومات الغربية للتضامن مع حقوقنا ، ونتذكر أن المجتمعات المدنية هي دائماً متضامنة فيما بينها، لأنها تضع القيم العالمية الإنسانية بصميم اهتمامها، وذلك عكس الحكومات والتي في أغلب الأحيان متنافرة ولا تضع إلا مصالح دولها في صُلب اهتماماتها. وأقرب مثل علينا لإثبات ذلك، هو حملة المقاطعة لإسرائيل BDS والتي ابتدأت بالمجتمع المدني ألفلسطيني لتنتشر بالعالم أجمع واصلة أمريكا ودول ألغرب ,والتي أُجبر جزء منها على اتخاذ خطوات رسمية حكومية لصالح الحملة.

دور مؤسسات المجتمع المدني بالمشروع الوطني الفلسطيني
ما هي الاسس التي نستطيع ان نبني عليها لتفعيل دور المجتمع المدني للنهوض بمشروعنا الوطني المشترك. البعد الحقوقي وارتباطه بلائحة حقوق ألإنسان ,هو أول نقطة ارتكاز للدور المُناط بمؤسسات المجتمع ألمدني في إطار المشروع الوطني ألفلسطينيي والذي هو من منظار القانون الدولي مشروع حقوقي بامتياز، ويذكرنا ذلك بمشروع نيلسون مانديلا بجنوب أفريقيا، ونجاحه الباهر بالتحرر.
الُبعد السياسي هو الوجه الثاني لدور هده ألمؤسسات ويعني الدفع باتجاه احترام الثوابت ألفلسطينية من كافة القوى والأحزاب ألسياسية ,وخصوصاً حق العودة كاملاً غير منقوص.
البُعد التاريخي هو البعد الثالث لهذا ألدور, وهو التأكيد أيضاً أن فلسطين ليست فقط ملك الجيل ألحالي, لكنها أيضاً ملك الأجيال السابقة وخصوصاً الأجيال ألقادمة, لا يملك أحد حق التنازل عن أي جزء منها لصالح أي كان. فأبناءنا الذين وُلدوا بالمهجر, لهم نفس الحق التاريخي بأرض فلسطين ,ولا يستطيع أحد حرمانهم منه. حق السيادة على فلسطين, هو ملك الشعب ألفلسطيني, ماضياً وحاضراً ومستقبلا وليس مرتبطاً بمفهوم المُلكية الخاصة للأفراد.
البعد الرابع لدور المجتمع المدني بالمشروع ألوطني هو البُعد الاجتماعي، فمؤسسات هذا المجتمع بتنوع أعضائها وحيويتهم وتجددهم الدائم، الفكري والجيلي، هو منبع لا ينبض لكفاءات سياسية واجتماعيه أنبتتهم أرض ألواقع المبنية على القيم, وتستطيع المشاركة بجدارة بالعمل السياسي وتطوير المشروع الوطني. هي إذا الوسيلة لتجديد العمل السياسي عن طريق فتح المجال للأجيال الجديدة للمشاركة خارج أُطر الولاءات التقليدية أو الانغلاق الفكري والتكلُس ألشيخوخي.ونموذج مؤسسات المجتمع المدني بتونس بالتوافق الاجتماعي الناجح او نموذج نقابة العمال سوليدارنوش برئاسة ليش فاليزا ببولونيا بفتح باب الديمقراطيات بأوروبا الشرقية لهما التعبير الاكبر والأوضح عن اهمية العمل المدني.
لكل هذه الأسباب علينا أن نُركز بعملنا لفلسطين على مؤسسات المجتمع ألمدني, قبل الارتهان للتيارات ألسياسية, والتي بدون استثناء لم تستطع أن تُحقق المشروع الوطني الكبير.

——————————————

الستر الصفراء وراس المال المعولم. يورونيوز 25/11/2018

الستر الصفراء
ورأس المال المُعولم
د. نزار بدران

تجتاح فرنسا حالياً موجة احتجاجية تثسمى، الستر الصفراء، انطلقت بعد رفع الحكومة الضرائب على مشتقات البترول. هذه الحركة التي ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل حوالي عشرة أيام، أخذت حجماً وأبعاداً، دَفعَ السلطات إلى محاولة احتوائها، والصحفيين إلى وضعها على قائمة اهتماماتهم وأخبارهم وتحاليلهم.
تأخذ الحركة الاحتجاجية الفرنسية، أبعاداً جديدة، مضيفة مطالب اجتماعية وفي مجال العمل، فهي لم تعد مرتبطة فقط بالضرائب على مشتقات البترول، هذا ما وضع سياست إيمانيول ماكرون، الرئيس الفرنسي، تحت المِحك، من منظار شعبيته ونجاعة حلوله التي يطرحها.
بدأت الحركة بزخمها المُستمر، وشعبيتها المُتزايدة، تُشبه إلى حدٍ بعيد، الحركات الاحتجاجية الأخرى، التي عمت دول عديدة بالعالم، مثل إيطاليا وإسبانيا وأمريكا وما قبلها العالم العربي. هي حقيقة حركة تُعبر عن شعور عميق عند الناس بالظلم الاجتماعي، فالتفاوت الواسع بين تضخم رأس المال العالمي، وفُحش غناء الأثرياء ورجال الأعمال ومُدراء الشركات الكبيرة، كما يُذكرنا بها قضية كارلوس غصن، رئيس شركة رونو، يُقابله ضعف بتطور المعاشات عند الطبقات الوسطة، والطبقات العاملة والمتقاعدين.
هذه الظاهرة، والتي تسمى العولمة، لا تحمل من العولمة إلا جزئها المالي، وحده رأس المال والبضائع وحريتهما بالحركة والربح من تعولم، بينما المواطنون والناس العاديون، خصوصاً بالعالم الثالث، حُظر عليهم عولمة الحركة والتنقل والبحث عن عمل أو حياة جديدة، مثال ذلك قوافل المهاجرون المارون بالمكسيك نحو أمريكا، رغم إغلاقها الأبواب، أو عشرات الآلاف اللذين يموتون غرقاً في البحر المتوسط، في محاولاتهم الوصول إلى أوروبا.
التناقض الكبير بين حرية رأس المال بالربح، بدون فائدة للطبقات الفقيرة، بفرنسا والعالم الغربي بشكل عام، ونهبه لثروات وعرق الفقراء بالدول الفقيرة، هو من أودى بالأحزاب السياسية التقليدية إلى الهاوية، والتي لم يعد يسمعها أحد، فهي بأحسن الأحوال فاشلة، بمواجهة هذه التحولات، وبأسوئها متواطئة مع رأس المال والعولمة الجشعة.
ظهور الحراك الجديد بفرنسا، ومن قبله حركة الخمس نجوم بإيطاليا، أو بوداموس بإسبانيا وغيرها، ووصولها للسلطة ببعض الأحيان، هو ما يُخيف الأحزاب التقليدية الفرنسية، وإمكانية أن لا يكتفي الفرنسيون بانتخاب ماكرون من خارج الأُطر الفرنسية التقليدية، بل إلى استمرار الموجة، نحو تغيرات جذرية بالبُنية السياسية الفرنسية، قد يكون الرئيس ماكرون ضحية لها، بعد أن كان من أوائل المستفيدين من وجودها.
لن يستطيع أي رئيس فرنسي، أن يحل إشكاليات البلاد الاقتصاية، دون البدء بإعادة النظر بقواعد العولمة، نحن بحاجة إلى وضع حدود لحرية رأس المال، وتسلط قوانين السوق، في حياة الناس، أي عودة نوع من الرقابة السياسية على الاقتصادية، هذا لن يتم إلا عن طريق اتفاقيات دولية، فمارد العولمة الرأس مالي، ليس له حدود، ولا يمكن تحجيمه، وإعادته للقمقم في بلد واحد مهما كان غنياً.
نحن بحاجة أيضاً إلى فتح تلك العولمة على المكونات الاجتماعية، من حرية التنقل والسفر والعمل والهجرة، وإزالة الحواجز الحدودية للناس، وليس فقط للبضائع ورأس المال. بسبب ذلك، فهذه الحكومات لن تستطيع حالياً فعل شيء، وحدها الحركات الاجتماعية القوية، وتأصل عمل المجتمعات المدنية وتضامنها، من قد يسمح لهذه الحكومات بالتجرؤ على ذلك.
نحن بحاجة إلى احترام عمل وإنتاج الدول الفقيرة، والتي تزداد فقراً بسبب قوانين التجارة العالمية الحرة، وإعطاء هذه الدول، فرص التنمية الداخلية، ومساعدتها بالتحول الديمقراطي، والقضاء على الفساد المالي والإداري، حتى تتمكن من إعطاء فرص عمل لشبابها، بدل بحثهم عن الهجرة.
نحن بحاجة إلى تعاون دول العالم وشعوبها، لإرساء قواعد اقتصادية سليمة، تحترم حقوق جميع الدول والشعوب، وليس قانون الغاب الرأسمالي. هذه كلها تمنيات، لن تحدث قريباً، لكننا لن نصل إلى شيء بدون حمل بعض الأحلام، ليدفعنا إلى العمل. ومن يدري قد يكون لابسو الستر الصفراء، يحملون جزءاً من تلك الأحلام الوردية.

الثورة السودانية: اتركوني لا أستطيع أن أتنفس

القدس العربي 1/1/2019

عندما تخنق الأنظمة شعوبها، تنفجر الحناجر طلباً للحرية، أحداث السودان الحالية، تُظهر أن خنق الشعب السوري، أو جمال خاشقجي، وتقطيعهما، لن ينفع أنظمة الجُبن، بإسكات أنفاس الشعوب بهذه البلاد، إن لم تمت خنقاً، فستموت جوعاً أو مرضاً.
لم يعد عند الشعب السوداني ما يخاف عليه، بعد ثلاثين عاماً من السيطرة المُطلقة على السلطة، فالجنوب قد تم فصله بعد حرب استمرت عشرون عاماً، قضت على حوالي مليوني إنسان بريء، وانتهت عام 2011، باستقلال وانفصال جنوب السودان، مُجرداً بذلك السودان من معظم موارده النفطية.
لم يستفد الجنوبيون من هذا الانفصال لسوء الحظ، فهم بدورهم سقطوا في براثن حكم استبدادي، عشائري، مافيوي، أوصلهم إلى حرب أهلية، وقتل أكثر من 200 ألف إنسان بريء، وتدمير آلاف القرى والمناطق الزراعية، وانتشار الفقر والمرض والعنف بكل أشكاله، هذه التجربة لم تكن لتتم لولا خطايا السياسات المُتبعة من قبل البشير وزمرته، ولصالح أمريكا وإسرائيل، وللإفلات من المُلاحقة القضائية لمحكمة الجنايات الدولية، لعام 2009، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
حرب مناطق غرب السودان، ما يُسمى بدارفور، أدت هي أيضاً منذ سنوات لمقتل ما يُقارب 300 ألف مواطن بريء، فقير، نساء وأطفال ورجال، لم يطلبوا شيئاً غير تطوير مناطقهم المُهمشة.
هذه الحروب الطويلة المُكلفة، جنوباً وغرباً، بالإضافة لتمرد شرقاً، كلفت وتُكلف السودان كافة موارده، ولا يبقى شيء للتنمية الاقتصادية أو القطاع الصحي أو التعليمي.
هذا النظام العسكري لم يعرف منذ بدايته إلا العنف، العنف ضد شعبه بمختلف مكوناته، والعنف حتى مع رفاقه الإسلاميين، عند انقلابه على الديمقراطية، عام 1989، بصحبة حسن الترابي، والذين همشهم ووضعهم في السجون.
دفع السودان من لقمة عيش أبنائه، ثمن هذه الفاتورة الباهظة، لذلك، وبعد صبر أيوب، خرج الشعب للشوارع، للمناداة بإسقاط النظام وإنهاء القمع والاضطهاد، والتفقير والاستبداد بالسلطة، بدون كفاءة ولا مقدرة.. وهو حكم العسكر، كما نرى بمصر، أو كما رأينا سابقاً، بدول أخرى بعيدة، مثل تشيلي أو البرازيل، ترتكب الأخطاء نفسها، وتصل إلى النتائج نفسها، وهو الزوال والاختفاء.
زيارة البشير لبشار الأسد، قبل بضعة أيام من الاحتجاجات الشعبية، قادماً من موسكو، راعية الديكتاتوريات، كان كمن يطلب النصيحة، ويحاول أن يُطمئن نفسه، ويتعلم أساليب البقاء، ومواجهة الشعب، من سادة اللعبة في موسكو ودمشق.
ما قد لا يتذكره الجنرال البشير، هو أن الشعب السوداني، كان قد أسقط مرتين، بأواسط الستينيات والثمانينيات، ديكتاتوريات عسكرية شبيهة بحكمه، واستطاع زمنها، فرض حكومة منتخبة ديمقراطياً، قبل عودة العسكر بانقلابهم المشؤوم، فللشعب السوداني خبرة واسعة بالاحتجاجات والانتصار بها، وله تركيبة اجتماعية سياسية، قديمة وعريقة، وأظهر أشد البلاء بحربه ضد الانجليز زمن الاستعمار.
وضع البشير يده أيضاً، بيد حكام السعودية ودول الخليج، والذين بالمناسبة، نسوا خلافاتهم الشائكة، وتوحدوا بدعمه، وأسكتوا أبواق إعلامهم عن التكلم عن الاحتجاجات الشعبية على أهميتها، ظانين أن التعتيم الإعلامي سيُشفي المريض، ككسر ميزان الحرارة لإخفاء المرض.
تثور المدن السودانية، من صغيرها إلى كبيرها، وليس العكس، وبكل مقاطعات الوطن، لذلك لن يتمكن البشير، من تهدئة الشارع بوعوده الكاذبة، ولا بتهديداته العنترية، حتى ولو أغدق عليه الخليجيون، رأس أفعى الثورات المُضادة العربية، ملايين الدولارات باللحظات الأخيرة.
يعلم جميع سكان السودان، ذلك الشعب، صاحب الحضارة الفرعونية الألفية، أن الظلم لا يدوم، والحق عائد إلى أهله، بقوة أبناء الوطن، وتماسكهم وتوحدهم، وسيخرجون من بينهم ومن أنفسهم، القيادات والمفكرين الضروريين لقيادته بهذه الفترة الصعبة، ولن يلتفتوا لمن تهاون وتمادى مع نظام البشير وسكت عن جرائمه.
نأمل في السودان وللسودان خيرا، وأن تكون شُعلة عودة الربيع العربي إلى الضوء، بعد سنوات ثماني عِجاف، ارتدت بها موجته، من سوريا ومصر وليبيا وغيرها، وجرفت معها كل إنجازاته، فعودة الربيع تعني لنا، إنحسار قوى الاستبداد والعنف المضاد، وهذه المرة، لن يقف بوجه ربيع السودان الأخضر، جحافل إيران الطائفية، ولا طائرات بوتين، وسيبقى بالنهاية، البشير وحيداً.
بدء تملمُل الربيع الجديد، في مناطق عدة بوطننا، من البصرة بجنوب العراق، والذي لا يقف الحراك به يوماً، ومن مناطق أكراد شمال العراق، ومن الأردن ولبنان والمغرب والبحرين، الكل يحمل معاني وقيم الربيع العربي، وليست قيم الطائفية المقيتة، التي زرعها التطرف الإسلامي والأنظمة الاستبدادية.
قالها جمال خاشقجي (أتركوني لا أستطيع أن أتنفس)، فليترك البشير وزمرته، الشعب السوداني، ويتركوه يتنفس، تكالب المجرمون حول جمال، لن ينجح هذه المرة، بإسكات أنفاس المواطنين السودانيين، صغارهم وكبارهم، وبالملايين الأربعين، الذين يتشكلون منهم.

مراقب ومحلل سياسي مقيم في باريس

الربيع العربي والتغيير الديمقراطي المامول/ ديسمبر 2108

الربيع العربي والتغيير الديمقراطي المامول

د. نزار بدران / نشر بمدونة حقنا للمركز الاورومتوسطي لمراقبة حقوق الانسان. ديسمبر 2018
نحتفل هذه الايام بالذكرى الثامنة لانطلاق الربيع العربي بافراحه بنجاح التغيير الديمقراطي بتونس وباترائحه بالحرب الدائرة باقطار أخرى وقتل وتهجير وتجويع ملايين الناس لم يطالبو إلا بالحرية. عنف رد الأنظمة تجاوز بشكل غير معقول ولا مسبوق ما يمكن توقعه من اي نظام.

منذ ثمانية سنوات، ومع بدء الربيع العربي من تونس، دخل العالم العربي مرحلة رمادية، تُحدق بها الأخطار، تلك المرحلة التي تتبع مرحلة الظلام الدامس، قبل الوصول إلى وضح النهار. هذه الرمادية من ثورات وثورات مُضادة، وتدخلات أجنبية عديدة، تكاد لا تُحصى، هي سمة ثابتة لكل التغيرات الاجتماعية الجذرية.
كُثر هم إذاً من يحنون لمرحلة الظلام الدامس، لأنهم لا يرون نور النهار، بعد ولوج النفق الرمادي، بكل شروره وأشراره. هي بحق مرحلة خروج كل وُحوش الأرض، مر بها قبلنا شعوب أخرى من أوروبا، وخصوصاً الثورة الفرنسية وأمريكا اللاتينية، وحروب اليابان بشرق آسيا، والحرب الأهلية الأمريكية، وكُثر غيرها.
حَمَل الشباب العربي كثير من الأحلام، والتي في بعض الأحيان، تنتهي بالحسرة واليأس، فاتحة باب الهجرة للغرب على مخاطرها، ولكنهم كثيرون ممن زالوا يحملون حُلم التغيير، وبناء مستقبل لهم ولابنائهم بأوطانهم.
التغيرات الاجتماعية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، تُظهر تغير نوعي للبيئة الاجتماعية، فمثلاً انخفض بشكل كبير نسبة الإنجاب، لصالح الحد من عدد أفراد العائلة، سامحاً للمرأة مُغادرة البيت، والذهاب للدراسة الجامعية، ومُحاولة وُلوج سوق العمل. لم تعد المرأة قابعة ببيت الزوجية، فقط للإنجاب والمهام المنزلية، وهو ما غير تدريجياً، الصورة النمطية والحقوقية للعلاقة داخل العائلة.
انتشر التعليم وتطور نتيجة لذلك طبقة وُسطى أوسع، لها مطالب تتعلق بالتعبير والحريات العامة والتواصل، وهو ما لم يتحقق، في ظل الظروف السياسية لبلدانهم. تطور وسائل التواصل الاجتماعي، سمح لهذه الطبقة، بتجاوز الحواجز الحدودية والمعرفاتية، التي تُميز دولهم. لم تعد الأنظمة قادرة على منع الناس من النظر خلف الجدران، ورؤية ما يحدث من تطور في العالم، خصوصاً انتشار الديمقراطية بدول عديدة، كانت تُشبه الدول العربية بمرحلة ما، كما حدث بدول شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية أو جنوب شرق آسيا.
فشل النظام العربي الرسمي، بمتابعة تطورات العصر الجديد، أو حتى فهمه، وبقائه متقوقعاً داخل بُنية استبدادية، زاد من واقع التناقض، بين المجتمع المُتحرك المتطور والسلطة الجامدة. هذا الفشل للسلطة لا ينبُع فقط من عدم رغبة بالتغيير، والحفاظ على مصالح مادية وسُلطوية، ولكنه أيضاً نابع عن عدم كفاءة هذه السلطة بفهم ما يحدث، ومواجهة الأوضاع بحلول سياسة منطقية. نحن أمام نظام يُفضل أن يُحاط بأشخاص موالون، على أشخاص كفؤ، لدراسة الواقع وحل المشاكل، أظن مثلاً أن الصحفي جمال خاشقجي، كان أفضل الأشخاص القادرين على تقديم النصيحة للنظام، ليُعطي للسعودية حلولاً، أمام تناقض بُنيتها الاجتماعية والسياسية مع التطور العالمي.
غياب الحريات العامة، أو اعتماد القانون، أدى إلى تحول الاقتصاد، رغم الثروات الهائلة المُتواجدة داخل كثير من الأقطار العربية، إلى وسيلة للنهب العام، دون الالتفات إلى رفاهية المواطنين.
شباب الطبقة الوسطى الناشئة، يختلف عن جيل الآباء والأجداد، الذين كانوا يقبلون تقديم الولاء الدائم، مقابل الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية، فالتعلم ودخول الجامعة، بحاجة لواسطة، والحصول على علاج، يأتي بمنةٍ من السلطان، بدل أن يكون كل ذلك حقوقاً مكتسبة وطبيعية للناس.
هذه التناقضات، تزداد تعمقاً يوماً بعد يوم، فالعنف السلطوي وقمع الحريات، لن يؤدي إلى حل أي إشكالية مطروحة، لا أظن أننا الآن، بمرحلة التقدم نحو الأفضل، بل بمرحلة شحن أطراف التناقض، بانتظار الانفجار الأكبر، والذي بدأت معالمه تظهر منذ عام 2010.
لن نستطيع تفادي هذا الإنفجار، إلا إذا تمكنا من دفع النظام السياسي العربي، إلى تبني مبدأ أحقية الناس باختيار من يحكمهم، واعتماد الطرق الديمقراطية، بالتعامل السياسي والاجتماعي.
كذلك وجب أيضاً، للسير نحو السِلم الاجتماعي، تطوير المجتمع المدني، حتى نتمكن من سد فراغ السلطة اولاً، وثانياً الدفع نحو تغيير مفهوم السياسة وتكوين الأحزاب والنقابات والتجمعات. وحده المجتمع المدني، القوي الحر، من يستطيع السير نحو التغيير الديمقراطي، بدون المرور بالإديولوجيات السياسية المتطرفة والشحن الطائفي والعرقي. لذلك ولتفادي الإنهيار، تتسابق هذه الأنظمة بإسكات كل أشكال منظمات المجتمع المدني، عن طريق المنع بالقانون أو بالقوة، أو عن طريق إيجاد أشكال وهمية لهذه التنظيمات المدنية، هي بالحقيقة أبواق للسلطة، وليس مُلهم لها.
استمرار الشباب وأبناء وبنات الطبقة الوسطى الفاعلة، لتنظيم أنفسهم داخل اُطر تجمعات ومنظمات المجتمع المدني، سيكون أفضل الوسائل لتقليل كُلفة التغيير الديمقراطي المأمول بمجتمعاتنا، والتي بدون ذلك، ستكون باهظة جداً، إنسانياً ومادياً.

الوجه الاصفر المريض لفرنسا القدس العربي 11/12/2018

الوجه الأصفر المريض لفرنسا

منذ 21 ساعة

تتجه الأنظار هذه الأيام إلى فرنسا، وخصوصاً باريس، بسبب الاحتجاجات الشعبية، والتي شابها بعض العنف وتحطيم الأملاك العامة والخاصة، من طرف بعض المتشددين.
نُشر عديدٌ من المقالات والتحليلات عن هذا الحدث، والذي هو بشكل عام، شبه عادي، ففرنسا معتادة على المظاهرات والاحتجاجات والاضرابات، منذ عشرات السنين، وأحداث مايو/ أيار 1968، زمن الرئيس الأسبق شارل ديغول، كانت عنصراً مؤسساً للجمهورية الفرنسية الحديثة، وإرساء مبادئ العدالة والمساواة.
لكن الاهتمام بالأحداث الأخيرة، يعود مصدره إلى أوجه اختلاف، مع ما حدث سابقاً، وأوجه تشابه مع ما يحدث بدول أوروبية وغربية أخرى. فمثلا عدم وجود انتماء حزبي للمتظاهرين الصفر، وهم القادمون من خارج الأطر المعروفة، منهم من أقصى اليسار ومن أقصى اليمين، وما بينهما، يجمعهم التشكيك بكفاءة الأحزاب والنقابات، أو ما يسمونه بفرنسا الأجسام الوسيطة، للعب دور تمثيل الجماهير، كما كان يحدث دائماً. يجمعهم أيضاً التشكيك بصدقية ونزاهة الإعلام، بكل اتجاهاته وأشكاله، المكتوبة أو المرئية أو المسموعة، وحدها وسائل التواصل الاجتماعي، من تحمل الأخبار وتنقل الشائعات.

اختلاط الحابل بالنابل

هذه مظاهرات اختلط فيها الحابل بالنابل، فبجانب مطالبهم الأصلية بإلغاء زيادة الضرائب على المحروقات، تمددت فيما بعد إلى أكثر من أربعين مطلباً، منها رفع مستوى الحياة، فهناك من يتظاهر لإلغاء رفع كُلفة التسجيل في الجامعات على الطلبة الأجانب، مقابل من يتظاهر لأنه يتهم ماكرون ببيع فرنسا للأجانب، مع توقيعه المُنتظر على اتفاقية الأمم المتحدة في مراكش، المُخصصة لاحترام حقوق اللاجئين بالعالم.
نحن أمام صورة حديثة للاحتجاجات، المُشككة بفعالية ومصداقية الوسط السياسي والنقابي، رأينا ذلك حديثاً بإيطاليا، مع وصول اليمين المتطرف المعادي للمهاجرين إلى السلطة، أو إسبانيا مع وصول حركة بودموس، القريبة من اليسار للحكومة، رأينا ذلك بالبريكسيت البريطاني، مع التصويت عام 2016، على الخروج من أوروبا، ضد إجماع الوسط السياسي والإعلامي على البقاء، كذلك وصول دونالد ترامب لرئاسة أمريكا، رغم امتعاض حزبه نفسه من ترشيحه، أي الحزب الجمهوري، ورغم معارضة شبه إجماعية للإعلام والأوساط السياسية.
ماذا يحدث إذاً في العالم الغربي، الحقيقة أن العولمة المشهورة، لم تعد تعني للناس العاديين، إلا زيادة غنى الأغنياء والتضييق على الفقراء والطبقات الوسطى. العولمة لم تعني إلا حرية الحركة لرأس المال، للتنقل والربح، ولا تعني أبداً، فتح العالم أمام الناس العاديين، بل نرى عكس ذلك تماماً، مع التشديد على قوانين الهجرة.

الطبقات المهمشة

هو إذاً، رد فعل الطبقات الوسطى والمهمشة، على جشع الأغنياء المعولمين. الإعلام والأحزاب والنقابات، لم يكن لها دور يذكر بمقاومة ذلك، فهي متهمة في أحسن الأحوال بالفشل، بمواجهة النتائج السلبية للعولمة، وبأسوأ الأحوال، بالتحالف مع الرأسماليين والشركات الكبرى.
يوجد الرئيس إيمانويل ماكرون، بموضع لا يُحسد عليه، فبعد أن كان من الأوائل في الصف الأوروبي، نراه الآن يتراجع عن إصلاحاته المالية، مُهدداً بذلك، تحالفه مع ألمانيا، حيث ستبقى أنجيلا ميركل، وحيدة للقيام بتنقية الاقتصاد والحسابات الأوروبية، أمام مزيد من الدول المُعادية لذلك كإيطاليا، أو التي لم تعد تستطيع ذلك كاليونان، فرنسا كانت بالنسبة لألمانيا أهم حليف في هذا المجال.
تهكم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، واستنتاجه من الاحتجاجات الفرنسية، بنجاعة سياساته الانفرادية، وغير المكترثة بالتغييرات البيئية، يُظهر مدى الهوة، بين النخب الأوروبية المشغولة بوضع برنامج فعال للحد من التغييرات البيئية، والمواطنين الذين لم تعد لهم المقدرة على تسديد فواتير الكهرباء.
هل تُهدد حركة السترات الصفراء، الديمقراطية الفرنسية؟، كثيرون يطرحون هذا السؤال، ولكنهم في الحقيقة يُعبرون عن خوفهم، وخوف أحزابهم أو نقاباتهم، أو إعلامهم، من الهبوط أكثر إلى القاع، أمام الوجه الجديد للعولمة، تلك التي تأخذ بالحسبان اهتمامات ومشاكل الناس البسطاء، وليس فقط مصالح الرأسمال والمُفرطين في الثراء، والذين استفادوا من إلغاء ماكرون لضريبة الثروة عليهم، ببداية عهده. قد يمر هذا التغيير بمراحل عديدة، منها وصول حركات شعبوية للسلطة، ولكنها بالنهاية ستُعيد التوازن، بين الاقتصاد وضرورة تطوره والمجتمع، وضرورة احترام حق المواطن، بالاستفادة من العولمة والتوزيع العادل للدخل والثروة.
هل هناك أوجه شبه بين الأحداث الفرنسية والربيع العربي؟، ظاهرياً الأحداث تختلف تماماً، فنحن من جهة نطالب بالحرية والديمقراطية وإسقاط الأنظمة الاستبدادية، بينما في فرنسا يطالب الناس بمزيد من الاصلاحات الاقتصادية الديمقراطية والتوزيع الأعدل للثروة. الربط قد يتم عن طريق البعد العالمي والإنساني لكلا الحراكين، فهما الإثنان، امتداد لحراك عالمي، ففرنسا وصلها الحراك التغييري، الذي أصاب عددا من الدول الغربية قبلها، ونحن بالوطن العربي، عشنا ونعيش، ما حصل في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية.
ولكن في النهاية الاثنان يدافعان عن قيم عولمة جديدة، فالمواطن العربي، يسعى للمشاركة بانتخاب واختيار صُناع القرار، والمواطن الفرنسي، يسعى للمشاركة باتخاذ القرار وليس فقط انتخاب من يصنعه، هي مراحل مُتتالية، بدأت هنا بفرنسا، منذ نهاية القرن الثامن عشر مع الثورة الفرنسية، وما زالت متفاعلة، نأمل أن تكون المسافات والأزمان، أقصر في بلادنا، للوصول لحقوقنا الإنسانية، كما فعل غيرنا في أوروبا، أو أنحاء كثيرة أخرى في العالم.

مراقب ومحلل سياسي مقيم في باريس

كلمات مفتاحية

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *