الاعلان العالمي للائحة حقوق الانسان يورونيوز 11/12/2018

VIEW

في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان انتهاكات ولا مبالاة.. فأين نحن من حقوق الإنسان؟
آخر تحديث: 11/12/2018
في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان انتهاكات ولا مبالاة.. فأين نحن من حقوق الإنسان؟


بقلم: نزار بدران

يحتفل العالم كل عام في العاشر من ديسمبر بالذكرى السبعين لإعلان الأمم المتحدة لائحة حقوق الانسان بباريس ، هذا الإعلان الذي تلى الحرب العالمية الثانية وأهوالها واضعا أسس عالم جديد مبني على الحقوق وليس على القوة. كل نقطة بها كانت تعبر عن حق معلن يجب احترامه. هي إذن حقوق معلنة عالميا وليس مبادئ عامه او قيم فقط قابلة للنقاش.

ما ميز الاعلان هو التأكيد على عالمية هذه الحقوق وشموليتها، لا يُستثنى منها أحد، كما أصرّ على تضمينها للإعلان مندوب فرنسا روني كاسان.

أين نحن الآن من حقوق الانسان، ولماذا تم الابتعاد لهذا الحد عن روحها، لا يحترم منها تقريباً شيء في كثير من البلدان.

كما قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لو صوّتنا اليوم على هذه اللائحة المعلنة فقد لا نجد أغلبية لتبنيها، وهو ما يبين التراجع الكبير لمفهوم حقوق الانسان.

النموذج العربي قد يكون من أشنع اشكال الانتهاكات لحقوق الانسان، الأنظمة العربية في كثير من الأقطار تنتهك حتى ما يسمى الحقوق الطبيعية مثل حق الحياة والتي تكلم عنها جان جاك روسو بالقرن الثامن عشر.

لا تجد الدول الديمقراطية بنفس الوقت ما يجبرها على استنكار هذه الانتهاكات تحت شعار المصالح الاقتصادية والتبادل التجاري أو التحالف ضد عدو مشترك وأبرز مثل هو موقف الرئيس الامريكي دونالد ترامب من قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

يقتل الشعب السوري بمئات الآلاف ويهجر بالملايين ولا تتحرك الدول الغربية الديموقراطية لنصرته.

يُحاصَر سكان غزة منذ سنوات طوال ويُمنع عنهم الغذاء والدواء والسفر ولا من مكترث بأوضاعهم. نسكت عن الانتهاكات باليمن وانتشار المجاعة ونصمت أمام اضطهاد الروهينغا في دولة تحكمها رئيسة وزراء فائزة بجائزة نوبل للسلام !!.

أين نحن من مفهوم عولمة وشمولية حقوق الانسان وكونها تهم الانسانية جمعاء؟

وحدها منظمات حقوق الانسان والمنظمات الإنسانية لا تزال تدافع عن حق اللاجئين بالحماية أو المعذبين وضحايا الحروب لوجود أرض تستقبلهم، بينما تغلق أوروبا أبوابها وموانئها أمامهم.

الحقوق إذن بمفهوم هؤلاء هي فقط لمجموعة إنسانية معينة، وهي مواطنو دولهم وليس للإنسانية جميعاً كما نادت به الأمم المتحدة عام 1948. هم بالحقيقة لا يؤمنون إلا بالتمترس وإقامة الحواجز، ولكن يبدو بدون طائل، فمع العولمة الاقتصادية لرأس المال وعولمة المجتمعات الإنسانية وتواصلها لم يعد بالإمكان وقف زحف عودة القيم الإنسانية والأخوة العالمية للبشر.

سنرى بقادم الايام مزيد من الثورات والاحتجاجات الشعبية بالدول الفقيرة ولكن أيضا بالدول الغنية والديمقراطية.

وحدها قوة المجتمع المدني بحراكه ضد الأشكال السياسية التقليدية التي ستبقي وهج لائحة حقوق الانسان براقا، المجتمع المدني على عكس الأحزاب السياسية لا يدافع إلا عن القيم والحقوق، بينما الآخرون لا يقاتلون إلا من أجل المصالح، فمتى سنصل لمرحلة توافق بين المصالح والقيم والحقوق لبناء المجتمعات الإنسانية الفاضلة؟

د.نزار بدران – كاتب ومحلل سياسي

المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز

مقتل جمال خاشقجي بين السياسة والإعلام

مقتل جمال خاشقجي بين السياسة والإعلام

نزار بدران

كانون اول ديسمبر/05 /2018

لم نر منذ زمن طويل اهتمام السياسيين بحقوق الإنسان، وبشكل خاص الحق بالتعبير عن الرأي وحرية الصحافة، كما نراه هذه الأيام، مع جريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، بقنصلية بلاده باسطنبول.
الرئيس ترامب وغيره من رؤساء الدول الغربية، يحاولون كعادتهم إدانة الجريمه مع التركيز على عمق التبادل التجاري، والمصالح الاقتصادية، بين الدولة البترولية الثرية ودولهم، وأهمية هذا التبادل بالحفاظ على الوظائف، خصوصاً في مجال صناعة الأسلحة.
لولا تصدي الإعلام، وخصوصاً الواشنطن بوست، حيث كان يعمل الصحفي المغدور، وباقي الإعلام الأمريكي وثم الأوروبي، لتوقفت الأمور عند هذا الحد، وأُدين النظام السعودي شكلياً، واستمر تصدير الأسلحة لتغذية حرب اليمن. لكن رجال السياسة هؤلاء، لم يأخذوا بالحسبان أن الصحافة الأمريكية، وجدت بهذا الحدث ضالتها، والتي تستطيع أن تُعيد لها، شرف الإعلام وشرف الصحافة وقوتها ونصاعتها، بعد أن مر عليها قطار الفيك نيوز الترمبي وهز مصداقيتها.
كون الضحية قُتل بشكل بشع، وبقنصلية بلاده، والتي كان عليها دور حمايته بدل قتله، بالإضافة لسمعة السعودية السيئة، بالرأي الأمريكي العام والكونجرس، خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وكونه صحفياً بأحد أهم الجرائد الأمريكية، والتي أسقطت ريتشارد نيكسون، بفضيحة ووتر غيت، كل هذا أبقى قضية خاشقجي حية.
تراجعت السياسة أمام الصحافة في البدء، والمدافعون عن بيع الأسلحة، مثل الرئيس الأمريكي أو الفرنسي، اضطروا تحت ضغطها، لرؤية مواقفهم من جديد. لم ينج من الفخ الإعلامي، إلا أنجيلا ميركل، علماً أن ألمانيا هي مُصدر ثانوي للأسلحة للسعودية.
المجتمع المدني تضامن مع الضحية، وأيد طبعاً مبدء العقاب للجناة، بما فيهم قمة السلطة السعودية، وهي متورطة حسب المعلومات المخابراتية الامريكية ، وفتح عليها باب المحاسبة والمسائلة، بمجالات أخرى متعلقة بحقوق المرأة وحقوق الإنسان والسجن والتوقيف التعسفي والتعذيب، كذلك حرب اليمن ونتائجها المُدمرة على المدنيين، قتلاً ومرضاً وجوعاً، بعدما سكت عنها رجال السياسة لسنوات طويلة. وبدأت منظمات المجتمع المدني بمختلف الدول برفع صوتها بقوة. هذه أول حالة برأيي، قد ينتصر به الحق والإنسانية، ضد الاقتصاد ورأس المال، وتنتصر به القيم ضد الإنعزالية والأنانية.
وحده الرئيس الامريكي ولاسباب تتعلق بمصلحة اسرائيل ولاسباب انتخابية من يغض الطرف داخل الادارة الامريكية محاولا تغطية موقفه بالمصالح الاقتصادية لتمرير صفقة القرن,
رأينا قبل خاشقجي، إيلان الطفل السوري، مُمدداً على الشاطيء، ولم يُغير ذلك السياسات الأوروبية، بالنسبة للاجئين، بل زادها صعوبة رُغم ردة الفعل القوية للرأي العام. مات بائع السمك الفقير، مفروماً بسيارة قُمامة، بشمال المغرب، ولم يؤدي ذلك لتغيير يُذكر بالمواقف السياسية، نحو الوضع الحقوقي للإنسان بالمغرب، رغم انهزاز الضمير العالمي,قتل الطفل محمد الدرة بغزة وتحرك الكثيرون من المطالبين بالعدالة ولم يعاقب احد ,وحده موت البوعزيزي بتونس، ذلك البائع المتجول، والذي فضل الموت على الذُل، من أشعل الثورات، وفتح صفحة جديدة بالوضع الإنساني بتونس، وأشعل كوكبة الأحداث للربيع العربي.
لعلنا الآن، ومن جديد، إن سارت الأحداث نحو معاقبة الجُناة الحقيقيين وان استمرت الصحافة خاصة الامريكية وهو الاحتمال الاكبر رغم ضغط اللوبي الصهيوني بالدفع الى تحقيق الحق لان ذلك ايضا من مصلحتها بمواجهة هجوم الرئيس الامريكي عليها منذ توليه الرئاسة، لعلنا في مرحلة أخرى لهذا الربيع، بدأت بمقتل الصحفي الشهيد جمال خاشقجي، ولعل حكام السعودية وغيرها، ممن اعتقلوا وسجنوا وقتلوا المعارضين، هم على عتبة مرحلة جديدة، يبدأ منها زمن المحاسبة الإنسانية، بعد زمن الصمت الاقتصادي والمصالح الرأس مالية.

كاتب ومحلل سياسي

من تقسيم فلسطين إلى تقسيم الفلسطينين. القدس العربي 30/11/2018

د. نزار بدران

نتذكر كل عام تقسيم فلسطين بقرار من الأمم المتحدة (29/11/1947)، بناءً على طلب من سلطات الانتداب البريطاني، قبل انسحابها وإعلان دولة إسرائيل، متخلية بذلك عن مسؤوليتها التاريخية بالمأساة التي أحدثتها بالشرق العربي ولعقود طويلة.
وفي مقابل موافقة الطرف الصهيوني، رفض الفلسطينيون القرار، إذ لم يكونوا بوارد التخلي، عن جزء من وطنهم التاريخي، لمجموعة من المهاجرين القادمين من أوروبا، علماً أن عدد اليهود بفلسطين عام 1914 كان 60 ألفا، منهم 39 ألفا من أصول عربية عثمانية، مقابل 600 ألف عربي مسلم ومسيحي. بينما كان ذلك بالنسبة للطرف الآخر الصهيوني، أول «اعتراف شرعي» بوجوده وأحقيته بالبقاء في المنطقة، ولم يكن ممكناً لرجل مثل بن غوريون، ألا أن ينتهز هذه الفرصة الذهبية، بالتوافق بين الأمريكيين والروس، والذي كان توافقاً استثنائياً، بالنسبة للعلاقات المتوترة بين الدولتين الكبيرتين مع بداية الحرب الباردة.
مرت السنون ولم يعد أحد يطالب بتطبيق قرار التقسيم، ولا حتى بشقه المتعلق بحق اللاجئين بالعودة لديارهم، والذي كان مرتبطاً بحل الدولتين حينذاك.
هل تعلمنا شيئاً من مأساة التقسيم، وهل جمع الفلسطينيون والعرب قواهم منذ سبعين عاماً لاستعادة حقوقهم، الجواب طبعاً ليس فقط بالنفي، بل بزيادة الفُرقة داخل الصف الفلسطيني، وبدء التطبيع وحتى التحالف بين عدد من الدول العربية وإسرائيل على حساب الفلسطينيين، كما نرى مثلاً فيما يراد لنا أن نشهد مأساة جديدة عبر مشروع صفقة القرن الأمريكية، وتهافُت بعض الدول الإقليمية على طلب رضى الرئيس ترامب.
انتقل الشعب الفلسطيني، لسوء طالعه، من شعب جُزء وطنه واحتُل، إلى شعب جرى تجزئته، فنحن الآن، وبفضل الحركات الوطنية الفلسطينية التقليدية، أصبحنا شعوباً وقبائل متناثرين ومتناتشين، بين غزة المُحاصرة والضفة المُقطعة ومخيمات اللجوء بلبنان ومناطق أخرى، هذا بالحقيقة هو استمرار للسياسات الفلسطينية والعربية منذ البدء، حيث استُبدل كون فلسطين مسؤولية الأمة العربية، إلى كونها فقط مسؤولية الشعب الفلسطيني.
التجزئة العربية النابعة من السياسات البريطانية، بعد هزيمة الدولة العثمانية، أعطت وتُعطي لحد اليوم أكلها، وأثبتت نجاعة وعبقرية الفكر الإنكليزي، بتشتيت جهود الأمة العربية، وإدخالها منذ حوالي قرن من الزمن، في حروب داخلية وخارجية، ونهب ثرواتها من حكامها لصالح الدول الغربية فقط.
الشعب الفلسطيني، حتى لو تمكن من توحيد صفوفه، فلن يكون بأحسن الأحوال قادراً على الحصول إلا على الفتات، من حكم ذاتي بالضفة أو شبه سلطة مستقلة بغزة، مع نسيان حق اللاجئين.
لا يمكن التصدي للمشروع الصهيوني، والذي انتقل من تقسيم فلسطين عام 1947، إلى توحيد فلسطين تحت سيطرته واحتلاله الآن، مترجماً ذلك سياسياً، برفضه «حل الدولتين»، وتكثيف الاستيطان، ومحاولة الغاء وكالة الغوث للاجئين، «حل الدولتين» ذلك السراب الذي كنا نجري خلفه منذ اتفاقيات أوسلو.
لا يمكن التصدي حقيقة لذلك المشروع، إلا بتوحيد جهود الأمة شاملة، والوعي أن فلسطين هي جزء لا يتجزأ منها، وأن إنهاء مأساة الشعب الفلسطيني، لا يتم إلا عن طريق إنهاء مأساة الأمة العربية، القابعة تحت سلطات استبدادية قمعية، تشُل قدراتها وتشتت جهودها وتضيع ثرواتها.
من هنا وجوب تصحيح ترتيب الأولويات، بالبدء ببناء الذات العربية والإنسان الحر، والتغلب على الأنظمة القمعية، لصالح بناء ديمقراطي حديث، وذلك هو الطريق الاضطراري لإنقاذ شعوب الأمة، بما فيها الشعب الفلسطيني وبلاد الأمة بما فيها فلسطين.

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

الدوله القطرية العربيه الوهم القاتل

حدود الدولة العربية والوهم القاتل

22 – نوفمبر – 2018

د. نزار بدران

تعيش الشعوب العربية منذ قُرابة القرن، فيما يُسمى حالياً الدول العربية، ولطول الزمن نسبة إلى عمر الإنسان، نعتقد أن هذه الدول هي كيانات طبيعية، أنتجها تاريخ قديم وحضارات ضاربة جذورها بالماضي، ذلك الذي يؤهل مجموعة ما، لحمل اسم شعب مُميز بهويته الخاصة الثقافية والتاريخية. لكن الحقيقة العربية هي عكس ذلك تماماً، وما نحمله بأذهاننا وأفكارنا، لا يتطابق مع المُعطيات التاريخية ولا الاجتماعية، هي كمن يعيش الوهم وكأنه الحقيقة.
سقوط وهزيمة الدولة العثمانية، والتي استمرت لقرون، تزامن مع نشأة هذه الأقطار، بناء على مصالح دول أوروبا العُظمى بزمنها، أي فرنسا وبريطانيا. فالحدود التي تُحيط بهذه الدول، لا تعكس حقيقة، أي بُعد أو خصوصية معينة، هذا ما رأيناه أيضاً بالقارة الإفريقية، مع نشأة دول قَسَمت بحدودها الموروث من الاستعمار، قبائل وشعوبا، تلك الدول التي صُنعت أصلاً بناء على ثرواتها، وتناقض أو توافق الدول المُستَعمِرة، ما خلف في كثير من الأحيان والأماكن، أوضاعاً إنسانية مأساوية.
هل نشأة الدولة القطرية العربية، والتي يُدافع عنها الجميع، هي هدف سامٍ بحد ذاته، يستحق الموت من أجله، أم أن هذا ليس إلا خدعة تاريخية لتشتيت جُهد الأمة وقواها، وإضاعتها بصراعات داخلية وخارجية وهويات قومية وطائفية، لا طائل منها؟.
من قبل، ولفترة أربعة قرون، كنا كلنا تقريباً عثمانيين، نُحكم من اسطنبول، عاصمة الخلافة العثمانية، ولم تكن هناك أقطار، وإنما محافظات أو مقاطعات عربية بدولة واحدة، تختلفُ تماماً عن حدود الدول العربية الحالية، يستطيع أي مواطن بها، أن ينتقل من أدناها إلى أقصاها، بدون عوائق، ويُجند أبناؤها لحروب هذه الإمبراطورية بالبلقان وغيره. قبل العثمانيون، كانت هناك أيضاً دول أخرى، ولكن لم توجد أقطار عربية بالمفهوم الحديث.
كيف نشأت هذه الدول القطرية، وهل استمرارها بالشكل نفسه مُمكن تاريخياً، أي هل تُعبر هذه الدول، عن حاجة تاريخية حقيقية للشعوب التي تعيش فيها، وهل تستطيع أن تؤمن لهم الرفاهية والأمان المطلوب من أي دولة بالعالم لشعبها؟

قراءة التاريخ

لا مناص للعودة قليلاً إلى الخلف، لقراءة التاريخ لفهم ما حدث ويحدث اليوم، والعلاقة بين أوروبا والعالم العربي والإسلامي، ضروري لفهم قيام هذه الدول. مع تطور القوة العسكرية لأوروبا، خلال القرنين الثامن والتاسع عشر، وتفوقها الكاسح بكل المجالات، بعد الثورة العلمية والصناعية، لم تستطع الدولة العثمانية الاستمرار بإبعاد الخطر الأوروبي، وإنهاء وجوده بشرق البحر المتوسط، كما فعلت خلال القرنين السادس والسابع عشر، فارضة حينذاك ما يُسمى السلم العثماني (بعد معركة كريت بمنتصف القرن السابع عشر).
أخذ التدخل الأوروبي بالهلال الخصيب والجزيرة العربية لزمن طويل، شكل حماية الأقليات الدينية أو العرقية، سيطر الفرنسيون على المناطق الحضرية، أو ما يُسمى سوريا الكبرى Syria، مقابل سيطرة البريطانيين على مناطق البادية، أو البداوة، أي الجزيرة العربية وشرق الأردن وأجزاء من العراق، تحت ما يُسمى Arabia، ووُضعت فلسطين تحت الوصاية الدولية تمهيداً للمشروع الصهيوني، ذلك حسب معطيات اتفاقيات سايكس بيكو لعام 1916بين القوتين المتنافستين، فرنسا وبريطانيا.
هذا التقاسم بتوزيع مناطق النفوذ، هو ما حَددَ هوية الحدود المُستقبلية بين دول هذه المناطق فيما بعد، فالحاجة لفصل بلاد الشام عن الجزيرة العربية، أدى حسب المؤرخين (أمثال هنري لورانس)، إلى رسم الحدود العراقية والأردنية وصولاً إلى فلسطين، على شكل قوس أو ممرٍ طويل، هذه الحدود من المِنظار البريطاني، تهدف لمنع حرية خروج القبائل البدوية، من الجزيرة العربية باتجاه الشمال (سوريا والمناطق الحضرية)، كما فعلوا منذ مئات السنين. كانت هذه القبائل تُعتبر خطراً ممكناً على الوجود الغربي، وهي التي حملت مع الشريف حسين، فكرة إقامة الدولة العربية الواحدة، وكانت عماد الثورة الكبرى، ضد الأتراك إلى جانب البريطانيين، دافعة بقوة نحو انهيار الإمبراطورية العثمانية بالحرب العالمية الأولى، وكانت قبل ذلك، مصدر خروج الدولة الإسلامية، والتي غيرت مجرى تاريخ العالم لقرون طويلة. لذا فإن محاصرتها ومن ثم تقطيعها، كان هدفاً استراتيجياً بحد ذاته.
الوجه الآخر لرسم هذه الحدود، هو اكتشاف النفط بالجزيرة العربية والعراق، وضرورته لتشغيل الآلة العسكرية الحديثة، وهو ما أدى إلى تغيير الصورة الجيوسياسية للمنطقة. كانت الجيوش الأوروبية ببداية القرن العشرين ونهاية التاسع عشر، تستعمل الوقود القادم من أمريكا، مع كلفته العالية بسبب البُعد الجغرافي، مؤدياً لاستبداله بالنفط المُنتج بالشرق الأوسط، بمناطق تحت السيطرة البريطانية مباشرة، الأمر الذي أدى إلى تغيير الاهتمام، من طريق الحرير والبهارات التقليدي، إلى طريق النفط الجديد، القادم من منطقة الخليج العربي والعراق، مع مشروع خط أنابيب لنقل النفط عبر الأردن إلى حيفا.

الوصاية الدولية

وفي الوقت نفسه، تطور النقل الجوي على بساطته، حيث أصبح من الممكن ربط لندن بالهند ببضعة أيام، مروراً بمطارات تقع جميعها تحت السيطرة البريطانية، من مصر إلى الأردن والعراق، بدون الحاجة إلى استعمال مطارات وأراض تحت سيطرة منافسها المباشر فرنسا، وهذا ما أمنه الرسم الحدودي لهذه الدول، وتم وضع فلسطين تحت الوصاية الدولية، مع تغيير بحدودها الشمالية لبضعة كيلو مترات، لاستيعاب عدة مستوطنات يهودية، حسب اتفاقية سان ريمو لعام 1920، المُكملة والمُعدلة لاتفاقية سايكس بيكو لعام 1916. هذا الرسم الجديد للمنطقة، تم اعتماده من قِبل عصبة الأمم لعام 1922.
أضاف الفرنسيون لمساتهم الخاصة، حاملين مشروع تحضير وفرنسة الشرق وسوريا الكبرى، مع حماية الأقليات المسيحية (إقامة دولة لهم بلبنان)، وفي مرحلة أخرى، فكرة إقامة دولة خاصة بالعلويين، وتقسيم سوريا على أُسس طائفية، ولكن هذا لم يتم.
نرى إذن أن الحدود التي رسمها الغرب، لم تهتم إلا بالمصالح الغربية؛ كمراقبة طرق المواصلات ونقل النفط وعزل المجموعات البشريه بدون اي اعتبار لمصالح وتطلعات السكان. ورفضاً لذلك، اشتعلت المنطقة بالثورات والاحتجاجات الشعبية، جمعت السنة والشيعة بالعراق، ضد الوجود البريطاني، كذلك الوطنيين بسوريا وفلسطين، مع اشتداد أعمال المقاومة، ولكن جميع هذه الثورات اُخمدت بقوة الحديد والنار.
نحن إذاً أمام حدود دول، طُلب من سكانها، أن يصبحوا شعوباً مختلفة، وأُلف لهم تاريخ خاص، لإقناعهم بذلك، بينما هم بالحقيقة، الشعب نفسه ويعيشون يهذه المنطقة منذ آلاف السنين.
بالمفهوم التاريخي للأمم، لا معنى لهذه الدول، لأنها لا تُعبر عن حاجة وجودية لشعوبها، هذا لا يعني عدم وجود مناطق، ولكن قبل قيام الدولة القطرية، لم يكن هناك أي حدود تُعيق حركة السكان الذين يعيشون فيها، كان بإمكانك السفر من بغداد إلى مصر أو أي منطقة أخرى، بدون عوائق حدودية، الانتماء كان للمجموعة وليس لقطر ومكان معين.
نموذج بلاد الشام بإنشاء دولة قطرية، ذات الحدود المُغلقة الذي كان صلب تحليلنا، ينطبق أيضاً على مناطق أخرى بالوطن العربي، ولأسباب وبوسائل متباينة، ولكن القاسم المشترك، هو توافقها مع مصالح الدول الغربية المُسيطرة حينذاك، فدول الخليج مثلاً، هي مثال واضح على تحويل قبائل من الشعب نفسه، إلى دول مختلفة ذات سيادة وحدود مغلقة، لهدف واضح جداً وهو السيطرة على منابع النفط.
الدول القومية الغربية (ألمانيا فرنسا بريطانيا)، تُعبر بوجودها عن خصوصيات أمم متباينة، وفي كثير من الأحوال متصارعة عبر التاريخ، مفهوم الأمة، وإيجاد الدولة، مُرتبط إذاً بتاريخ هذه الأمة وماضيها، وما جمع سكانها من انتصارات وإنجازات أو هزائم ومصائب، وما يأملون معاً بعمله لمستقبلهم، وليس خصوصياتهم الدينية الطائفية العرقية أو اللغوية، أو جغرافية المنطقة التي يسكنون بها، ومثل الولايات المتحدة، أقوى دولة بالعالم، هو نموذج صارخ على ذلك، فلا جنس واحد، ولا لغة واحدة، ولا دين واحد، ولكن ماضٍ مشترك مجيد، لإقامة الدولة الأمريكية، وكذلك ماضٍ مشترك مأساوي من الاستعباد الداخلي للسود، الأمة إذاً، كما يقول أيرنست رينان، المؤرخ الفرنسي عام 1881، بكتابه تكوين الأمم؛ هي إستفتاء يومي على العيش المُشترك.
هل تتطابق هذه المعايير مع كينونة الدولة القطرية؟، طبعاً لا، فلا هي تعبير عن ماضٍ مُشترك، بما يحمل من انتصارات وإنجازات أو كوارث وهزائم، هي فقط إرادة المُستعمر ولمصلحته فقط، والتي تهدف إلى إزالة وسائل الحضارة المُتعارف عليها، وهي كما عرفها مؤسس التاريخ الشامل، فرنان برودل، أرض شاسعة متناسقة، شعب كثير العدد، وفترة طويلة من السلم. في حين أن إقامة الدولة القطرية، أدى إلى إنهاء هذه العوامل الثلاث، فبلادنا شاسعة، ولكنها مقطعة بحدود عديدة، تمنع حرية الحركة، وشعب كثير بمئات الملايين، ولكنه مجزأ داخل اقفاص الدول القطرية، وحروب داخلية وخارجية لا تنتهي، مُنهية الشرط الأخير، وهو فترة طويلة من السلام.
فمتى سننظر لمصلحتنا نحن، ولمستقبل أبنائنا، كما فعلت دول وأمم أخرى بكل بقاع الأرض، ونخرج من البُنية التجزيئية، التي فُرضت على الأمة في فترة هوان؟.

كاتب ومحلل سياسي عربي

كلمات مفتاحية

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    الطب الشرعي السعودي الحديث القدس العربي 15 نوفمبر 2018 نزار بدران

    عرف التاريخ استعمالاً للطب لأهداف إجرامية تخرج تماماً عن أعراف وأخلاقيات العمل الطبي، وأضافت السعودية بجريمة قتل جمال خاشقجي، صفحة جديدة لهذا الملف الأسود، عندما أرسلت طبيب تشريح وطب شرعي، لقتل وتقطيع الضحية، كما أكد المُدعي العام التركي، وذلك في محاولة لإخفاء الجريمة، بدل الدور الطبيعي لهكذا طبيب، بكشف الجريمة وتعرية فاعلها أو فاعليها.
    استعمل النازيون أطباء مجرمين، وأشهرهم جوزيف منغيليه، بتجاربهم الطبية المُفزعة، في إطار نظرية النقاء العرقي، وجهودهم لإعطاء بُعد علمي، لنظرية العنصرية البيولوجية، وتفوق العنصر الآري الألماني، على باقي الأجناس، بالإضافة لتخليصه من آفات المرضى العقليين والمعاقين.
    من ناحية أخرى، نجد أطباء مرضى نفسيين، هم أصلاً مجرمون قبل كونهم أطباء، أمثال الطبيب الشهير، بتيو في فرنسا، والذي حُكم بقطع رأسه عام 1946 بالمقصلة، بجريمة قتل 26 سيدة، استدرجهن لبيته لسرقتهن وقتلهن ثم حرق جثثهن.
    وخلال حرب البوسنة، قام الطبيب رادوفان كاراديتش، رئيس عصابات الصرب، بقتل آلاف المسلمين، وتدمير عشرات المستشفيات والمراكز الطبية، والذي حوكم بمحكمة الجنايات الدولية.
    ولا ننسى الدكتور بشار الأسد، وتسببه ومسؤوليته عن موت عشرات آلاف الضحايا الأبرياء في سوريا، والذي لم يتوان حتى عن استخدام السلاح الكيميائي لقتل الأطفال والنساء.
    إن استدراج جمال خاشقجي، لمبنى قنصلية بلاده في إسطنبول، لقتله وتقطيع أوصاله، بيد طبيب متخصص، متخرج من الجامعات السعودية والغربية، يسيء بشكل مؤكد للسعودية ونظامها، ولكن أيضاً بشكل غير مباشر وثانوي، للطب والأطباء العرب. لا أظن أن أساتذة هذا الطبيب، كانوا يدركون الكيفية التي سيستعمل بها محاضراتهم وعلمهم، ومآلات القسم الذي تلفظ به عند استلام شهادته بالطب.
    هؤلاء هم مجرمون أولاً وأخيراً، وليسوا أطباء ، لأن اسم الطبيب لا يمكن أن يُعطى إلا لمن أحيا الإنسانية، وليس لمن قتلها.
    التاريخ العربي مليء بالأسماء العظيمة، في عالم الطب، أمثال ابن سينا وابن النفيس، ولن يُؤذي هذا التاريخ أسماء مجرمين، امتهنوا الطب فقط، لخدمة السلطان، مهما كانت أوامره.
    قدم مئات الأطباء السوريين، حياتهم لإنقاذ حياة أبناء وطنهم، وكذلك فعل أطباء كثيرون بدول عديدة، وساهم غيرهم بالدفاع عن القيم العُليا التي يؤمنون بها، أمثال تشي جيفارا، والذي قُتل في بوليفيا عن عمر 39 عاماً، أو سلفادور أليندي، الرئيس المنتخب لتشيلي، والذي قدم حياته دفاعاً عن الديمقراطية عند انقلاب الجنرال بينوشيه عليه عام 1973.
    هؤلاء المجرمون سيدخلون مزبلة التاريخ، ليبقى الطب والأطباء رمزاً للإنسانية بكل زمان ومكان.

    طبيب عربي مقيم في فرنسا

    من وعد بلفور الى صفقة القرن

    من وعد بلفور الى صفقة القرن

    Euronews
    02/11/2018

    بقلم د. نزار بدران – مراقب ومحلل سياسي

    انقضى أكثر من قرن على وعد بلفور الشهير والذي اعطت بموجبه بريطانيا للحركة الصهيونية إمكانيه قيام كيان مستقل لليهود، وما أدى قيام هذه الدولة من تشريد للشعب الفلسطيني منذ النكبة عام 1948.

    لم يتمكن الفلسطينون على مدار عشرات السنين من الخروج حقا من مازقهم التاريخي، فالواقع الفلسطيني الحالي لا يبشر بخير كثير. الخلافات الداخلية بين الحركات الفلسطينية والتي تدعي كلها تمثيل الشعب الفلسطيني تمنع طرح مشروع وطني موحد لمواجهة الضغط الاسرائيلي الامريكي والذي أصبح مدعوما حتى من كثير من الدول العربيه.

    زياره رئيس الوزراء الاسرائيلي قبل بضعة أيام لسلطنة عمان بدون تفيسر واضح لأسبابها هو دليل فشل الطرف الفلسطيني بالتأثير لصالحه حتى داخل الوسط العربي، ذلك انعكاسا لواقع الخلافات الداخلية.

    السيد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية بالإضافة لمنظمة التحرير الفلسطينية بالاجتماع الاخير للمجلس المركزي رغم الشعارات الطنانة والتهديدات بالانسحاب من الاتفاقيات مع اسرائيل احتجاجا على خطة الرئيس الامريكي بما يسمى صفقة القرن ونقله سفارة بلاده للقدس، لا يمكن أن تكون بديلا عن سياسة موجهة نحو الشعب الفلسطيني داخل وخارج الأراضي المحتلة.

    القياده الفلسطينية وحكومة حماس بغزة لا يملكان برأينا الشرعية الكافية للقيام أو انتهاج سياسات تسمح بدفع حقوق الفلسطينيين إلى الأمام نحو الهدف الذي رسموه لانفسهم بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، وحل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

    المطلوب الآن من القيادة الفلسطينية هو العمل السريع لإعادة اللحمة الوطنية والعودة للشعب الفلسطيني لتجديد شرعيتها عبر انتخابات حرة ونزيهة مفتوحه أمام كل القوى الفلسطينية.

    نحن نعلم بالدول الغربية والديمقراطية بشكل عام، أن المشاكل المهمة سياسية كانت أو اجتماعية لا تحل إلا عن طريق الاستفتاء وطلب رأي المواطنين ، فمتى سيتجه الفلسطينيون نحو ذلك، أم أن المصالح الفئوية والحفاظ على المناصب تحول دون تحقيقه، فاتحين الباب بأنفسهم من حيث لا يدرون لتحقيق ما يسميه الفلسطينيون وعد بلفور جديد متمثلا بالمشروع الامريكي للرئيس ترامب.

    الكاتب د. نزار بدران – مراقب ومحلل سياسي

    المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز

    الجالية في فرنسا. العربي الجديد

    الجالية في فرنسا… غياب التجمع الشامل
    تظاهرة في باريس تدعو لإنهاء معاناة قطاع غزة (وكالات)الجالية في فرنسا... غياب التجمع الشامل

    28 أكتوبر 2018
    يبقى الوجود الفلسطيني في فرنسا قليل العدد، مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى، فهم لا يتجاوزون بأحسن التقديرات 5 آلاف نسمة، ومعظمهم يحملون الجنسية الفرنسية. حضر معظم هؤلاء منذ السبعينيات من أماكن متعددة من الوطن العربي، فهم إما طلاب أصلاً كانوا قد قدموا للدراسة ثم استقروا، أو كانوا قد تعلموا بالمغرب العربي، بعد أن تعلموا اللغة الفرنسية. وهناك هجرة قادمة من لبنان، بعد الحرب الأهلية بسنوات الثمانينيات، وخصوصاً من العائلات الفلسطينية المسيحية، بالإضافة إلى بعض رجال الأعمال القادمين من دول الخليج العربي، وبعض العصاميين القادمين من فلسطين أو الأردن.
    بشكل عام يتمتّع أعضاء الجالية بوضع اجتماعي جيد، ولكن قلة عددهم لا تسمح لهم بالظهور بشكل واضح، كالجاليات العربية الأخرى. ومن ناحية الاندماج فإن الجالية الفلسطينية في فرنسا تعتبر من أكثر الجاليات اندماجاً.
    كانت هناك محاولات عديدة لإيجاد جالية مُنظمة وفعالة، ولكن الخلافات الفلسطينية الداخلية حالت دون ذلك، ففي عام 1998، أُنشئت جمعية باسم الجالية، في مدينة مومبيلية الفرنسية، ولكنها انتهت سريعاً، بسبب الخلافات على إدارتها، أدى ذلك في ما بعد لإنشاء جمعية أخرى، اختارت اللامركزية أسلوب عمل، إذ أُسست لها فروع متعددة داخل المناطق الفرنسية المختلفة، ذات الوجود الفلسطيني، مُمَثلة كلها بلجنتها الإدارية. وبالتوازي مع هذه الجمعية الجامعة، وُجدت جمعيات أخرى، بأهداف محدودة، كجمعية زمن فلسطين، المُهتمة بالثقافة والفن والتاريخ، أو جمعية مُنتدى فلسطين المواطنة، المُهتمة بالبُعد العلماني وحقوق المرأة، أو جمعية الملتقى الفلسطيني أو جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين.
    تضاف إلى ذلك جمعيات مُتخصصة، وأهمها تجمع الأطباء الفلسطينيين بفرنسا، الذي استطاع منذ عشر سنوات فرض وجود علمي طبي، داعم للقطاع الطبي الفلسطيني، مع التركيز على التعليم ونقل المعرفة، عن طريق البعثات الطبية لأرض الوطن ومخيمات الشتات، أو استقبال وفود طبية للتعلم داخل المستشفيات الطبية، وعقد مؤتمر طبي فلسطيني فرنسي سنوي في باريس، بالإضافة إلى حملات الإغاثة المُتعددة.
    للأسف، فإن الانقسام الفلسطيني، منذ أكثر من عشرين عاماً، رمى بظلاله على تنظيم الجالية بفرنسا، وأعاق إمكانية إيجاد تجمع شامل فعال، يستطيع التعبير والضغط داخل فرنسا، لصالح القضية الفلسطينية. لكن ذلك لم يمنع الجمعيات المذكورة أعلاه وغيرها والأفراد، من العمل الدؤوب ليلاً ونهاراً لرفع راية فلسطين، إما عن طريق المظاهرات أو المشاركة بالفعاليات الفرنسية، كالعمل مع منصة فلسطين، التي تضم أكثر من 40 جمعية فرنسية، أو جمعية أوروبا فلسطين ذات النشاطات العديدة والتوجه اليساري، وتعمل جميعها في الوسط النقابي والسياسي الفرنسي، للتأثير على القرار الرسمي.
    الانتماء الفكري والحزبي للفلسطينيين في فرنسا، والذي في بعض الأحيان يعود لعشرات السنين، أصبح برأيي المُعيق الأكبر لتوحيد الجالية، ونحن نعتقد بفرنسا، كباقي الجاليات بأوروبا، بحقنا في الانتماء السياسي، والمشاركة في العمل الفلسطيني العام، داخل وخارج فلسطين، ولكن مفهوم توحيد الجالية، لا يمكن أن يتم إلا على أُسس توافقية، أي العمل فقط من خلال ما يُسمى الثوابت الوطنية، والتي يتفق عليها الجميع. التنوع الفكري والسياسي هو دليل حيوية المجتمع الفلسطيني، ولكن ذلك لا يجوز أن يُعيق توحيد العمل.
    الجالية الفلسطينية يجب أن تُبنى إذاً على الثوابت فقط، وتترك الأفكار الفلسفية وغيرها للنقاش خارج الأطر الرسمية. بفرنسا كما ببقية أوروبا، يجب ألا ننسى أن الجالية هي جزء من الشعب الفلسطيني، ورافد قوي لحراكه وداعم لحقوقه، ولكنها بنفس الوقت جزء من المجتمعات الغربية، التي اختارت أن يعيش أبناؤها بها. الاهتمام بجيل الأبناء وانتمائهم الفلسطيني هو أيضاً هاجس دائم، حتى تبقى فلسطين حية جيلاً بعد جيل، مهما طال الزمن، وامتدت المسافات.
    (رئيس تجمع الأطباء الفلسطينيين في أوروبا)

    جمال خاشقجي وتحدي الإرادة الحرة

    جمال‭ ‬خاشقجي‭ ‬وتحدي‭ ‬الإرادة‭ ‬الحرة

    19 – أكتوبر – 2018

    د. نزار بدران .

    ‭ ‬يشكل‭ ‬مقتل‭ ‬جمال‭ ‬خاشقجي،‭ ‬الصحافي‭ ‬السعودي‭ ‬في‭ ‬قنصلية‭ ‬بلاده‭ ‬في‭ ‬إسطنبول،‭ ‬صفحة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬تشُنها‭ ‬السعودية‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬الكلمة‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬مؤدبة‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬أيضاً‭ ‬ضد‭ ‬المدافعات‭ ‬والمدافعين‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وهو‭ ‬التعبير‭ ‬الأسمى‭ ‬حالياً‭ ‬للمجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬الذي‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يثبت‭ ‬وجوده‭ ‬بالوطن‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬إثر‭ ‬بدء‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬قبل‭ ‬بضع‭ ‬سنوات‭.‬
    هذه‭ ‬الجريمة‭ ‬إذاً،‭ ‬ليست‭ ‬استثناء‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬السعودية،‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬أيضا‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى‭: ‬إخراس‭ ‬الكلمة‭ ‬الحرة،‭ ‬هو‭ ‬انعكاس‭ ‬هاجس‭ ‬الخوف‭ ‬الذي‭ ‬يسود‭ ‬الأوساط‭ ‬الاستبدادية،‭ ‬والتي‭ ‬تُدرك‭ ‬تماماً‭ ‬أن‭ ‬زمنها‭ ‬قد‭ ‬ولى،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬بأماكن‭ ‬عديدة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬
    الإرادة‭ ‬الحرة‭ ‬كما‭ ‬عرّفها‭ ‬الفلاسفة‭ ‬أمثال‭ (‬إيمانويل‭ ‬كانت‭) ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبارها‭ ‬الصبغة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وما‭ ‬يُميزها‭ ‬عن‭ ‬باقي‭ ‬عالم‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية؛‭ ‬امتلاك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬والحكم‭ ‬المستقل،‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬هدفاً‭ ‬لكل‭ ‬عمل،‭ ‬ومنعه‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬واستبدال‭ ‬إمكانياته‭ ‬بالحكم‭ ‬المستقل‭ ‬والتفكير،‭ ‬بأفكار‭ ‬أخرى‭ ‬مفروضة‭ ‬عليه،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬مسخ‭ ‬للإنسان‭ ‬وإرادته،‭ ‬وتحويله‭ ‬من‭ ‬موضع‭ ‬السمو‭ ‬والنهاية،‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬الشيء‭ ‬والوسيلة،‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬منع‭ ‬الكلمة‭ ‬الحرة‭ ‬والتفكير‭ ‬المستقل،‭ ‬هو‭ ‬حيونة‭ ‬للإنسان،‭ ‬وإنهاء‭ ‬كامل‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُقدم‭ ‬للسمو‭ ‬بالإنسانية‭ ‬من‭ ‬تقدم‭ ‬علمي‭ ‬واجتماعي‭.‬
    لو‭ ‬تذكرنا‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي،‭ ‬لرأينا‭ ‬أن‭ ‬فترة‭ ‬الانفتاح‭ ‬والتقدم‭ ‬الحضاري،‭ ‬تزامنت‭ ‬مع‭ ‬فترة‭ ‬حرية‭ ‬العقل‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬والإنتاج‭ (‬زمن‭ ‬ابن‭ ‬سينا‭ ‬والفارابي‭ ‬وغيرهم‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬توضع‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬الفكر،‭ ‬وانتقلت‭ ‬المعرفة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الترجمة‭ ‬من‭ ‬شعوب‭ ‬لشعوب‭ ‬أخرى،‭ ‬بينما‭ ‬تقوقع‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمون‭ ‬عندما‭ ‬أغلقوا‭ ‬باب‭ ‬العقل‭ ‬الحر،‭ ‬وألغوا‭ ‬الاجتهاد،‭ ‬وفرضوا‭ ‬فكراً‭ ‬أحاديا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أوصلنا‭ ‬لما‭ ‬نحن‭ ‬عليه‭ ‬الآن‭ ‬منذ‭ ‬عشرة‭ ‬قرون‭. ‬
    حرية‭ ‬الكلمة‭ ‬والفكر،‭ ‬ليست‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا،‭ ‬ترفاً‭ ‬فكرياً‭ ‬أو‭ ‬مجرد‭ ‬تقليد‭ ‬للغرب،‭ ‬وإنما‭ ‬حاجة‭ ‬ماسة‭ ‬حتى‭ ‬نتمكن‭ ‬من‭ ‬استرجاع‭ ‬هويتنا‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وحتى‭ ‬نتمكن‭ ‬من‭ ‬اللحاق‭ ‬بركب‭ ‬الشعوب،‭ ‬التي‭ ‬سبقتنا‭ ‬وتجاوزتنا،‭ ‬بينما‭ ‬نحن‭ ‬نصدح‭ ‬بالتمجيد‭ ‬لأوهام‭ ‬فكرية‭ ‬لا‭ ‬تمت‭ ‬للعقل‭ ‬الإنساني‭ ‬بصلة‭.‬
    الأنظمة‭ ‬العربية،‭ ‬وكما‭ ‬أظهرت‭ ‬مأساة‭ ‬الصحافي‭ ‬الشهيد‭ ‬جمال‭ ‬خاشقجي،‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬لأحد‭ ‬أن‭ ‬يشُق‭ ‬عصا‭ ‬الطاعة‭ ‬العمياء،‭ ‬مُتلحفة‭ ‬بغطاء‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬الأفكار‭ ‬الآتية‭ ‬من‭ ‬الغيب،‭ ‬مُستهدفة‭ ‬تحويل‭ ‬أبناء‭ ‬الوطن،‭ ‬من‭ ‬أُناس‭ ‬لهم‭ ‬الحق‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬هدف‭ ‬كل‭ ‬سياساتها،‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬بقائهم‭ ‬بالحكم‭ ‬واستيلائهم‭ ‬الدائم‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬والثروة‭. ‬هكذا‭ ‬أنظمة،‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬بالقرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين،‭ ‬البقاء‭ ‬طويلاً‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أزاحت‭ ‬الشعوب‭ ‬الغشاء‭ ‬الذي‭ ‬غطى‭ ‬لمئات‭ ‬السنين‭ ‬أعين‭ ‬الناس‭ ‬بمعظم‭ ‬بقاع‭ ‬الأرض‭.‬
    جمال‭ ‬خاشقجي،‭ ‬رمز‭ ‬لهذا‭ ‬التناقض،‭ ‬بين‭ ‬الحرية‭ ‬والظلم،‭ ‬بين‭ ‬الإرادة‭ ‬الحرة‭ ‬والاستعباد،‭ ‬وبين‭ ‬الإنسانية‭ ‬والهمجية‭. ‬إن‭ ‬استطاع‭ ‬بموته،‭ ‬أن‭ ‬ينشر‭ ‬ولو‭ ‬قليلاً‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬بحاجة‭ ‬البشرالطبيعية،‭ ‬لحرية‭ ‬الإرادة،‭ ‬فإن‭ ‬مقتله‭ ‬لن‭ ‬يذهب‭ ‬هدراً‭. ‬

    كاتب‭ ‬عربي

    مصادر شرعية السلطة بين الأمس واليوم نزار بدران

    مصادر شرعية السلطة بين الأمس واليوم

    نزار بدران

     

    تغيرت مصادر الشرعية للسلطة على مر الزمن، وما زالت أشكالها تتعايش حتى اللحظة بين القديم والحديث، وهو ما يُميز الدول عن بعضها البعض، بالنسبة لمفهوم العلاقة بين السلطة والشعب المحكوم.

    يمكن اعتبار المفكر والعلامة الإسلامي، ابن خلدون (1332-1406)، مؤسس علم الاجتماع، أول من وصف هذه العلاقة، عندما درس تاريخ الدول والإمبراطوريات، بما فيها الدولة الإسلامية، واستنتج أن المُستولي على الحكم، هو بالأساس غريب عن الشعب أو الشعوب المحكومة، ويظهر ذلك حتى من لغته، وفي بعض الأحيان من لون جلده، كما كان ذلك زمن المماليك، الذين حكموا مصر ووصلوا بلاد الشام وشمال افريقيا والشرق الادنى ( 1250 – 1517).

    منذ وُجدت السلطات والدول، وحتى القرن الثامن عشر، كان يمكن التمييز بين نوعين من الشرعية، الأولى هي الشرعية الغيبيةالمستندة بشكل عام إلى الدين أو المُعتقدات الدينية، والثانية هي شرعية القوة، استنادا إلى أصحاب السلاح والعصبية، كما يقول ابن خلدون، الذين يحكمون الجمهور المُسالم غير المُسلح، والعامل المُنتج، والفلاحين ومجموع الموظفين والعاملين في القطاع العام والخاص، حيث يجري التعامل معهم كقطيع ضريبي ليس إلا.

    الثروة في تلك الأزمان، كانت هي الإنسان أساساً، فالمناطق العديدة التي تكتظ بالسكان، مثل بلاد ما بين النهرين ومصر، كانت محط أطماع كافة العصبيات والسلطات الناشئة، من سَيطر عليها بُنيت حضارته، ومن يفقدها يفقد مصدر ثروته وغناه. فُقدان الإمبراطورية الرومانية لمنطقة الشرق، يُعتبر أحد أسباب انهيارها، ووصول الفتوحات الإسلامية لتلك المناطق، هو أحد أسباب عظمتها، وفُقدانها فيما بعد أدى إلى انهيارها.

    قد تتعايش شرعية السلطة الدينية مع شرعية سلطة القوة، وفي كثير من الأحيان تختلطان وتمتزجان سوية، كما حدث عندما كان خليفة بغداد يملك ولا يحكم، والسلطة الحقيقية بيد أحد السلاطين السلاجقة (الدولة السلجوقية ما بين 1037-1157) أو غيرهم. القاسم العام لهذه الفترة الطويلة، هو غياب أي مصدر للشرعية استنادا إلى الناس المحكومين، الذين لم يكن يُنظر إليهم إلا كوسيلة إنتاج بشكل أساسي.

    كانت هذه الوضعية مُسيطرة على العالم أجمع، من الصين إلى أوروبا، مروراً بالدولة الإسلامية. نظرية ابن خلدون المعروضة بمؤلفه الشهير مقدمة ابن خلدون، والتي قدمت لكتابه كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبرلعام 1377، كانت نظرية صحيحة وتحليل صائب لهذه الأوضاع. الاطلاع على هذا الفكر المبدع في القرن الرابع عشر، وجب أن يكون وفق مناهج كل الراغبين بالتعلم والتعليم.

    استمر تحليل ابن خلدون صائباً بشكل عام، في توصيف الامم حتى بداية العصر الحديث، والذي بدأ مع نهوض الحضارة الغربية، وبدء الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر ببريطانيا أولاُ، حيث اسست لها الثورة ألعلمية، ثم الثورة الاجتماعية والسياسية التي تبعتها في فرنسا. انتقل بعدها العنصر المؤسس للإنتاج، أي مصدر الحضارة والغنى، من الإنسان وحده إلى الإنسان صاحب الآلة المُنتجة، والتي أدت إلى مضاعفة هذا الإنتاج عدة مرات، وبذا أصبحت الآلة والمواد الخام المُشغلة لها، هي مصدر الثروة والغنى والحضارة، وهو ما نقل مركز ثقل العالم من الصين والشرق الإسلامي إلى أوروبا.

    تزامن ذلك مع انتقال الشرعية، من المصادر الدينية أو العصبيات المسلحة (الفاتيكان أو الملوك والإقطاعيين) إلى الشعب ممثلاً بالثورة الفرنسية، والتي كانت رائدة وطليعة بناء دولة المواطنة وحقوق الإنسان، واضعة اللوائح المُؤسسة لها. لينتشر هذا النظام فيما بعد بكل أوروبا، وأصبح هو الشكل الثالث الجديد لشرعية السلطة.

    تزامن نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مع انتقال الحضارة ومعاييرها من الشرق الأقصى (الصين) والأدنى (المنطقة الإسلامية) إلى أوروبا، بمفهوم بناء دول تستمد شرعيتها من شعوبها، عن طريق الانتخابات، وتعيد ترتيب علاقاتها الاجتماعية على اساس الحرية الفردية. هذا النظام الجديد كان محط أنظار المفكرين المسلمين، ومسؤولي الدولة العثمانية، وهو ما ساهم بوضع قوانين مدنية في نهاياتها، خصوصاً زمن السلطان عبد الحميد الثاني. كذلك كان ذلك مصدر تفكير، لإصلاحيين إسلاميين مشهورين، أمثال الشيخ محمد عبدو والشيخ جمال الدين الأفغاني، اللذان اختارا باريس لإصدار صحيفتهما الإصلاحية العروة الوثقى“. كذلك إصلاحيون آخرون، خصوصاً في شمال أفريقيا، أمثال الوزير خير الدين (أول دستور لدولة مسلمة وُضع بتونس عام 1861). والنقاشات التي كانت دائرة بباريس بنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت تُنقل أيضاً إلى مصر والشرق العربي، عن طريق الشيخين عبدو والأفغاني وتلاميذهما، وكان النقاش أيضاً محتدماً، كما بفرنسا، بين المدافعين عن العلمانية والفصل بين الدين والدولة، والداعين لنظام إسلامي حداثي يتفق مع العصر.

    أنتهى كل ذلك، بعد وفاة الشيخ محمد عبدو في عام 1905، وبدء الحملات الاستعمارية الغربية، الفرنسية والبريطانية، على مصر وشمال أفريقيا وغيرها. هذه الحملات التي كانت تهدف للحصول على مصادر المواد الخام، الضرورية لتشغيل آلات الدول الصناعية الناشئة بأوروبا. هذه كانت سمة العصر، حيث لم تعد السيطرة على مصادر الكثافة السكانية، هو هدف الحروب وإنشاء الإمبراطوريات، وإنما السيطرة على مصادر الثروات الطبيعية وتأمين طرق وصولها إلى أوروبا.

    التأثر بالحداثة الأوروبية، والحضارة الجديدة التي قامت على احترام حق المواطن، وأولويته كمصدر للشرعية، بدل القوة العصبية أو الدين، انتهت مع الحملة الغربية، والتي أدت إلى تأجيج الحراك الوطني التحرري ضد ألاستعمار، وتأكيد المعايير الدينية لتثبيت الهوية الإسلامية أولاً، ثم المعايير القومية لتأكيد عروبة الشعوب في مرحلة لاحقة.

    لم يعد بالإمكان في ظل هذا التناقض العنيف مع الغرب، أن يسمع أي صوت لنشأة دولة جديدة مبنية على المبادئ التي حملتها الثورة الفرنسية والغرب عامة، وهذا ما أنهى أي فكر حداثي او إصلاحي من قبيل ما كانت تنشره صحيفة العروة الوثقى، وأدخلنا فيما بعد إلى زمن الديكتاتوريات العسكرية القومية المُعلنة عدائها لكل ما هو غربي، بما في ذلك مفهوم الحرية الاجتماعية.

    وضعنا الحالي، هو نتاج الماضي، كما حلله ابن خلدون، وشرعية حكامنا ما زالت تأخذ إما بمبدأ الشرعية الغيبيةالمستند مباشرة إلى النصوص الدينية (إيران، السعودية، المغرب…..الخ) أو شرعية العصبيات والعسكر، كما هو الحال في مصر أو سوريا. الشرعية التي مصدرها الشعب تكاد لا توجد، وإن وُجدت يُقضى عليها أو يحاول الآخرون إنهاءها، حتى لا تصبح مثالاً. قد تُستبدل شرعية المواطنة في بعض المناطق، بشرعية القبيلة أو العائلة أو الطائفة، وهي بالحقيقة عودة إلى الشرعية الدينيةومشتقاتها.

    الآن وقد دحرت الدول الوطنية الاستعمار، الذي خرج من مصر وسوريا والعراق والجزائر وباقي الدول العربية (باستثناء فلسطين)، لم يعد بالإمكان الاستمرار، بالدفاع عن النظام الذي وصفه ابن خلدون قبل ستة قرون، وعدم اللحاق بموكب الأنظمة السياسية الحديثة التي حلت محلها منذ حوالي قرنين, والتي هي الوسيلة الوحيدة للحصول على الحرية والتقدم الاجتماعي والاقتصادي.

    هزيمة اليابان بالحرب العالمية الثانية، وقصفها من طرف أمريكا بقنبلتين ذريتين، لم يمنعها بعد ذلك من إنهاء حكم الامبراطور، والانتقال إلى الحكم الديمقراطي، مع أنه كان نظام عدوها اللدود. وانهيار حكم بينوشيه بتشيلي، الذي جاء بانقلاب عسكري مدعوما من الغرب وتحديدا الولايات المتحدة، والشركات المتعددة الجنسية، لم يمنع هذه الدولة من اعتماد النظام الديمقراطي، وشرعية الشعب بدل شرعية العسكر، كذلك الأمر بالبرازيل والأرجنتين وجنوب أفريقيا الحرة، بعد أن هزم مانديلا نظام التمييز العنصري الغربي.

    في بلادنا الآن، لا يفيدنا بشيء الاستمرار برفع راية العداء للغرب كأولوية مطلقة، بينما مئات الآلاف يهربون ويموتون من أجل الوصول إلى أوروبا، وإنما الذهاب نحو الاستناد للشرعية القادمة من الشعب، بدل تلك القادمة من الغيب والعسكر، والعمل لتغيير أوضاعنا وعدم القبول بمصادرة حرياتنا العامة والخاصة وحقوقنا، تحت رايات مزيفة من العداء للغرب والاستعمار ورفع رايات الممانعة، على ما هو حال النظامين الحاكمين في كل من إيران وسوريا.

    إن البدء بترتيب الأولويات في النظر إلى التناقضات، لصالح البدء بالبيت العربي الداخلي، هي أساس لحاقنا بالعالم الجديد ودخولنا فيه، وإلا فسنبقى وحدنا نبكي حظنا العاثر، ونعيش في كنف نظرية ابن خلدون التي عفا عليها الزمن.

    النظام العربي أسباب هشاشته بين الزبائنية والفساد نزار بدران

    النظام العربي أسباب هشاشته بين الزبائنية والفساد

    نزار بدران

    نرى ونقرأ يوميا من يكتب أو يضع على صفحته الإلكترونية استغراب المواطنين من التناقض الهائل بين إمكانيات الأمة الاقتصادية والإنسانية من جهة ونقص رفاهية المواطن العربي وأمنه وقلة حاله من جهة أخرى، وهو ما يؤدي غالبا الى مطالبة المسؤولين بالدولة بالتحلي بالنزاهة والابتعاد عن الفساد والعمل الدؤوب لخدمة المواطن. ولكن هذه المناشدات لم تؤدى إلى شيء إلا إلى مزيد من إهدار حقوق الناس.
    هل الزعماء والمسؤلون العرب طرش بكم لا يريدون الاستماع، وهل تغيير الأمور يعتمد فقط على إرادتهم وإستماعهم لهموم المواطن ؟
    الحقيقة أن الأزمة ليست عند الرئيس أو الوزير أو مدير المؤسسة أو مسؤول معين، ولكنها بداخل البنية التركيبية للدولة العربيه الحديثة والتي أتت بعد التخلص من الاستعمار والحصول على الاستقلال.
    بنيت الدولة العربية على أسس أربعة وهي الزبائنية السياسية بشقيها الداخلي والخارجي، الفساد الاقتصادي والنهب الممنهج ، ضعف المؤسسات وتبعيتها وتبني السلطة لمفهوم الشرعية الذاتية.
    هذه السيم هي ما يميز الدولة العربية بعد الاستقلال ويفسر أيضا فشلها، وهو ما أدى الى الخلط بين السلطة والدولة، وبين الدولة والملك الخاص، وتجيير مؤسسات الدولة لمصلحة النظام فقط وفي معظم الاحيان لأشخاص النظام وعائلاتهم وأقاربهم أو في أحيان أخرى لقبائلهم وطوائفهم . السلطة ليست بخدمة الدولة ومؤسساتها لتحقيق مصالح المواطن وإنما المواطن ومؤسسات الدولة لخدمة السلطة وأصحابها وتأمين امتيازاتهم.

    الشرعية
    في الدولة الحديثة الديمقراطية والتي انتشرت بشكل واسع بكل بقاع الأرض باستثناء دول العرب، منطلقة من أوروبا العتيقة الى آسيا وأمريكا اللاتينية، أو أفريقيا السوداء وشرق أوروبا منذ انتهاء الحقبة السوفيتية، تستمد السلطة شرعيتها من الشعب عن طريق الإنتخابات الحرة الديمقراطية التعددية المراقبة بعد حملات متوازنة للتنافس بين الأحزاب برعاية الدستور وهيئات مستقلة عن السلطة.
    في بلاد العرب عامة ما زال مصدر الشرعية هو السلطة نفسها والتي تشرعن لنفسها حق البقاء والاستمرار متلحفة بشرعيات لا تمت بصلة للدولة الحديثة بل مرتبطة بالماضي وخاصة الشرعية الغيبية المرتبطة بالدين أو الشرعية الوراثية بالمملكات أو جمهوريات التوريث ، هذا النظام الذي ساد بالعالم قبل ميلاد القوميات والدولة الحديثة كما حلله عالم الإجتماع الفرنسي بيير بورديو بوصفه للاقطاع حيث يختلط العام بالخاص والملك بالملكية ويتعامل الملك مع الناس من منطلق عمال المزرعة. ولدت الدولة الحديثة بعد إنهيار النظام الإقطاعي أو ما يسمى نظام السلاله المالكة او ديناستي عن طريق خلق مؤسسات للدولة مستقلة عن السلطة والفصل التام بالسياسة بين الخاص والعام.
    عندنا لحد الآن نحن بنظام قبلي لا علاقة له بالدولة الحديثة إلا شكليا، الجيش بمصر مثلا هو مصدر الشرعية، العائلة المالكة هي مصدر الشرعية بدول كالسعودية والمغرب، القبيلة هي مصدر الشرعية بنظام البعث بسوريا المرتكز على الطائفة العلوية ضد أغلبية الشعب السوري.
    قد تجري بهذه الدول انتخابات ولكن حتى ولو كانت حرة ومراقبة فإنها لا تهدف إلى اختيار السلطة الحاكمة وإنما إلى اختيار وسائط بين الشعب والسلطة، الشعب بهذه الانتخابات لا يصل الى السلطة مطلقا ولا ينتخبها، البرلمانات العربية في أحسن الأحوال هي غرف تسجيل، النائب العربى في الدولة العربية حتى ولو كان منتخبا يقوم فقط بدور الوسيط بين عائلته أو قبيلته والسلطة للحصول على بعض المصالح وتحقيق بعض الطلبات. في هذا النوع من الانتخابات يضطر المواطن أن يختار ممثلا من عائلته أو قبيلته أو عشيرته للعب دور الوسيط لدى السلطة، وهو ما يكرس المفهوم القبلي والطائفي بدل تجاوزه ، كما نرى مثلا بلبنان.
    انتخاب الوسيط لدى السلطة حتى ولو كان حرا هو إضرارا بالديمقراطية والتلاحم الشعبي ووحدة الأمة. هناك فرق عند المواطن بين اختيار من سيتوسط له عند النافذين وأصحاب القرار وبين انتخاب أصحاب القرار أنفسهم. انتخب الشعب المغربي حكومته والشعب الإيراني رئيسه ولكنهما في كلا الحالتين لم ينتخبا صاحب القرار والمستولي على الشرعية الحاكمة الحقيقية والتي هي بيد المخزن من جهة وبيد الولي الفقيه من جهة ثانيه.

    الزبائنية السياسية
    تبني السلطة الفاقدة للشرعية الحقيقية النابعة من الشعب علاقاتها مع المجتمع على مبدأ الزبائنية السياسية الداخلية، المرتبطة عضويا بالفساد المالي والذي هو السمة المكملة لها حتى ولو اختلف عنها بالمفهوم.
    الزبائنية السياسية كما درسها أستاذ السياسة الأمريكي جيمس سكوت والمختص بالدراسات الإجتماعية الفرنسي جان فرانسوا ميدار هي العلاقة ألغير متكافئة بالقدرات والمركز بين طرفين، يستعملها الطرف القوي المعطي اي المسؤول السياسي لشراء ذمم الناس مقابل خدمات إجتماعية قد تكون حقوق أصلا أو تجاوزا للحقوق. هذا يعني الخلط التام بين المنصب السياسي ومصلحة الشخص الذي يحتل هذا المنصب، فهو يقدم الخدمات الاجتماعية مقابل الولاء واصوات الناخبين، فالصحة مثلا هي هبة من القائد تعطى بمكرمات وليس حقا مضمونا بالدستور.
    الامتيازات الإقتصادية تعطى للمقربين والنافذين بالمجتمع لضمان ولائهم وفي فترة الإنتخابات أصواتهم، وهكذا بكل المجالات، التعليم والتسجيل بالجامعة أو الحصول على عمل وغيره.
    لا يوجد بالنظام الزبائني السياسي مؤسسات فاعلة للدولة فوزارة الصحة أو التعليم أو العمل لا تستطيع تجاوز هذا النظام ولا تستطيع تقديم أي خدمة للمواطن كحق له رغم ادعاء العكس.
    مقابل الزبائنية الداخلية توجد هناك زبائنية خارجية تنظم العلاقة الفاسدة بين السلطة والقوى الخارجية الحامية لها، مقابل حماية ودعم الطرف الخارجي تؤمن السلطة خدمات مثل تسهيل الإستثمار لهذه الدول أو إتخاذ مواقف سياسة تناسبها كما نرى حاليا مثلا بين بعض دول الخليج أو مصر وأمريكا وإسرائيل. الطرف القوي بهذه المعادلة هو الطرف الأجنبي والطرف الضعيف متلقي خدمة الحماية هو السلطة وذلك بعكس الزبائنية الداخلية.

    الفساد الإقتصادي
    الفساد المالي والاقتصادي يختلف عن الزبائنية السياسية ولكنه مرتبط بها بشكل وثيق، وله نوعان الفساد الاصغر وهو يعني بهذه الحالة الرشوة العينية التي تقدم للمسؤول السياسي لإعطاء موافقته على مشروع أو تمرير تشريع. صاحب النفوذ الاقتصادي من رجال الأعمال الأغنياء عرب أو أجانب يشتري بهذه الحالة التشريع الذي سيسمح له بعمل ما يشاء من خصخصة المال العام أو الحصول على إمتيازات تمنع المنافسة الحرة والتي تؤدي الى زيادة الأسعار وتقليل الجودة وسرقة المواطن والأضرار بالاقتصاد الوطني لصالح مجموعة نافذة.
    النوع الثاني هو الفساد الأكبر المرتبط ببنية الدولة والنظام منذ نشأة الدولة وحتى بمرحلة التحرر الوطني التي سبقته وهو ذا علاقة باستيلاء مجموعة تمتهن العنف للسلطة، هذا النوع من السلطة حول بعد سنوات الدولة الرأسمالية ألتي تبعت الإستقلال إلى دولة مافوية حيث يستولي المقربون والاقرباء على ثروات الأمة بقرار سياسي.
    لا يستعمل الفساد فقط في الدول الريعية مثلا للحفاظ على السلم الإجتماعي وإبعاد شبح الاحتجاجات الجماهيرية وإبعاد العنف ضد السلطة ، وإنما على العكس تماما الشكل الأكبر للفساد لا يترعرع إلا بإطار العنف ، القائمون على السلطة وهم في معظم الدول العربية من العسكر يقومون بايقاد العنف المفرط حتى ترتفع كلفة أي احتجاج ضد التحول الإقتصادي المافوي، كاتما أي صوت منتقد.
    يحلل المؤرخ الجزائري محمد همشاوي الفساد بالجزائر بفترة التسعينات والحرب على الإرهاب وكيف توازى ذلك مع خصخصة الإقتصاد لصالح رجال الاعمال،
    نفس الشيئ نجده بمصر بنفس الفترة وبنفس الغطاء زمن حسني مبارك . الحزب الواحد ليس بهذه الدول إلا غطاء شكلي للطغمة العسكرية الحاكمة .
    ظاهرة إستعمال العنف لتمرير الفساد واستيلاء أشخاص مقربون على إقتصاد البلد هي ظاهرة عالمية أيضا ، رأيناها بالتشيلي زمن بنوشي أو روسيا السين وبعده بوتين.
    في الفساد الأكبر السياسة هي من تعطي وتأخذ وليس التطور الطبيعى للحركة الإقتصادية.
    العنف إذا هو الوسيلة عند هذه الأنظمة لتحقيق الأرباح والاستيلاء على المقدرات بدون معارضة تحت شعار الحرب على الإرهاب الإسلامي بالدول الإسلامية أو الشيوعية بالتشيلي أو الفاشية بروسيا.
    أسماء مثل عبد المؤمن خليفة وأحمد عز ورامي مخلوف هي فقط الشجرة التي نراها وتحجب غابة الفساد.
    لا تستطيع هذه الأنظمة حتى بالدول الغنية السير نحو انفتاح اقتصادي كما حدث بكوريا الجنوبية أو سنغافورة بسبب انها وضعت نفسها بقفص فولاذي منذ البدء، فالانفتاح على المجتمع المدني يعني زوالها ومحاكمتها بعد حين. ألا أن خيارها الآخر بالانغلاق والتقوقع يفتح الباب أمام الانقلابات داخل الطغمة العسكرية نفسها، هي اذا دائما بين نارين.

    دولة اللامؤسسات
    السمة الأخيرة للدولة العربية هي سمة جامعة تفسر ما سبق ذكره. هزال النظام المؤسساتي العربي هو سبب ونتيجة لغياب الدولة بعد سيطرة الطغم الحاكمة أو الأحزاب عليها وتجيرها لصالحهم.
    مفهوم الدولة حسب النظرية المؤسسة لها للفيلسوف الفرنسي مونتيسكيو في كتابه روح القوانين عام 1748 هي حماية المواطن من الانفراد بالسلطة والابتعاد عن العنف الطبيعي الذي كان سائدا بمفهوم الكل ضد الكل الى تقنين العلاقات داخل المجتمع لصالح الجميع. لذلك وضع مونيتسكيو مبدأ دولة المؤسسات والفصل التام بين السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية.
    نرى أن المشكلة العربية هي في غياب الفصل بين السلطات، فالتشريع والقضاء وكل مظاهر الدولة هي تحت تصرف السلطة التنفيذية، كذلك تجير وسائل الدولة والمجتمع مثل الصحافة والديبلوماسية والجيش والبوليس والمحاكم لتنفيذ رغباتها.
    القانون بالدولة الديمقراطية المؤسساتية يعاقب الفاسد بينما نفس القانون بالدولة الديكتاتورية يحميه.
    ضعف دولة المؤسسات يؤدي أيضا الى توغل الأحزاب وسيطرتهم عليها والخلط بين الدولة والسلطة لصالح الاخيرة، وهذا ما نراه مع الزعماء الأقوياء الذين ينقلون مؤسسة ومركز السلطة معهم عندما يغيرون منصبهم، هذا ما حدث بروسيا بلعبة الكراسي الموسيقية بين بوتين ومدفيدف وأيضا مع اوردجان بتركيا حسب موقعة في زمنه بين سلطة رئيس الوزراء وسلطة الرئيس. يحدث العكس بالضبط بدول المؤسسات القوية ، فقد تعزل المؤسسة عند الحاجة الرئيس وتحاكمه كما رأينا منذ أشهر بالبرازيل أو كوريا الجنوبية.
    وقد حدى تسلط الأحزاب على السلطة حتى بدوله عريقة بالديمقراطية كفرنسا الرئيس الأسبق شارل ديجول لإرساء الجمهورية الخامسة لإنهاء ما كان يسمى زمنه حكم الأحزاب عام 1958.
    الدولة العربية تفتقر للحد الأدنى من استقلالية المؤسسات وهذا مرتبط ببنية هذه الدولة منذ الاستقلال حيث حكم الطغمة واستئثارها بالسلطة لا يتوافق مع وجود مؤسسات مستقلة تعمل وتراقب السلطة.
    وخلاصة القول أن تطور وتوسع الطبقة الوسطى بالمجتمعات العربية وانفتاحها على العالم لا يتناسب مع تقوقع الأنظمة وتمترسها، خصوصا مع ازدياد رفض الشعوب للفساد والتغييب بكل القارات كما رأينا حديثا بانتخابات المكسيك.
    الانفتاح على المجتمع المدني هو بنظري أنجع الوسائل لأبعاد خطر العنف والدمار الذي نراه بدول عربية عدة ، وهو أيضا وسيلتنا لبناء السلم الإجتماعي والبدء بعملية ترميم المهدم وبناء مستقبل الأمة.