لمن الأولوية للحقوق الوطنية أم للحقوق المدنية؟

 

لمن الأولوية للحقوق الوطنية أم للحقوق المدنية؟

د. نزار بدران

عندما يصل الفلسطيني حامل الجنسية الغربية إلى فلسطين المُحتلة، يُطلب منه تفسير سبب قدومه، وضرورة تركه لإسرائيل في مدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر. أما الفلسطيني حامل وثيقة السفر، لا يحق له أصلاً الوصول إلى هذه الحدود، أو طلب أي شيء.

عندما يصل الفرنسي اليهودي فلسطين المحتلة، يُمنح “الحق الإلهي” بالبقاء كامل عمره.

عندما يطلب اللاجئ الفلسطيني المُهجر من اليرموك، العودة إلى وطنه، يُطلب منه الذهاب للبحر، للموت غرقاً، إن لم يمت قصفاً وجوعاً، ووطنه على مرمى حجر.

عندما يُطالب اللاجئ الفلسطيني المُهجر من لبنان، بالعمل أو التملك، وهو المولود بمخيمات الشتات، يُعلن الكثير من اللبنانيبن، أنهم خائفون من التوطين، وعلى مستقبل القضية الفلسطينية، وعليه أن يعود إلى وطنه، وفي انتظار ذلك، يُحرم من كافة حقوقه المدنية حماية لحقوقه الوطنية، وهذا منطق عجيب.

عندما تختلف دولتان عربيتان، يُطلب من الفلسطيني أن يُغادر فوراً أراضيهما، كما حصل في الكويت والعراق، وعندما يريد المصريون الحصول على وُد إسرائيل، يتبرعون بحصار غزة وخنقها، كذلك الأمر عندما تتحسن العلاقات التركية الإسرائيلية، يُطلب من الفلسطيني مباركة هذا التقارب ودعمه، والفلسطيني هو العربي الوحيد الذي يحتاج إلى تأشيرة دخول عند ذهابه إلى تركيا.

عندما تصول وتجول الجيوش الإيرانية بسوريا، يُطلب من الفلسطيني أن يُبرر ذلك، وإلا يخسر أي دعم من محور المقاومة والممانعة، مع أنها تقصف مخيماته وتشرده من جديد.

الكل يضطهد الفلسطيني، تحت شعار حب فلسطين والدفاع عنها، وبنفس الوقت يطلب الغطاء الشرعي لعمله، عن طريق رضاء الفلسطيني عنه.

لائحة حقوق الإنسان للعام 1948، الصادرة عن الأمم المتحدة، تنص على حق كل إنسان بالعودة إلى وطنه والعيش بحرية واحترام حقوقه، هذه الشعارات ليست قابلة للنقاش والمتاجرة، لذلك وجب وضعها كأولوية مطلقة، فانتهاكها هو انتهاك للمواثيق الدولية، والتنازل عنها، غير مقبول، ويتناقض أيضاً مع تلك المواثيق. هذه ليست مطالب وإنما حقوق واجبة.

يجب على حقوقيينا وأحزابنا وساستنا، أن يتعاملوا معها كما هي بالقانون الدولي، وليس كمادة للنقاش والأخذ والعطاء، كما نرى هذه الأيام، إزاء مشاريع حل القضية الفلسطينية، على حساب اللاجئ الفلسطيني، المهجر المظلوم والمحروم، من أقل حقوقه المدنية، لصالح النقاء العرقي لإسرائيل أو الطائفي للبنان أو التعصب والعنصرية في بعض البلدان، وهي سياسات مُحرمة دولياً، وغير قابلة للدفاع عنها.

إنه لمن غير المقبول أن يتنازل عن حقه كإنسان، بحجة الحصول على دولة أو كيان سياسي، فنحن نرى دولاً وكيانات ذات عواصم، يُدمر بها الإنسان ويُقصف ويُقتل ويُحرم من حقوقه، كما هو الحال في العديد من الدول العربية والإسلامية.

متى سيعرف الناس، أن الحصول على حقوقهم المدنية كبشر، والمؤكدة بالمواثيق الدولية ولائحة حقوق الإنسان، والتي وقعت عليها كل الدول، بما فيها لبنان وإسرائيل، هي بداية لتحرير الوطن، وليس نهاية له. فالوطن لا يُحرر بحرمان المواطن، ولا يُبنى على نهب حقوقه بالعيش الكريم، والصحة والتعلم والسفر والذهاب والإياب، ولن نحرر وطناً بجيش من العبيد.

الدفاع عن الإنسان، الكامن في كل فلسطيني وعربي، وحقوق الفرد الأساسية، يجب أن يكون أساس أي عمل سياسي أو اجتماعي، ولا يمكن بناء سياسات وأحزاب بدون هذا الأساس المُؤسس لكل شيء. لا تُبنى الحضارة إلا على القيم، واساس الحكم هو العدل، ولا يمكن بناء الحق على الظلم، وكما قال ابن رشد، أكبر فلاسفة المسلمين (الحق واحد لا يتجزأ).

 

مصادر شرعية السلطة بين الأمس واليوم

 

مصادر شرعية السلطة بين الأمس واليوم

نزار بدران

 

تغيرت مصادر الشرعية للسلطة على مر الزمن، وما زالت أشكالها تتعايش حتى اللحظة بين القديم والحديث، وهو ما يُميز الدول عن بعضها البعض، بالنسبة لمفهوم العلاقة بين السلطة والشعب المحكوم.

يمكن اعتبار المفكر والعلامة الإسلامي، ابن خلدون (1332-1406)، مؤسس علم الاجتماع، أول من وصف هذه العلاقة، عندما درس تاريخ الدول والإمبراطوريات، بما فيها الدولة الإسلامية، واستنتج أن المُستولي على الحكم، هو بالأساس غريب عن الشعب أو الشعوب المحكومة، ويظهر ذلك حتى من لغته، وفي بعض الأحيان من لون جلده، كما كان ذلك زمن المماليك، الذين حكموا مصر ووصلوا بلاد الشام وشمال افريقيا والشرق الادنى ( 1250 – 1517).

منذ وُجدت السلطات والدول، وحتى القرن الثامن عشر، كان يمكن التمييز بين نوعين من الشرعية، الأولى هي “الشرعية الغيبية” المستندة بشكل عام إلى الدين أو المُعتقدات الدينية، والثانية هي “شرعية القوة”، استنادا إلى أصحاب السلاح والعصبية، كما يقول ابن خلدون، الذين يحكمون الجمهور المُسالم غير المُسلح، والعامل المُنتج، والفلاحين ومجموع الموظفين والعاملين في القطاع العام والخاص، حيث يجري التعامل معهم كقطيع ضريبي ليس إلا.

الثروة في تلك الأزمان، كانت هي الإنسان أساساً، فالمناطق العديدة التي تكتظ بالسكان، مثل بلاد ما بين النهرين ومصر، كانت محط أطماع كافة العصبيات والسلطات الناشئة، من سَيطر عليها بُنيت حضارته، ومن يفقدها يفقد مصدر ثروته وغناه. فُقدان الإمبراطورية الرومانية لمنطقة الشرق، يُعتبر أحد أسباب انهيارها، ووصول الفتوحات الإسلامية لتلك المناطق، هو أحد أسباب عظمتها، وفُقدانها فيما بعد أدى إلى انهيارها.

قد تتعايش شرعية السلطة الدينية مع شرعية سلطة القوة، وفي كثير من الأحيان تختلطان وتمتزجان سوية، كما حدث عندما كان خليفة بغداد يملك ولا يحكم، والسلطة الحقيقية بيد أحد السلاطين السلاجقة (الدولة السلجوقية ما بين 1037-1157) أو غيرهم. القاسم العام لهذه الفترة الطويلة، هو غياب أي مصدر للشرعية استنادا إلى الناس المحكومين، الذين لم يكن يُنظر إليهم إلا كوسيلة إنتاج بشكل أساسي.

كانت هذه الوضعية مُسيطرة على العالم أجمع، من الصين إلى أوروبا، مروراً بالدولة الإسلامية. نظرية ابن خلدون المعروضة بمؤلفه الشهير “مقدمة ابن خلدون”، والتي قدمت لكتابه “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر” لعام 1377، كانت نظرية صحيحة وتحليل صائب لهذه الأوضاع. الاطلاع على هذا الفكر المبدع في القرن الرابع عشر، وجب أن يكون وفق مناهج كل الراغبين بالتعلم والتعليم.

استمر تحليل ابن خلدون صائباً بشكل عام، في توصيف الامم حتى بداية العصر الحديث، والذي بدأ مع نهوض الحضارة الغربية، وبدء الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر ببريطانيا أولاُ، حيث اسست لها الثورة ألعلمية، ثم الثورة الاجتماعية والسياسية التي تبعتها في فرنسا. انتقل بعدها العنصر المؤسس للإنتاج، أي مصدر الحضارة والغنى، من الإنسان وحده إلى الإنسان صاحب الآلة المُنتجة، والتي أدت إلى مضاعفة هذا الإنتاج عدة مرات، وبذا أصبحت الآلة والمواد الخام المُشغلة لها، هي مصدر الثروة والغنى والحضارة، وهو ما نقل مركز ثقل العالم من الصين والشرق الإسلامي إلى أوروبا.

تزامن ذلك مع انتقال الشرعية، من المصادر الدينية أو العصبيات المسلحة (الفاتيكان أو الملوك والإقطاعيين) إلى الشعب ممثلاً بالثورة الفرنسية، والتي كانت رائدة وطليعة بناء دولة المواطنة وحقوق الإنسان، واضعة اللوائح المُؤسسة لها. لينتشر هذا النظام فيما بعد بكل أوروبا، وأصبح هو الشكل الثالث الجديد لشرعية السلطة.

تزامن نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مع انتقال الحضارة ومعاييرها من الشرق الأقصى (الصين) والأدنى (المنطقة الإسلامية) إلى أوروبا، بمفهوم بناء دول تستمد شرعيتها من شعوبها، عن طريق الانتخابات، وتعيد ترتيب علاقاتها الاجتماعية على اساس الحرية الفردية. هذا النظام الجديد كان محط أنظار المفكرين المسلمين، ومسؤولي الدولة العثمانية، وهو ما ساهم بوضع قوانين مدنية في نهاياتها، خصوصاً زمن السلطان عبد الحميد الثاني. كذلك كان ذلك مصدر تفكير، لإصلاحيين إسلاميين مشهورين، أمثال الشيخ محمد عبدو والشيخ جمال الدين الأفغاني، اللذان اختارا باريس لإصدار صحيفتهما الإصلاحية “العروة الوثقى”. كذلك إصلاحيون آخرون، خصوصاً في شمال أفريقيا، أمثال الوزير خير الدين (أول دستور لدولة مسلمة وُضع بتونس عام 1861). والنقاشات التي كانت دائرة بباريس بنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت تُنقل أيضاً إلى مصر والشرق العربي، عن طريق الشيخين عبدو والأفغاني وتلاميذهما، وكان النقاش أيضاً محتدماً، كما بفرنسا، بين المدافعين عن العلمانية والفصل بين الدين والدولة، والداعين لنظام إسلامي حداثي يتفق مع العصر.

أنتهى كل ذلك، بعد وفاة الشيخ محمد عبدو في عام 1905، وبدء الحملات الاستعمارية الغربية، الفرنسية والبريطانية، على مصر وشمال أفريقيا وغيرها. هذه الحملات التي كانت تهدف للحصول على مصادر المواد الخام، الضرورية لتشغيل آلات الدول الصناعية الناشئة بأوروبا. هذه كانت سمة العصر، حيث لم تعد السيطرة على مصادر الكثافة السكانية، هو هدف الحروب وإنشاء الإمبراطوريات، وإنما السيطرة على مصادر الثروات الطبيعية وتأمين طرق وصولها إلى أوروبا.

التأثر بالحداثة الأوروبية، والحضارة الجديدة التي قامت على احترام حق المواطن، وأولويته كمصدر للشرعية، بدل القوة العصبية أو الدين، انتهت مع الحملة الغربية، والتي أدت إلى تأجيج الحراك الوطني التحرري ضد ألاستعمار، وتأكيد المعايير الدينية لتثبيت الهوية الإسلامية أولاً، ثم المعايير القومية لتأكيد عروبة الشعوب في مرحلة لاحقة.

لم يعد بالإمكان في ظل هذا التناقض العنيف مع الغرب، أن يسمع أي صوت لنشأة دولة جديدة مبنية على المبادئ التي حملتها الثورة الفرنسية والغرب عامة، وهذا ما أنهى أي فكر حداثي او إصلاحي من قبيل ما كانت تنشره صحيفة “العروة الوثقى”، وأدخلنا فيما بعد إلى زمن الديكتاتوريات العسكرية القومية المُعلنة عدائها لكل ما هو غربي، بما في ذلك مفهوم الحرية الاجتماعية.

وضعنا الحالي، هو نتاج الماضي، كما حلله ابن خلدون، وشرعية حكامنا ما زالت تأخذ إما بمبدأ “الشرعية الغيبية” المستند مباشرة إلى النصوص الدينية (إيران، السعودية، المغرب…..الخ) أو شرعية العصبيات والعسكر، كما هو الحال في مصر أو سوريا. الشرعية التي مصدرها الشعب تكاد لا توجد، وإن وُجدت يُقضى عليها أو يحاول الآخرون إنهاءها، حتى لا تصبح مثالاً. قد تُستبدل شرعية المواطنة في بعض المناطق، بشرعية القبيلة أو العائلة أو الطائفة، وهي بالحقيقة عودة إلى “الشرعية الدينية” ومشتقاتها.

الآن وقد دحرت الدول الوطنية الاستعمار، الذي خرج من مصر وسوريا والعراق والجزائر وباقي الدول العربية (باستثناء فلسطين)، لم يعد بالإمكان الاستمرار، بالدفاع عن النظام الذي وصفه ابن خلدون قبل ستة قرون، وعدم اللحاق بموكب الأنظمة السياسية الحديثة التي حلت محلها منذ حوالي قرنين, والتي هي الوسيلة الوحيدة للحصول على الحرية والتقدم الاجتماعي والاقتصادي.

هزيمة اليابان بالحرب العالمية الثانية، وقصفها من طرف أمريكا بقنبلتين ذريتين، لم يمنعها بعد ذلك من إنهاء حكم الامبراطور، والانتقال إلى الحكم الديمقراطي، مع أنه كان نظام عدوها اللدود. وانهيار حكم بينوشيه بتشيلي، الذي جاء بانقلاب عسكري مدعوما من الغرب وتحديدا الولايات المتحدة، والشركات المتعددة الجنسية، لم يمنع هذه الدولة من اعتماد النظام الديمقراطي، وشرعية الشعب بدل شرعية العسكر، كذلك الأمر بالبرازيل والأرجنتين وجنوب أفريقيا الحرة، بعد أن هزم مانديلا نظام التمييز العنصري الغربي.

في بلادنا الآن، لا يفيدنا بشيء الاستمرار برفع راية العداء للغرب كأولوية مطلقة، بينما مئات الآلاف يهربون ويموتون من أجل الوصول إلى أوروبا، وإنما الذهاب نحو الاستناد للشرعية القادمة من الشعب، بدل تلك القادمة من الغيب والعسكر، والعمل لتغيير أوضاعنا وعدم القبول بمصادرة حرياتنا العامة والخاصة وحقوقنا، تحت رايات مزيفة من العداء للغرب والاستعمار ورفع رايات الممانعة، على ما هو حال النظامين الحاكمين في كل من إيران وسوريا.

إن البدء بترتيب الأولويات في النظر إلى التناقضات، لصالح البدء بالبيت العربي الداخلي، هي أساس لحاقنا بالعالم الجديد ودخولنا فيه، وإلا فسنبقى وحدنا نبكي حظنا العاثر، ونعيش في كنف نظرية ابن خلدون التي عفا عليها الزمن.

ما يضيرنا وما لا يضيرنا في مسألة الجزر

 

ما يضيرنا وما لا يضيرنا في مسألة الجزر

نزار بدران

تخلت مصر، قبل أيام، عن جزء من جزرها بالبحر الأحمر، للمملكة العربية السعودية، هذا لا يُضيرنا، لو كان هناك مشروع عربي وحدوي، يمحي الحدود التي لا فائدة منها لأحد، ويجعل ملكية الأرض العربية لكل سكانها، مهما ابتعدت أقطارهم وتناثرت مدنهم.

هذا لا يضيرنا، لو كان هناك حكم ديمقراطي سعودي وآخر مصري، يبحثان عن سعادة شعبيهما ورفاهيتهما، ويربطان بلدهما بالجسور، ويُستثمر المال العربي السعودي، لإعمار ونهضة شعب مصر، وقُدرات هذا الأخير لإعمار السعودية ورفاهية سكانها.

هذا لم يكن ليُضيرنا، لو اختار سكان هذه الجزر، أو أي أرض أخرى، الانضمام للكيان السعودي، بعد استشارة الشعب المصري قاطبة. هذا لم يكن ليُضيرنا، لو صدق البرلمان المصري المُنتخب بحرية من شعبه، والبرلمان السعودي المُنتخب الحر، على هذه الاتفاقية، أو لو اُستُفتي الشعبان على ذلك.

هذا لا يُضيرنا، لو كان هناك خلاف سعودي مصري على هذه الجزر، حُل بالتوافق والتنازل المُتبادل، ولكن هذه الجزر لم تكن محل أي خلاف.

ولكن للأسف، هذه الحالة هي فقط، عملية تجارية بحتة، يبيع بها النظام المصري، جزءا من الأرض من أجل حفنة من الدولارات السعودية، حتى يُسمن بها الفاسدون والمُفسدون، ومن حكم مصر بالحديد والنار، منذ انقلاب 2013، هو الذي لا يملك إلا سيادة جزئية على سيناء، ويتجاوب مع طلب إسرائيل، كما قال وزير حربها حديثاً، موشيه يعالون، بوجوب عدم إمكانية إعادة تجربة عبد الناصر، الذي أغلق بواسطة هذه الجزر، مضيق العقبة أمام السفن الإسرائيلية، قُبيل حرب 1967.

نقل السيادة، والتي تعتبرها الدول ذات قُدسية، تُخاض من أجل حمايتها الحروب، ويستشهد الشباب، حتى لحماية متر مربع واحد منها. ليس في بال اهتمام أنظمة الحكم الاستبدادية، بكل بقاع الوطن العربي، هذه الأنظمة ليست فقط، استثناء بالعالم، السائر بكل بقاعه نحو الديمقراطية والحرية، هي ليست فقط سارقة لثروات الوطن، ولكنها أيضاً خطر على وجوده المادي. فجنوب السودان ذهب بلا عودة، وقد يتكرر ذلك في دارفور بغرب البلاد. بعد أن عرفنا خلال الثلاثينيات من القرن الماضي، بلاد وادي النيل الموحد (مصر والسودان).

النظام السوري وتجزئته لسوريا، الجارية على قدم وساق، وإدخاله جيوش روسيا وأيران، مع مطامعهما الإقليمية. جزر الخليج العربي، طُنب الصغرى والكبرى وأبو موسى، والتي لم تعد جزء من الجغرافيا العربية. سبتة ومليلية المغربيتين، لم يعد يطالب بهما أحد، ولا ننسى فلسطين، التي لم تعد تمثل بالنسبة للسياسة العربية، إلا أقل من عشرة بالمئة، من تراب فلسطين التاريخي، والاعتراف بإسرائيل على معظم ترابها.

الحراك العربي الديمقراطي، وعودة السلطة إلى الشعب، والذي هو هدف الربيع العربي، لن يكون فقط لحماية المواطن، من الإهمال والاستبداد وإعادة حقوقه الشخصية والإنسانية، ولكن أيضاً لحماية الوطن من التمزق والبيع، في أسواق مافيات سلطات الاستبداد بأبخس الأثمان.

من نكبة فلسطين إلى نكسة الجيوش العربية ونكشة إسرائيل!

 

من نكبة فلسطين إلى نكسة الجيوش العربية

ونكشة إسرائيل!

د. نزار بدران

     تحل في الخامس من حزيران كل عام، ذكرى هزيمة الجيوش العربية في حرب العام 1967، قبلها هيمن على الأمة الفكر القومي الناصري، والذي كان أبعد ما يكون عن الممارسة الديمقراطية، وغيب تماماً الشعب عن السلطة، وارتهن للشرعية الثورية والعسكر. تسمية الإعلام الرسمي لهزيمة الجيش الساحقة خلال ستة أيام بالنكسة، إنما هي وسيلة لإعطاء الانطباع بأنها وعكة عابرة، سيعود بعدها الجيش سريعاً لعافيته لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر.

  دخلنا بعد ذلك زمناً جديداً هو زمن الانطواء على الذات؛ (الجمهورية العربية المتحدة) أصبحت (جمهورية مصر العربية)، وأسس هذا الانطواء لديكتاتوريات عسكرية لا هدف لها إلا البقاء بالسلطة، وابتعدنا شيئاً فشيئا عن “لاءات الخرطوم” الثلاثة. وقام حافظ الأسد وزير دفاع هزيمة 67، بتتويج هزيمته بالانتقال إلى سدة الرئاسة، والسيطرة على كل مؤسسات الدولة بدل الاستقالة.

  حرب 73 لم تكن إلا “نكشة” للجيش الإسرائيلي، والتي حققت أهدافها بالثأر والانتقام من حرب 67، فشكلت العذر للحكومات العربية لقبول شروط الهزيمة التاريخية، أي الاعتراف والسلام مع العدو من دون مقابل، إلا إذا اعتبرنا عودة سيناء من دون استعادة مصر لسيادتها، وشراء نفطها وغازها بسعر بخس، أو عودة القنيطرة مُدمرة لسوريا؛ مقابل التزام الجيش السوري بحماية حدود إسرائيل الشمالية، وإخراج الثورة الفلسطينية من لبنان، إلا إذا اعتبرنا كل ذلك انتصاراً.

 هذه الحرب (أكتوبر 73) التي تفرغت بعدها الأنظمة بشكل كامل، لقمع شعوبها ونهب ثروات أوطانها وعرق أبنائها، باتت في حل من الشعب والقضية الفلسطينية، التي أُوكلت تماماً لمنظمة التحرير الفلسطينية (مؤتمر القمة بالرباط 1974).

  بعد حرب 73 دخلنا حروب الجيوش العربية ضد شعوبها وجيرانها: سوريا بلبنان، تدمير حماة 1982 وطرد الفلسطينيين من لبنان، إدخال العراق حرب العشر سنوات ضد إيران، والتي أدت لمقتل مئات الآلاف، واجتياح النظام العراقي للكويت في آب/أغسطس من عام 1990، وقمع كل حراك وطني عربي أو كردي، وفتح الطريق للغزو الأمريكي. كذلك قمع السادات للحراك الإصلاحي المصري، وانتقال القذافي من كونه ملازماً إلى “مفكر عالمي” يُكدس المليارات بالبنوك الأجنبية.

  الواقع يُظهر لنا أن نكبة الشعب الفلسطيني في العام 1948 بقيام دولة إسرائيل، وبعدها هزيمة العام 1967، لم يحرك كما كان متوقعاً، همة الأمة للدفاع عن أقدس أراضيها وأكثرها قرباً لقلوب شعوبها، وإنما لفك الارتباط التدريجي مع هذه الأرض، والعمل الدؤوب لترسيخ مفهوم التجزئة كواقع دائم، ومفهوم الاستبداد كوسيلة مُثلى للحكم.

  السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو أين هو الطرف الآخر، أي الحراك الوطني الغيور على وحدة الأمة والدفاع عن مقدساتها، الداعي إلى احترام حقوق المواطن في حياة كريمة، وأحقية الشعب باختيار من يحكمه. القبول بدون رد فعل يُذكر بهذه الأنظمة الاستبدادية وبالتجزئة، لم يحم البلدان العربية من التفتت وظهور الطائفية والتقاتل الداخلي؛ عشرون عاماً من الحرب الأهلية اللبنانية، وسنوات طويلة من الخلاف الجزائري المغربي على الصحراء الغربية وانقسام السودان إلى دولتين.

  وحده الربيع العربي المُنطلق من تونس بنهاية 2010، كان الشعلة الأولى لعودة الشعوب كي تقرر مصائرها بنفسها، لهذا تُحارب بعنف مُفرط وبكل الوسائل ومع مئات آلاف القتلى في سوريا واليمن ومصر وليبيا. الشعب المُطالب بحريته ليس هو سبب العنف، بل السلطات الاستبدادية التي تُمسك برقابه، وتدفع نحو التطرف والحروب الداخلية، لتبرير وجودها كحامية للأوطان والأقليات. نحن نرى تكالب وتحالف دول عربية عدة ضد قوى الربيع العربي الهشة، رغم أننا عشنا معها قبل بدء هذا الربيع عشرات السنوات من الخلافات.

  نكبة فلسطين في العام 1948، سمحت ببدء إيجاد الحكومات القومية غير الديمقراطية، وأنهت إرهاصات تجارب ديمقراطية خلال سنوات الأربعينات (مصر والسودان). هزيمة العام 1967 أنهت هذا الفكر القومي لصالح التجزئة المُستدامة، والإنكفاء على الذات، ونكشة العام 1973 إلى دخول دولنا عالم القمع المُمنهج، واستغلال السلطة لهيمنة مافيات فئوية قليلة على خيرات الأمة، واستبدال العداء لإسرائيل بالعداء للقضية الفلسطينية (تدخل سوريا في لبنان لطرد الثورة الفلسطينية، حصار تل الزعتر في العام 1976….الخ).

على شباب الأمة الواعي المُتحمس للتغيير، العمل على توحيد صفوفه، والانطلاق من قيم إنسانية، بأحقية الإنسان العربي الطبيعية بالحرية والكرامة، وتحقيق وسائل عيشه، والاستحواذ على نتائج عمله وعرق جبينه، واستغلال موارده الطبيعية لصالح تطوره وبناء أوطانه. إن النضال في إطار هذه القيم الإنسانية المُتفق عليها بين كافة شعوب الأرض، هو الذي يجب أن يساهم في تغيير الاتجاه الحالي السائر بنا من نكبة إلى نكبة، ومن تجزئة إلى فتفتة، ومن مرض إلى موت، ومن فقر إلى الغرق طلباً للهجرة في مياه البحر المتوسط.

 

# بدنا نروح الضفة # بدنا نروح غزة

# بدنا نروح الضفة # بدنا نروح غزة د.نزار بدران

تعم حاليا شبكات التواصل االجتماعي حملة شبابية فلسطينية مطالبة بحرية الحركة والتنقل للمواطنين بين أجزاء الوطن الواحد شعاراتها )# بدنا نروح الضفة، # بدنا نروح غزة(، وشعارات مشابهة أخرى. على الرغم من بساطة هذه الشعارات اال انها تعبر حقا عن تغيير عميق في فهم النضال الوطني الفلسطيني وربطه بالقيم االنسانية لهذا الزمن. حق االنسان بالتنقل والسفر الى أي مكان والعودة الى وطنه متى شاء، هو حق مؤسس لقانون حقوق االنسان لألمم المتحدة، فما بالك بحق االنسان بالتنقل داخل وطنه نفسه. منذ سنوات عديدة خصوصا منذ بداية هذا القرن ومع انتهاء مرحلة التحرر الوطني للعديد من الشعوب بالعالم ودخولها الى عالم الديكتاتوريات في اغلب األحيان كدولنا العربية، او الى عالم الرأسمالية المنتصرة في مناطق أخرى، دخلنا الى مفهوم أولوية حقوق االنسان وحقوق الفرد على أي اعتبار آخر، هذا ما رأيناه خصوصا مع ربيع الشباب العربي ضد األنظمة الشمولية في مصر وتونس وغيرهما، المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة، ظهر بعد ذلك في دول أخرى ديمقراطية ضد توحش الرأسمالية كإسبانيا كحركة )المستائين _البوديموس( التي حققت انتصارات في االنتخابات االقليمية والمحلية قبل بضعة أيام وحركة “احتل وول ستريت”، وغيرها. ان نضع مفهومنا لحقوقنا الوطنية من منطلق حقوق االنسان هو برأيي بداية رائعة لتموضع جديد للحركة الوطنية الفلسطينية حتى نستطيع ان تأخذ نفسا وتجمع حولها طاقات جديدة محلية وعربية وعالمية. المطالبة بتحرير فلسطين ثم اختصار ذلك على إقامة دولة فلسطينية على ارضي 76 المحتلة، ثم القبول باقل من ذلك ) اتفاقيات أوسلو(، لم يعد برايي الهدف االسمى الذي يجب ان نستمر بمحورة نضالنا وعملنا من اجله، فقد فشلنا في ذلك منذ اكثر منذ اكثر من سبعة وستين عاما، بينما إعادة ربط حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني بحقوقه اإلنسانية وربط النضال الفلسطيني بالنضال ضد الفصل العنصري كما حدث في جنوب إفريقيا وليس الى تأكيده عن طريق إقامة دويالت جديدة هي اقرب الى جمهوريات الموز الديكتاتورية منه الى مفهوم الحرية، هو اقرب الى استعادة حقنا في فلسطين. لم يطالب نيلسون مانديال بدولة للسود بجانب دولة للبيض، بل رفع شعار ” ون مان ون فوت” أي كل مواطن له نفس الصوت ونفس الثقل لتحديد مصير بلده. الربط بين حقوق المواطنة والحقوق الوطنية وليس االكتفاء فقط بتلك األخيرة كما حدث عندنا، المطالبة امام القانون الدولي والمجتمع المدني العالمي بحق الفلسطيني المقيم بالقدس بالتملك واعتباره مواطنا اصيال وليس مقيما زائرا، حق أبناء الضفة وغزة والقدس وفلسطين المحتلة عام 84 بالتنقل الى أي مكان في موطنهم االم، حقهم في انتخاب ممثليهم وحقهم في التعليم والبناء، حق الالجئ بالعودة الى قريته، كل هذه حقوق مدنية اتفقت عليها شعوب األرض والقانون الدولي والرأي العام العالمي وليست شعارات سياسية وطنية قد تكون مصدر خالف واخذ ورد. وضع هذه الحقوق في قلب مطالبنا الوطنية سيوصلنا ان احسنا استعمالها الى وقفة الرأي العام العالمي والغربي معنا، كما فعل في جنوب افريقيا وسيفضح زيف دولة إسرائيل وسياستها العنصرية ممهدة الطريق لحملة مقاطعة اقتصادية وسياسية فعالة، والتي بدأ تأثيرها يظهر للعيان. فهنيئا لشبابنا وشاباتنا بمبادرتهم التي تستحق منا بكل تأكيد التعريف والدعم.
DOWNLOAD LINK
https://nizarbadran.com/wp-content/uploads/2016/02/d8a8d8afd986d8a7-d986d8b1d988d8ad-d8bad8b2d8a9.pdf 

نصير شمَه وعُود الأمل

نصير شمَه وعُود الأمل

نزار بدران

أحيا العازف العراقي الشهير، نصير شمَه، ومجموعة من الموسيقيين من كل بقاع الأرض، حفلة موسيقية بباريس، كان عُود نصير عِمادُها. أُقيم الحفل بأشهر وأعرق صالة للموسيقى والغناء بباريس، وهي مسرح الأولومبيا، التي غنت على خشبته سيدة الشرق أم كلثوم، في العام 1967. حضر هذا الحفل عدد من أعيان مدينة الأنوار، وعدد غفير من المواطنين ومن أبناء الجالية العربية والمُحبة للموسيقى.

نوعية وعدد الحضور، أظهر بوضوح، شغف الجمهور العربي والفرنسي، بموسيقى العود. إقامة هذا الحفل الكبير، أعاد الحياة إلى الموسيقى العربية، بعد هجمات باريس الإرهابية، قبل أشهر قليلة، والتي حدثت في صالة موسيقية شهيرة ايضاً، هي صالة البتكلان، على بُعد بضعة مئات الأمتار من مسرح الأولومبيا، والذي أودى بحياة ثمانين شخصاً.

جمع نصير شمَه بفرقته قارات العالم، كل على آلته، من البيانو إلى القيثار والطبلة والكمنجة وغيرها، ثمانية أدوات موسيقية وثمانية موسيقيين شهيرين، من أرغواي والبرازيل وتونس وأمريكا وفرنسا وتركيا. أتحفنا نصير بذلك الغزل، الذي أجراه بين العود وكل آلة أخرى على حدة، جامعاً الحزن والفرح، والحب والغيرة، في مكان واحد.

ولمن يعرفون نصير شمَه، وتاريخه الموسيقي الطويل، وما واجهه بحياته من ظُلم، وهو الذي نجا من إعدام مُحقق، زمن صدام حسين، حين كان تقريباً السجين الوحيد الذي لم يقتل، بعد اختطافه من عمان لبغداد، حيث رأى كل رفاقه بالسجن الأربعمئة، يُعدمون الواحد تلو الآخر. رأى أيضاً عنف الحرب الأمريكية، التي تبعت حكم صدام حسين، والحروب الطائفية، هذا لم يمنعه من الاستمرار، بكونه داعية للسلام والموسيقى، والبحث المُستمر، بإبداعية العود الذي اخترعه السومريون، في عام 2350 قبل الميلاد،  في بلاد ما بين النهرين. أعاد نصير لها الحياة بكتابة ألحانه على ذكراها وما تخيله منها، عازفاً بأصابعه الخمسة، كما كان ذلك في زمنهم. وأحيا كذلك موسيقى الفارابي، وعوده ذا الأوتار الثمانية.

نصير شمَه، لا يرى بالعراق إلا الوجه الجميل، وموسيقى العود، التي تسقي العشرة ملايين نخلة بين دجلة والفرات، فهو لا يرى بالطوائف والحروب الطائفية، إلا وسيلة من حكم الاستبداد والظلم للبقاء، ولا يُعبر بشيء عن حقيقة الشعب العراقي بكل أطيافه وألوانه ، الذي يُحب موسيقى عود نصير التي ربطت الماضي بالحاضر والحداثة بالتراث.

نصير شمَه وعُود الأمل DOWNLOAD LINK

الخيار السليم في زمن الخيارات الصعبة

الخيار السليم في زمن الخيارات الصعبة

نزار بدران

يقول إينشتاين، أنه من الأسهل تفجير نواة الذرة من تغيير أحكام مُسبقة عند البعض، هذه الأفكار المُسبقة، هي التي تُحضر لاعتبار الآخر، غريباً عجيباً، يجب التخلص منه، مثال ذلك، العُنصرية المُتفشية في كثير من الدول، والتي تعتبر الأفارقة مثلاً، أقل ذكاءً ومقدرة، حتى ولو وصل باراك أوباما، الإفريقي الأصل، لرئاسة أكبر دولة بالعالم مرتين. فهذا حكم لن يتغير عند هؤلاء، ذوي الأفكار المُسبقة.

في بلادنا تُعتبر المرأة، أقل مقدرة على إدارة الشأن العام، أو تسلم الوزارات والمهام الاستراتيجية، حتى ولو رأينا ما تقوم به أنجيلا ميركل، وما أوصلت إليه ألمانيا، من تقدم اقتصادي وحضاري مذهل، تجاوز كل الدول الأوروبية الأخرى، التي يحكمها رجال. في بلادنا هذا المثل، كما يقول أينشتاين، لن يُقنع أصحاب الأفكار المُسبقة عن المرأة، بتغيير رأيهم، ولا ألف غيره.

الأفكار المُسبقة، وما يردفها من اعتقادات بالحقائق المُطلقة، إذا استشرت في شعب أو أمة، فهي ستؤدي بدون أدنى شك إلى التخلف، والخروج من عالم التحضر، ومن عالمنا كله، هذا العالم الذي يبني نفسه على مفهوم البحث والعلم والمعرفة والتجربة، وليس على حقائق مُطلقة وأفكارٍ موروثةٍ من الآباء وآباء الآباء والأجداد.

تطوير الفكر والذات، بحاجة إذن، إلى التخلص مما ترسب من أفكار وأحكام مسبقة، على الأشياء والأفعال والناس. وكي يتم ذلك، لا توجد إلا وسيلة واحدة، وهي العلم واكتسابه، والاطلاع على ما يقول ويفعل الآخرون، وانفتاح الذهن على كل شيء جديد، وعدم الانغلاق وراء أبواب العادات والتقاليد المُغلقة، منذ قرون.

من ناحية أخرى، يقع كثير من الناس في فخ الاضطرار للاختيار بين المتضادات، وهو ما نلاحظه بشكل مستمر، هذه الأيام بالصحافة والإعلام. فالخلاف بين إيران والسعودية، أو النظام السوري وأطراف المعارضة بالثورة السورية، يدفع البعض بناءً على أحكامه المُسبقة، ضد هذا الطرف أو ذاك، فنحن مع إيران لأسباب مذهبية، أو مع السعودية إن كنا ضد السياسة الإيرانية وطائفية حكامها، فيجد الإنسان نفسه، إما مُدافعاً عن الحكم السعودي أو آيات الله الإيرانيين، مُتناسياً حقه بل واجبه، بأن يكون له موقف مستقل، للاختيار بين الأضداد. هذا ما حدث في القرن الماضي، عندما وقفت دول أوروبا الغربية في وجه النازية، فذلك لم يعن إرتماءها في أحضان الشيوعية، بل استمرت في خياراتها المستقلة وسيلة للحكم الأمثل، بانتهاجها الخيار الديمقراطي.

لنا الحق أن نختار خياراً ثالثاً، بين الاستبداد بالسلطة أو التطرف الديني، انحيازا لخيار الديمقراطية ودولة المواطنة، التي صدحت بها حناجر المتظاهرين بالملايين، في ساحة التحرير وشوارع وعواصم العرب.

الوقوف مع النظام السوري، بحُجة أن بعض أطراف المعارضة السورية، متهمة بالتعاون مع المجموعات المتطرفة الدينية، أو السكوت عن إسرائيل وامريكا، أو اندفاعها نحو العمل المُسلح، بديلا للاحتجاج السلمي، كل هذا، لا يجب أن يدفعنا إلى دعم ديكتاتورية النظام السوري والعمل لإبقائه، الحل هو الخيار الذي حمله أطفال درعا ومئات آلاف المتظاهرين في بداية الثورة، وتغنى بها إبراهيم القاشوش (سوريا بدا حرية)، والداعي للديمقراطية والدولة التعددية، والرافضة للتطرف الديني، والمنتمية للأمة العربية.

الهدف أن نستنير بآراء الآخرين وتجارب الشعوب، والعودة لتاريخنا وتاريخ غيرنا (فالمسلمون لم يختاروا بين الفرس والروم)، حتى نستطيع أن نفكر بأنفسنا ولأنفسنا، وكي لا نقع ضحية الاختيار الاضطراري، بين السيئ والأكثر سوءاً.

كمثال يوضح ذلك ويتفق عليه كل الناس، هو التناقض بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، رفضنا لسياسة التنسيق الأمني، والتعامل من طرف السلطة مع إسرائيل، أو رفضنا لسياسة حماس بقطاع غزة، من طرف الكثيرين، لم يدفعهم لدعم إسرائيل، والوقوف ضد الشعب الفلسطيني. لذلك فرفض البعض، لأطراف بالمعارضة السورية، أساءت للثورة من خلال مواقف دينية متطرفة، قادمة من العصور الوسطى، لا يجب أن يدفع باتجاه رفض مطالب الشعب السوري بالحرية والديمقراطية، وحقه بالثورة على الظلم، بل على العكس، يجب العمل لدعم الأطراف التي تقف مع الديمقراطية والتعددية، حتى لو كانت أقلية. فالوقوف مع الحق هو الأصل، حتى ولو كان هذا الحق ضعيفاً، ليس له سند من الدول الكبرى، أو دول المنطقة المؤثرة.

نحن نستطيع إذاً، أن نكون مع الشعب السوري بثورته ضد الظلم، وبنفس الوقت ضد القوى الدافعة لتأسيس نظام ديني متعصب أو ما يسمى 2″دولة الخلافة”. إن لم نفعل ذلك، فماذا سنقول للأطفال الجوعى بمضايا وغيرها، ولملايين المُهجرين والغارقين بالبحر؟.

من واجبنا إذن، أن نفكر دائماً، قبل الانصياع للمعادلات التي تُفرض علينا؛ النظام المُجرم أو المعارضة المُتخلفة؛ إيران آيات الله أو الحكم السعودي، وهذا ما نفعله تلقائياً، بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية او حماس، حيث لا أحد يختار إسرائيل، وينسى عذابات الشعب الفلسطيني ولاجئيه.

لا يمكن للكوليرا أو الطاعون، أن يكون خياراً مقبولاً من أي عاقل، بل الصحة والعافية فقط، هي الهدف، مهما كانت الكوليرا فتاكة وسريعة الانتشار، ومهما كان الطاعون رهيباً، ترتجف من خوفه الأبدان، ومهما تكن استعادة الصحة والعافية، صعبةً ومُكلفةً في كثير من الأحيان.

الخيار السليم في زمن الخيارات الصعبة DOWNLOAD LINK

الإرهاب في إيران كسلطة مطلقة

 

الإرهاب في إيران كسلطة مطلقة

نزار بدران

قامت السلطات الإيرانية، بحسب تصريحات رسمية، لنائبة الرئيس الإيراني لشؤون المرأة والعائلة، السيدة شهيندخت مولاوردي، بإعدام كل الرجال في قرية سكانها من أصول بلوشية، وذلك بتهمة المُتاجرة بالمخدرات. هذه المناطق الفقيرة المُهمشة، التي لا يجد أهلها ما يعينهم على العيش، في أغلب الأحيان، إلا تجارة المخدرات، كما يحدث ذلك في كثير من الدول، من آسيا وأمريكا اللاتينية، وشمال أفريقيا واليمن وحتى سيناء وغيرها. فهل قتل الناس، بدون تمييز ومحاكمات صورية، وترك الأطفال أيتاما، والنساء أراملا، هو ما يحل مشكلة الفقر وتجارة المخدرات؟.

قتل المواطنين بالجملة، هو في الحقيقة، العقاب الوحيد الموجود في دساتير دول الإرهاب، كما هو موجود في المجموعات الإرهابية، مثل “داعش”، فهي لا تُعرف المواطن، إلا كعبد للسلطة، يُؤمر ويُنِفذ، وإلا فعقوبته الإعدام. الاحتجاج على السلطة، أو طلب الإصلاح، جريمة يُعاقب عليها داخل إيران، بالإعدام، ويُعلق الناس على أعمدة الكهرباء والرافعات.

الدول الفاقدة الإنسانية، هي التي تستمد سلطاتها ونفوذها وقوتها، وما تتصوره شرعيتها، من مصادر غير الشعب، فهي إما من عند الله مباشرة، ككثير من الملوك ومُدعي الإمامة والخلافة، أو من قوة الجيش والعسكر، والمليشيات المُسلحة، والأمثلة في بلادنا كثيرة.

النموذج الإيراني للتعامل مع مطالب الناس، ينطبق على النموذج السوري والمصري وغيرهم كُثر. الشعب يُعتبر في هذه الدول، العائق الرئيس أمام السلطة، لأنه بمطالبه يفضح، عمليات النهب الجارية لثروات الوطن أو لجهد الفقراء. لا وجود للقانون فيها، إلا لحماية السلطة من الشعب، المواطن يُعتبر مُتملقاً إن سكت، ومُزعجاً للأمن العام إن احتج أو طالب بحق من حقوقه.

في هذه الدول، كلما تعددت مصادر ثرواتها، وزاد دخلها، كلما زاد حِنق السلطة على الناس، الذين يُطالبون بحصتهم من الثروة، وهذا ما سنراه برأيي قريباً في إيران، بعد رفع العقوبات، فمن يتصور أن هذا سيصب في مصلحة الشعب الإيراني مُخطىء، لأن سلطة آيات الله قد تشتري جزئياً السلم الاجتماعي، ببعض الدعم لهذا القطاع أو ذاك، لكن مُعظم الثروة والأموال المُستعادة، ستذهب لتمويل حروب لا طائل منها، وحرس ثوري، يزداد شراسة لقمع الناس. أما الإصلاحيون الإيرانيون، فهم الأبناء الشرعيون للمحافظين المستبدين، ولن يُسمح لهم، بالتحرك والمناورة إلا بمقدار ما سيُجملون الوجه القبيح لهؤلاء المحافظين.

وحده حراك الشعب الإيراني، للمطالبة بديمقراطية حقيقية، ودولة منفتحة، على كل مكونات المجتمع، الديني والعرقي والفكري، في اُطار احترام قواعد الحضارة العالمية، وحقوق الإنسان، والقيم المُتفق عليها، هي القادرة على إعادة إيران، إلى مصاف الدول الحامية لأبنائها، والسائرة في طريق النمو الاقتصادي والرخاء، وما ذلك على الشعب الإيراني العريق بعسير، بعدما رأينا الحراك الأخضر لعام 2009، وما سُكوته طوال هذه السنوات، إلا تحت تهديد الإرهاب السلطوي، مُتذرعاً بالحصار ألاقتصادي لتبرير فساده وإفقار الأمة، ودخوله ودعمه لحروب خارجية.

هذا العذر لم يعد موجوداً الآن، وأصبحت الطريق مفتوحة، لتطور حراك جماهيري ديمقراطي، لإخراج إيران من أزماتها، وفتح الطريق لحلحلة أزمات أخرى بمنطقة الشرق الأوسط، إيران طرف فيها.

اٌلإرهاب في إيران كسلطة مطلقة DOWNLOAD LINK